.

طِبتَ حيًّا وميتًا يا فيدل

Foto

لماذا لم يحظ كاسترو فى أوساط شباب اليوم بنفس الشعبية التى تمتع بها بين مجايليه؟ كيف أوفد عشرات الآلاف من الأطباء والممرضين للمساعدة فى بناء المجتمعات المحررة؟


«إن تاريخ كوبا هو تاريخ أمريكا اللاتينية، وما تاريخ أمريكا اللاتينية إلا تاريخ آسيا وإفريقيا والأقيانوس، وما تاريخ هذه الشعوب إلا تاريخ أقسى أنواع الاستغلال الإمبريالى عديم الرحمة».
فيدل كاسترو- إعلان هافانا الثانى

غادرنا فيدل كاسترو ليلحق بمن سبقه من أنبياء التحرر الوطنى أمثال جمال عبد الناصر وجورج حبش وفرانس فانون ولومومبا والمهدى بن بركة وأميلكار كابرال وهوشى منه وسلفادور الليندى وهوجو شافيز وفو نجوين جياب وعماد مغنية.. الذين رحلوا أو غيبوا قبل أن يتحول حلمهم فى عالم خال من الاستعمار بكل أشكاله إلى واقع.

وحمل بعدهم فيدل وحده أمانتى الحفاظ على رسالتهم- رسالته ومواصلة تبليغها، فظل رافعا راية الشعوب المقهورة دون أن تلين عزيمته على الرغم من استشهاد الرفاق وانهيار الحلفاء واستسلام الكثيرين لليأس وتنظير «عتاة يساريى» الأمس للتحالف مع الإمبريالية الأمريكية والرجعيات الإقليمية التابعة لها باسم حقوق الإنسان والتحول الديمقراطى ومؤخرا باسم «الثورة».

أما فيدل فلم ينكس الراية حتى فى أحلك اللحظات، فأكد فى وجه بربرية نهاية التاريخ أن الخيار هو ما بين الوطن أو الموت، ما بين الاشتراكية أو الموت.

لم تكن تلك شعارات بلاغية رفعها فيدل لدغدغة المشاعر ورفع المعنويات واستدراء الهتافات فى زمن الجدب الثورى وطوفان الليبرالية الجديدة بعد انهيار سور برلين، وإنما مبادئ آمن بها طيلة حياته كما اكتشف بعد ما يقرب من ثلاثة عقود من أزمة الصواريخ الكوبية روبرت مكنمارا وزير حرب الولايات المتحدة الأسبق فى أثناء زيارته لهافانا، حيث أطلعه فيدل على أن الاتحاد السوفييتى كان قد تمكن من إيصال عدد من الرؤوس النووية إلى كوبا وتحميلها على صواريخ قبل فرض الولايات المتحدة لحصارها البحرى على الجزيرة الكاريبية، وأنه، أى فيدل، كان ينوى استخدامها فى حال تعرضت كوبا لهجوم أمريكى لوأد ثورتها وإعادة استعباد شعبها.


لم يحظ فيدل فى أوساط شباب اليوم بنفس الشعبية التى تمتع بها بين مجايليه أو بالتى يحظى بها رفيقه تشى جيفارا على الرغم من أنه حمل العبء الرئيس فى تحقيق أهداف الثورة الكوبية، وأهمها عملية بناء الدولة والمجتمع الكوبيين الجديدين، والتى من دون نجاحها لم تكن حرب الأنصار التى أسقطت باتيستا لتزدهر إلى ثورة من أعظم الثورات فى التاريخ.

وكانت ثقة تشى التامة فى قدرة رفيقه وقائده على القيام بهذا الأمر هى ما مكنه -كما أوضح فى رسالة وداعه لفيدل- من الترحال للإسهام فى فتح ساحات أخرى للمواجهة مع الإمبريالية الأمريكية مطمئنا إلى أن السياسات الاجتماعية والاقتصادية للدولة الكوبية الناشئة فى ذلك الوقت ستوفر لأسرته كما لغيرهم من المواطنين الكوبيين حياة كريمة. ولعل أحد الأسباب الرئيسية للفارق فى الشعبية اليوم بين فيدل ورفيقه الأشهر ترجع إلى ما قامت به الأذرع الإعلامية للإمبريالية الأمريكية من تسليع لتشى وتحويله إلى «صرعة شبابية» تدر الأرباح على الرأسماليين، وليس رمزا نضاليا يقض مضاجعهم، كما نجحت تلك الأذرع فى تصوير فيدل وتشى كنقيضين، حيث صورت فيدل كديكتاتور مؤسس لدولة قامعة للحريات فى مقابل تشى المناضل الرومانسى الحالم بالحرية، وبالطبع تجاهلت هذه الآلة الإعلامية مفهوم تشى للحرية القائم على فكره الماركسى المناقض لمفهوم الحرية الليبرالى الذى تروج له، كذلك تم تغييب دورشى فى وضع أسس وركائز الدولة الكوبية من خلال المناصب الوزارية وغيرها التى شغلها قبل أن يستقيل منها ويتنازل عن جنسيته الكوبية فى رسالة وداعه لا رفضا لتوجهات فيدل وإنما ليعفى الدولة الكوبية من تحمل المسؤولية السياسية لقتاله مع حركات ثورية فى دول أخرى.

ترتب على هذا التشويه الممنهج والاختزال المتعمد لمسيرة الرجلين وتصويرهما كنقيضين تسطيح مفهوم الثورة لدى الكثير ممن تكون وعيهم السياسى بعد نهاية الحرب الباردة، بحيث أصبحت الثورة فى نظرهم أشبه بالمغامرة الفردية -العفوية- التراجيدية الساعية إلى والفاشلة بالضرورة فى بناء عالم طوباوى تسوده الحرية كقيمة مجردة «وهو ما تستطيع الإمبريالية التعايش معه بل والتوسع فى ظله» لا عملية نضالية وممارسة سياسية جماعية قائمة على فكر ثورى تهدف إلى بناء مجتمع ومؤسسات تعكس وتصون وتنمى قيم الاستقلال الوطنى والعدالة والمساواة والتحرر من الاستغلال. ويمكن القول إن سيادة المفهوم السطحى للثورة من أحد أسباب الفشل الكارثى للانتفاضات الشعبية الأخيرة فى بعض الدول العربية، ليس فقط فى إحداث أى تغيير حقيقى وإنما أيضا فى منع الإمبريالية الأمريكية والرجعيات الإقليمية من استخدامها كأداة لتدمير تلك المجتمعات ولبسط السيطرة على ثرواتها بعد هدم ما تم بناؤه على مدى عقود من مؤسسات الدولة فى عدد من هذه البلدان.


أما فى الحالة الكوبية فقد نجح فيدل ورفاقه فى بناء دولة استطاعت أن تحرر الإنسان الكوبى من قيدى الأمية والمرض والحفاظ على ثروات كوبا لمواطنيها، بل ونجحت كوبا فى تنمية صناعات طبية متطورة قائمة على إنجازات علمائها الباهرة فى مجال البيوتكنولوجى التى تشيد بها كل المؤسسات العلمية المرموقة فى العالم وتتوق كبرى شركات الأدوية الرأسمالية أن تضع يدها عليها، كما طورت كوبا بفضل هذه الإنجازات قطاعها الزراعى حتى أصبحت صاحبة أهم تجربة فى العالم فى مجال الزراعة العضوية التى لا يدخل فيها أى مبيدات أو مواد كيميائية أخرى، وأيضا فى مجال الزراعة فى المدن.

تمكنت كوبا من تحقيق هذه الإنجازات العلمية والاقتصادية معتمدة فقط على مؤسساتها ومواطنيها دون أن تملك أية ثروات نفطية أو معدنية أخرى أو تستجدى مليارات الدولارات كمعونات أو أن تتنازل عن مكتسبات شعبها الاقتصادية- الاجتماعية مقابل قروض المؤسسات الرأسمالية الدولية، وفى ظل عقوبات أمريكية خانقة امتدت لما يزيد على نصف قرن، إضافة إلى الحملات التخريبية المستمرة «للمعارضة الكوبية» المدعومة من الاستخبارات الأمريكية.


أما سياسيا فقد وقفت كوبا تحت قيادة فيدل دائما بجانب حركات التحرر الوطنى، ليس فقط فى جوارها الجغرافى المباشر وإنما فى كل أنحاء العالم.

حيث أرسل فيدل عشرات الآلاف من أبناء كوبا للقتال بجانب هذه الحركات، كما أوفد عشرات الآلاف من الأطباء والممرضين للمساعدة فى بناء هذه المجتمعات بعد أن نالت استقلالها من الإمبراطوريات الاستعمارية القديمة أو بعد أن تخلصت من أنظمتها التابعة للولايات المتحدة. ولم تثنه عن تلك السياسة التهديدات الأمريكية المستمرة ووجود كوبا على مرمى حجر من الساحل الأمريكى.

وفى هذا السياق تجدر الإشارة إلى تأييد فيدل الثابت لحق الشعوب العربية فى مقاومة الحلف الأمريكى- الإسرائيلى ورفضه المبدئى للاعتراف بالكيان الصهيونى ولو كوسيلة لتخفيف الضغوط الأمريكية على بلده كما فعلت بعض «الأنظمة العربية» أو لوضع حد للمحاولات الأمريكية لإسقاط نظامه أو لاغتياله.


أدى فيدل وصية غسان كنفانى للمضطهدين بأن لا يموتوا قبل أن يكونوا أندادا لمستعمريهم ولمستغليهم على أكمل وجه، فلم يكتف بما ألحقه بالولايات المتحدة وأدواتها من هزائم على مدى ما يزيد على نصف قرن، وإنما أصر على أن لا يغلق عينيه للمرة الأخيرة إلا بعد أن تكحلت عيون مواطنيه الخمسة الذين قضوا فى الأسر الأمريكى أكثر من عقد من السنين بسماء بلادهم وبحرها، وكأنما لم يرد أن يرحل وكوبى واحد يعانى من القيود الأمريكية التى ناضل طيلة حياته لتحرير شعبه وشعوب قارته وغيرها من الشعوب المستغلة والمستعمرة من أسرها. غادرنا فيدل شامخا مرفوع الهامة دون أن يهادن أعداءه أو يساومهم على حقوق الشعوب أو أن يخون ذكرى رفاقه من قادة حركات التحرر الوطنى وتضحياتهم..

فسلام عليهم جميعا يوم ولدوا ويوم ثاروا ويوم انتصروا ويوم نفضوا عنهم غبار الهزيمة وصمدوا، وسلام علينا يوم يبعثون فينا أحياءً.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات