.

عقارات آيلة للسقوط

Foto

هل تستعد الدولة لـ90 ألف حادث انهيار عقار؟ لماذا تكرر حادث انهيار العقار بعد شهرين من حادث آخر؟ من المسؤول عن ملف المبانى الآيلة للسقوط فى مصر؟


12 ضحية بينهم طفلة عمرها 5 أشهر، بأى ذنب قُتلت هذه الملاك الرضيعة؟ بالفعل هى قُتلت؛ فالأمر ليس مجرد حادث انهيار عقار، ولكنه قتل عمد، والحكومة هى المتهم الأول بمشاركة كل أعضاء الجهاز التنفيذى للدولة، والجريمة هى الإهمال والتقصير تجاه المواطن وحقوقه.

للأسف، كثيرون يتغنّون بأن النظام الحالى نجح فى إعادة الأمن إلى الشارع، ولكن أى أمن هذا إذا كان المواطن يفتقر إلى هذا الشعور، حتى تحت سقف منزله؟! المواطن المصرى البائس أصبح ضحية لملفات كثيرة تراكمت عليها الأتربة، ولم يقترب منها المسؤولون إلا بعد الحوادث، وهذا هو المسؤول المصرى فى الآونة الأخيرة، تحول من «فعل» إلى «رد فعل»، أصبح مجرد مُعلِّق على الأحداث، يصدر بيانات إدانة، ويتهرب من المسؤولية السياسية والجنائية أيضًا، ويتحدث عن صرف تعويضات زهيدة لأهالى الضحايا، وفى النهاية يصبح المواطن هو المُخطئ والمذنب والمقصر.
المواطن -للأسف- هو مَن يعيش بمنزل آيل للسقوط، وهو أيضًا المسؤول عن الأبنية المخالفة التى تنهار سنويًّا، والماس الكهربائى الذى يسبب الحرائق، وهو أيضًا قائد السيارة الذى يقتحم المزلقان ويصطدم بالقطار. المواطن هو «الحيطة المايلة» الذى يتحمل أخطاء المسؤولين الحاليين وتقصيرهم، مثلما يتحمل أعباء عقود من إهمال وفساد الأنظمة السابقة.
3 أيام مرّت على حادث انهيار عقار منشأة ناصر بمنطقة المقطم، ولا يزال البحث جاريًا -حتى لحظة كتابة هذه السطور- عن 3 أشخاص راقدين تحت الأنقاض، فى ظل قلوب مُعلقة على هؤلاء الذين لم يُعرف بعدُ مصيرهم.
ولعل ما خطر ببالى عقب نبأ انهيار العقار هو بيان صادر عن ديوان محافظة القاهرة فى ديسمبر الماضى، أى قبل شهرين من حادث منشأة ناصر، وجاء نص البيان كالآتى: «وجَّه المهندس عاطف عبد الحميد، محافظ القاهرة، باستكمال حصر العقارات القديمة بكل حى، وتحديد القرارات الصادرة لها، سواء ترميم أو تنكيس أو إزالة، والعمل على تنفيذها، خصوصًا أن العقارات الصادر لها قرارات إزالة تعد ذات خطورة داهمة؛ لذلك يجب إخلاؤها فورًا من السكان، وإلزام المالك بوضع الصلبات التأمينية تحت إشراف مكتب هندسى معتمد لحين إتمام الإزالة وتوفير بدائل لتسكين السكان من قبَل المحافظة، كما شدد المحافظ فى اجتماعه الدورى مع رؤساء الأحياء على أهمية التصدى للمخالفات البنائية فى المهد، وعدم السماح بأى مخالفات جديدة».
وكأن القدر يسخر من حالنا ويتعمد إحراج الحكومة وإثبات فشل سياساتها، فبعد بيان محافظ القاهرة، الصادر يوم 17 ديسمبر الماضى، نشهد اليوم حادثًا داميًا جديدًا فى نفس المحافظة، جرّاء نفس الملف الذى «وجَّه» المحافظ بمعالجته.
بيان محافظ القاهرة يعد تجسيدًا لمشكلة الحكومة والجهاز الإدارى بالدولة، فالمحافظ مجرد «وجَّه» بحصر المنازل الآيلة للسقوط ومعالجة الملف، لكنه لم يخرج على رأس حملة لإزالة تلك العقارات، ولم يعلن للمواطنين عن عدد المنازل المخالفة والآيلة للسقوط، ولم يصدر نشرة بأعداد وعناوين البيوت التى تحتاج إلى إزالة، ولم ينسق مع وزير الإسكان بشأن توفير منازل بديلة لهؤلاء المتضررين من المنازل الآيلة للسقوط. المحافظ لم يفعل أى شىء سوى أنه «وجّه».. ماذا -إذن- بعد التوجيه، يا سيادة المحافظ؟!
ولعل التوجيه الوحيد الذى يكون له صدى يشعر به المواطن هو توجيه الرئيس عبد الفتاح السيسى للمسؤولين، وهذا إن دلَّ فإنما يدل على مركزية القرار وتحرك المسؤولين وفقًا لرؤيات الرئيس وخطاباته، لا وفقًا لخطط مدروسة تطبق فقه الأولويات وتضع حلولًا على المديَين القصير والطويل. وعلى سبيل المثال؛ بعد توجيه الرئيس بإزالة التعديات على أراضى الدولة، كانت النتيجة هى عشرات البيانات الصادرة يوميًّا عن المحافظات، التى تفيد إزالة التعديات على أراضى الدولة، وكأن الأجهزة الإدارية فى المحافظات دخلت «ماراثون» فى إرضاء الرئيس وتنفيذ تعليماته، لا فى إزالة التعديات ومواجهة الخارجين عن القانون.
وغياب الحلول العلمية الاستباقية المدروسة لدى الجهاز التنفيذى أمر يدل على وجود خلل فى الجهاز التشريعى والرقابى لدى الدولة، وإذا شهد شاهد من أهل مجلس النواب على ذلك، فقد نستند إلى تصريحات النائب يسرى المغازى، وكيل لجنة الإسكان بمجلس النواب، والذى قال تعليقًا على الحادث إن مصر بها أكثر من 90 ألف عقار آيل للسقوط! أتدركون فداحة الرقم؟! هل الدولة مستعدة لـ90 ألف حادث يشبه عقار منشأة ناصر؟! هل الدولة مستعدة لمشاهدة عشرات الآلاف من الأرواح المُنتظر أن تُزهق جرّاء حوادث أخرى؟!
تصريحات النائب لم تقف عند ذلك، بل أضاف أن فى مصر 2.5 مليون مخالفة مبانٍ دون ترخيص، ومحافظة الإسكندرية وحدها بها 300 ألف مخالفة، ولكن ما المنتظر من مجلس النواب بعد هذه التصريحات؟! وما خطوات المجلس لمواجهة فساد المحليات وغيابها عن شؤون المواطنين؟! وهل توجد خطط حقيقية لإنقاذ الوضع، أم مجرد كلام إنشائى يتشدق به المسؤولون أمام كاميرات التوك شو ليؤكدوا أن الحكومة تضع المبانى الأكثر خطورة نصب أعينها، وتتحرك لإزالتها وتوفير مساكن بديلة لذويها؟
النائب قال أيضًا إن 70% من العقارات الآيلة للسقوط تم بناؤها بعد عام 2011، وكأن عام الثورة هو المسؤول عن كل الخراب الذى حلَّ بالدولة! ولكن نفس النائب تجاهل أن ملف العقارات الآيلة للسقوط كان على مائدة مجلس النواب قبل شهرين، ففى ديسمبر 2017، طالب أعضاء مجلس النواب باستدعاء وزير التنمية المحلية لمعرفة الأسباب الحقيقية وراء عدم تنفيذ قرارات الإزالة بشأن العقارات الآيلة للسقوط، وذلك على خلفية انهيار عقار بمنطقة جزيرة بدران بروض الفرج، ما يعنى أن تحرك البرلمان لم يكن مُجديًا آنذاك، وإلا لم يكن ليظهر حادث آخر بعد شهرين فقط لا غير، والله أعلم متى سيكون الحادث المقبل!
الثورة ليست الآثمة ولكنها كانت مجرد أمل فى التغيير، لم يجد مَن يتبناه، سواء من التنفيذيين أو التشريعيين، ولكن الثورة ظلت تتحمل ما لا طاقة لها به، بدايةً من حوادث الانفلات الأمنى، مرورًا بانهيار الاقتصاد، وصولًا إلى انهيار العقارات الآيلة للسقوط.
أزمات منشأة ناصر متعددة وليست مقصورة على انهيار منزل فقط، فمنشأة ناصر أحد الأحياء شديدة العشوائية فى القاهرة، يبلغ عدد سكانها 55 ألف نسمة، تعود أصول أغلبهم إلى مدن القناة، وقد هاجروا بعد حرب 1967، واستقروا على أرض المنشأة بطريقة غير رسمية، بعد أن استولوا عليها بوضع اليد. ما يمارَس فى المنطقة من أعمال هو جَمع المخلفات ثم تصنيفها (الزجاج أو الأقمشة أو العلب الصاج أو الورق أو البلاستيك) ليُعاد تدويرها، وذلك بخلق منتج يتلاءم مع صناعة إعادة التدوير. أما المخلفات الغذائية فهى طعام للبهائم.
ويشكل الحصول على مياه الشرب مشكلة لأهالى المنطقة، فهى تصل إلى 10% من المبانى فقط، بينما يعتمد باقى السكان على بائعى المياه للحصول على مياه شرب نقية أو من الحنفيات العامة التى يبلغ عددها 8 حنفيات، لا يعمل أغلبها فى معظم الأحيان. ونظرًا لعدم وجود نظام الصرف الصحى فى المنطقة، فإن نحو 80% من المبانى السكنية تستخدم «ترنشات» للصرف الصحى، يتم تفريغها بصورة غير دورية بواسطة العربات الكارو.
ويقع فى منشأة ناصر حى يسمى «حى الزبالين»، يعيش فيه نحو 35 ألف نسمة، يعمل أغلبهم فى جَمع القمامة. جدير بالذكر أيضًا أن سكان منشأة ناصر، وتحديدًا فى «الدويقة» عاصروا أزمة الصخرة فى سبتمبر 2008، ورغم توالى الأنظمة السياسية والثورات، ها نحن بعد 10 سنوات من تلك الكارثة نقف أمام كارثة جديدة، وغدًا سنقف مجددًا أمام كارثة أخرى حتى تتغير عقيدة الحكومة وتتحرك بخطى مدروسة لحل أزمات المواطنين، والتخطيط لغد أفضل.
تحت خط الفقر يعيش هؤلاء ضحايا الجهل والفقر وغياب العدالة الاجتماعية، هؤلاء الذين لم تفلح الدولة فى استغلالهم، ففى هذا الحى توجد أعمال حرَفية وورش صناعية بأعداد كبيرة. ثم إن فيه نسبًا كبيرة جدا من المتعلمين وأصحاب المهن المؤثرة «أطباء ومهندسون ومحامون». وفيه أيضًا أعداد كبيرة من التجار، مثلما يوجد به تجار المخدرات، الذين كوَّنوا ثروات ضخمة جراء غياب الأمن والعدالة الاجتماعية، حتى أصبحت عشوائية منشأة ناصر نموذجًا يمزج بين الغناء الفاحش والفقر الشديد. 
الأزمة الحقيقية ليست فى منزل آيل للسقوط، ولكن فى وطن أصبح آيلًا هو الآخر للسقوط، الأزمة تكمن فى العقل المدبر للدولة، العقل الذى وضع نصب عينيه مكافحة الإرهاب فى سيناء بينما ترك الإرهاب الفكرى ينشط فى العقول، وترك الطبقية تتفشى فى الوطن، وجعل العشوائيات مَرتعًا للخارجين عن القانون، واكتفى بإصدار بيانات النعى والشجب والإدانة جراء حوادث أراقت دماء الأبرياء.

حادث راح ضحيته 31 قتيلاً و46 مصابًا إثر انهيار جزء من الجبل على مجموعة من المنازل بمنطقة الدويقة، حيث سقطت كمية من الصخور على أهالى الدويقة فى يوم 6 سبتمبر عام 2008. وقال شهود عيان من أهالى المنطقة إنهم فوجئوا بانهيارات صخرية أعلى المنازل القابعة فى حضن الجبل، وهو ما أدى إلى انهيار المنازل فوق رؤوس أصحابها الذين لم يتمكنوا من الفرار إلى الشوارع.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات