.

حين تستثمر الأنظمة خوف شعوبها

Foto

ماذا تفعل «الأَمْنَنَة» فى الشعوب؟ كيف تخوف الأنظمة شعوبها من المهاجرين؟ هل يمكن للديمقراطية مواجهة «الأَمْنَنَة»؟


الاستثمار فى الخوف هو سلاح فعال، بل فعال جدا لدى النظم الديكتاتورية فى الشرق التى تريد إخضاع شعوبها بشكل كامل. مثلما هو سلاح فعال حتى لدى بعض الحكومات المنتخبة ديمقراطيا فى الغرب ذات الميول أو النوازع غير الديمقراطية التى تريد توسيع نطاق صلاحياتها خارج إطار القوانين والدساتير فى بلدانها أو الالتفاف حولها أو الانتقاص منها، أو هدف انتخابى فى الحالتين (الشرق والغرب) لصالح من هم أقل كفاءة لتولى المناصب السياسية أو هؤلاء ممن يملكون مهارات ومواهب محدودة أو لا يملكون حتى تصورات أو برامج سياسية حقيقية فعالة تجعل لديهم الصلاحية كى يقدموا أنفسهم فى مجتمعاتهم كساسة.

فعلميا، ومثلما يُسهم الخوف -هذا الشعور الفطرى والإنسانى- فى تغير الوظائف العضوية فى جسد الإنسان، والذى قد يشعرنا مثلا بتغير معدل ضربات قلبنا أو تنفسنا أو درجة حرارة أجسادنا لحظة وجود تهديد أو خطر ما، فإنه يغير الحالة السلوكية لدينا أيضا كمواطنين ولربما يجعلنا أكثر قدرة على قبول أمور أو القيام بتصرفات لم نكن نقبلها فى الحالة الطبيعية. الخوف أيضا قد يفاجئنا بصورة مختلفة عن أنفسنا وذواتنا، وهى صورة لم نعتد أن نراها فى الحالة الطبيعية حينما نشعر أننا آمنون أو حينما يكون الخطر فى أذهاننا يتم تقديره وفق حجمه الحقيقى وتكون عقولنا على وعى كامل وتقدير دقيق حول مساحته ومستواه وتفاصيله، ومن ثم نستطيع أن نشكل تصورات عاقلة ومتزنة وفعالة فى التعامل معه.
وبينما كثيرا ما يذهب الباحثون أو المتخصصون فى شؤون الأمن فى بلداننا إلى نظريات الأمن التقليدى، أى تلك التى تجدها فى أى مرجع عادى ممتلئ بمواضيع عدة مثل الإرهاب والجريمة التقليدية والمنظمة، ففى المقابل هناك الكثير من الكتب والمراجع الحديثة نسبيا والتى أصبحت محل اهتمام كبير فى الغرب حول فكرة «الأمن النقدى»، والتى تقدم نقدا علميا لفكرة الأمن التقليدى، وكيف أن بعض الحكومات والأنظمة لا تتعامل مع الخطر أو التهديد أو التحدى من أجل مواجهته بل من أجل استثماره وتوظيفه لصالحها.
جزء من هذا النقد يبدو معه مثيرا للاهتمام نظرية شهيرة مسماه «الأَمْنَنَة» securitization التى تعنى أن تقوم حكومة أو سلطة ما بإقناع المواطنين أن هناك شيئا هاما جدا لديهم هو مهدد تهديدا وجوديا وهو على المحك ومعرض للفقد بشكل دائم. هذا الشىء قد يكون حياة المواطنين، أو دخولهم، أو وظائفهم، أو قدرتهم على ممارسة مهام حياتهم الطبيعية و الروتينية، أو حتى هوياتهم وثقافتهم أو أديانهم.
وفق عملية الإقناع تلك التى تتولاها السلطة مدعومة بجيش من وسائل الإعلام، تطلب السلطة من المواطنين الخائفين من الخطر المحدق منحها سلطات أو صلاحيات استثنائية مؤقتة لمواجهة الخطر عبر حرب شاملة. وهى سلطات تمثل النقيض لفكرة السياسة الطبيعية الديمقراطية التعددية التى تقوم على احترام حريات وحقوق المواطنين بشكل كامل، وحقهم فى الاختيار، وحقهم فى الترشح والتعبير وغير ذلك من حقوق، مثلما تقوم على أن كل شىء يجب أن يخضع للسياسة ومؤسساتها بداية من البطالة وانتهاء بمواجهة الإرهاب.
أما النتيجة هنا فتختلف وتتنوع وفق السياق العام ومدى رسوخ أو وجود قيم الديمقراطية والحرية فى المجتمع ووجود ظهير شعبى لها وثقافة داعمة. فأنت إذا كنت تتحدث عن بيئة تحمل تقاليد ديمقراطية تاريخية مثلما نجد فى الغرب، فالاستثناء كنتيجة قد يكون على صعيد قبول المواطنين لتقييد محدود ومؤقت لبعض الحقوق والحريات، وقد يكون الأمر أكثر سوءا فى حالة الشعوب ذات التجربة الديمقراطية الحديثة (مثل بلدان أمريكا اللاتينية وشرق ووسط أوروبا)، لكن الأمر بالقطع هو أكثر سوءا بكثير جدا فى حالة الشعوب التى عاشت تاريخيا ولا تزال تحت حكم أنظمة مستبدة مثل حالة منطقتنا؛ حيث تاريخية اعتقال المعارضين، وسلب حق التعبير تماما، ومنع المنافسة الانتخابية، وتقييد حق الناس فى التنظيم وتشكيل الأحزاب السياسية والنقابات والجمعيات الأهلية.
ويظل الأخطر فى فكرة «الأَمْنَنَة» هو ليس فى كونها عملية مؤقتة أو عابرة بل فى كونها حالة قابلة للتجدد التلقائى والاستمرار، خصوصا أنها تبدأ بوعد بأن تكون مدة الاستثناء محدودة (شهور)، ثم لا يلبث الاستثناء أن يتحول إلى منهج وسياسات دائمة (سنين)، وتجعل من كل السياسات الحاكمة فى البلاد مسؤولية أجهزة الأمن والجيوش بدل المؤسسات السياسية الطبيعية. وهكذا تكون «الأَمْنَنَة» أشبه بحلقة شريرة لا يمكن كسرها أو التخلص منها، كون الخطر أو التهديد هو أمر طبيعى ويومى يواجهه البشر منذ وجود النوع البشرى ولن ينتهى يوما ويمكن أن يندرج تحته كل شىء بداية من الخوف على الرزق وانتهاء بالخوف من القتل على يد الإرهاب. ومن ثم فإن اعتماد الخوف كوسيلة للحكم هو منهج يجد عوامل استمراره وبقائه بشكل دائم وأبدى.
فى الغرب، كانت وما زالت «الأَمْنَنَة» والتخويف سلاح صعود الحكومات اليمينية إلى السلطة أو اقترابها منها بحيازتها مساحات واسعة وغير تقليدية من التأييد الشعبى أوصلت ترامب فى أمريكا وسباستيان كورز فى النمسا إلى الحكم، وأعطت اليمين فى ألمانيا تصويتا تاريخيا لصالحه فى الانتخابات الأخيرة، مثلما اقتربت بمارى لوبان الشعبوية فى فرنسا من الحكم فى الانتخابات التى فاز بها فى النهاية إيمانويل ماكرون.
وقبل هذا كانت «الأَمْنَنَة» الوسيلة التى حازت بها الكثير من الحكومات فى العالم على سلطات وصلاحيات غير تقليدية بعد أحداث 11 سبتمبر. صلاحية تقنين المراقبة، والتجسس، صلاحية القبض والاحتجاز (فى جوانتانامو)، صلاحية الخطف والترحيل إلى بلدان العالم الثالث لانتزاع الاعترافات تحت التعذيب على يد حكومات تستر الغرب على سلطويتها واستبدادها باتخاذها شريكا استراتيجيا وفق منطق «الأَمْنَنَة» نفسه.
أما الحركات القومية واليمينية الجديدة فلطالما استغلت خوف المواطنين من المهاجرين، وقلقهم التقليدى حول هويتهم وثقافتهم واستثمرت فيه على الوجه الأمثل مضيفة إليه أكثر ما يمكن أن يقلقهم كبشر وهو لقمة العيش. أقنعتهم بكم كبير من البروباجندا أنهم فى خطر بل خطر داهم ومحدق. خطر أن يكونوا عرضة لفقدان وظائفهم أو عدم القدرة على العثور على وظائف بسبب المهاجرين القادمين من العالم الثالث الباحثين عن الوظائف على حساب السكان الأصليين. هنا الحجة الداعمة قد تكون على عكس الحقيقة التى تقر أن أغلب المهاجرين يشغلون وظائف دنيا فى المجتمع عادة لا يشغلها المواطنون العاديون فى هذا البلد، أو مثل حجة أن هؤلاء المهاجرين يستنزفون من ثروات تلك البلدان، على عكس حقيقة أن شغلهم لتلك الوظائف يدير عجلة الإنتاج فى النهاية، ويدخل المهاجرين تحت قوانين الضرائب، ويجعلهم مصدرا للدخل القومى لا منتقصا منه، وفى ضوء حقيقة أخرى أن المهاجرين الذين تقوم تلك البلدن نفسها باستقدامهم بإرادتها من موظفين أو طلاب هم مصدر إفادة كبيرة بإبداعاتهم وما يسهمون به من أفكار فى مجتمعات صنعت مجدها بالفكر والإبداع والابتكار والبحث العلمى مثل المجتمع الأمريكى الذى إنجازه الأكبر مستمد من كونه مجتمع مهاجرين.
وعلى عكس بلدان الغرب التى ما زالت فيها قطاعات من الجمهور والنخب المستنيرة مدركة لأن حماية ما حققته من مجد تاريخى يكمن فى مواجهة صعود كل من هو متشدد إلى الحكم ومحاولات هدم تقاليدها الديمقراطية التاريخية، فإن فى بلداننا الوضع هو أكثر سوءا وأشد خطرا، خصوصا أننا لا نحمل تاريخا ديمقراطيا قد يمثل حائط صد أمام محاولات «الأَمْنَنَة» تلك.
وتحت شعار الحرب على الإرهاب لطالما استغلت حكومات الشرق الأوسط الخطر بالمبالغة فى تصويره، أو تضخيمه، أو إخفاء حقيقة المسؤولين عنه حصريا أو تحديدهم بدقة، أو عدم الكشف عن حقيقته ومستواه ونطاقه وحقيقة التقدم المحرز فى مواجهته تحت دعاوى عدم صلاحية الديمقراطية لشعوبنا، وعدم أحقية الشعوب فى أن تعرف حقيقة المعارك الأمنية معه، وكل هذا بالطبع تعززه الدعاوى الإجبارية حول ضرورة التأييد المطلق ودعاوى الاصطفاف الوطنى حول الزعيم وعدم حسابه أو حتى معارضته أو سؤاله أو نقاشه مهما عظمت أخطاؤه أو ضعفت قدراته السياسية ومهاراته على تحقيق النجاح والإنجاز.. هنا مَن يخرج عن هذا الإجماع الداعم لاستبداد يستثمر الخطر يتحول لجزء من التهديد، ويصبح من الضرورى أن تستهدفه السياسة غير الطبيعية.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات