.

الرجل الذى لا يريد أن يموت

Foto

وُلد بالإسكندرية 15 يناير 1918 من أسرة تنتمى إلى بلدة بنى مر بأسيوط، التحق بالكلية الحربية عام 1937، ورُقى ضابطًا فى 1938، وعُين بسلاح المشاة، ثم مدرسًا فى الكلية الحربية وكلية الأركان، واشترك فى حرب فلسطين، ونَظم جماعة الضباط الأحرار الذين قاموا بثورة يوليو 1952. وتوفى فى 28 سبتمبر 1970.


 

مئة عام تمر على مولد جمال عبد الناصر، وما يقترب من نصفها على رحيله، لكنه لا يزال حاضرًا فى ذاكرة ووجدان الشعب المصرى والعربى، اتفاقًا واختلافًا، جدالاً وبكاءً، حنينًا ونقدًا؛ لأنه كان زعيمًا حقيقيًّا، وقائدًا عبَّر عن أشواق أمّته، وابنًا لمرحلته وعصره، ومنتميًا لوطنه، حتى وإن زادت مساحات الخلاف معه فى بعض المواقف والقضايا والممارسات، فإنه يظل فى وجدان الغالبية العظمى الرجل الذى انتصر للفقراء وسعى إلى استقلال قرار بلاده وأمته.
 
الحنين إلى عبد الناصر يبدو فى جوهره رهانًا على تجدد أشواق العدل الاجتماعى والاستقلال الوطنى، وهو فى ذاته إدراك لحجم منجزاته، التى أهدرها مَن لحقوه فى هذين المجالين، والنقد لتجربته يبدو بحثًا عن حرية وديمقراطية كانت ولا تزال بلادنا تفتقدها كأساس لبناء دولة مدنية ديمقراطية حديثة، وحضوره فى الوجدان العام دليل على وعى طبيعى لدى هذا الشعب بمَن ينحاز إليه ويعبّر عنه حتى وإن أخطأ فى تجربته.
 
صحيح أن الزمن اختلف، والمعادلات والموازين تغيرت، لكن يظل حضور عبد الناصر، رغم مَن حاولوا إهالة التراب عليه ونسبة خطايا مَن بعده إليه، تعبيرًا عن بقاء الفعل والمشروع حتى وإن رحل الأشخاص؛ لأن فعله كان مؤثرًا فى مسار ومصير أمة بأكملها، وجوهر مشروعه كان ولا يزال صالحًا للبناء عليه وتطويره.
 
كان عبد الناصر سياسيًّا بامتياز، لا مجرد رجل عسكرى قادته الظروف ليتولى قيادة البلاد، وكان منحازًا إلى الغالبية العظمى من المصريين الفقراء، لا مُحمِّلاً إياهم المزيد من الأعباء والمعاناة، وكان مناضلاً ينتصر لحقوق أمته وقضاياها، لا باحثًا عن تسويات تنهى ما تبقى منها، وكان قادرًا على الاعتراف بالأخطاء وتحمُّل المسؤولية، لا تحميلها للشعب ولا لغيره.
 
وبهذه المعانى كلها يبدو الربط بين عبد الناصر وما جرى فى عهده وبين كل ما لحقه نوعًا من التعسف فى قراءة الوقائع والمسارات، ورغم التشابه فى بعض الأشكال التى تثير غرائز الهجوم على عهد عبد الناصر، فإنها لم تتطابق قَط فى المضمون، ولعل الاختلافات فى جوهر الانحيازات والمشروع أكثر مما يمكن أن يُعَد أو يُحصى.
 
وليس مطلوبًا بالتأكيد البحث عن عبد الناصر جديد، ولا استنساخ تجربته، وربما التفكير بهذه الطريقة لا يعنى سوى البقاء أسرى للماضى، وليس مقبولاً أن يستمر تحميله مسؤولية خطايا مَن انقلبوا على مساره ورسخوا وعمَّقوا أخطاء التجربة التى كانت تحتاج إلى التصحيح والمواجهة، وليس مفهومًا أن يعتبر البعض أن ما يجرى حاليًّا هو استكمال لنفس المسيرة!
 
إحياء ذكرى عبد الناصر فى مئوية ميلاده ليس مجرد تعبير عن امتنان واحترام لشخص، بل هو فى حقيقته بحث عن تجديد أحلام وأشواق نبيلة، ناضلَ المصريون على مدى تاريخهم من أجلها، والرهان على ثوابت مشروعه بكل ما يحتمله من نقد وتجديد ليس مجرد وقوف فى محطات الماضى أو على أعتاب ضريحه، بل بحث عن المستقبل وشروطه وأولوياته. أما محاولات الالتصاق بصورته وتجربته وإعادة إنتاج سلبياتها بعد تفريغها من جوهر انحيازاتها، فليس سوى محاولة جديدة من محاولات تشويه التاريخ ووأد المستقبل، وهى محاولات لا تعيش طويلًا، بينما يعيش جمال حتى فى موته، كما قال المبدع العظيم عبد الرحمن الأبنودى فى قصيدته التى نعى بها عبد الناصر، والتى اختصر فيها ببلاغته المعهودة الأمر: «فيه ناس بتنهب وتسوِّف.. لا يهمّها من عاش أو مات.. ورضا العدو عنّا يخَوِّف.. معناه أكيد إننا قَفَوات.. من يوم ما مات عبد الناصر».

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات