ما تيسر من صفقة القرن يُعلن وفاتها مبكرًا

Foto

لماذا تسعى الإدارة الأمريكية للإعلان عن ملامح صفقة القرن خلال الشهور المقبلة؟ هل هناك علاقة بين الإعلان عن الصفقة والإعداد لقمة أمريكية خليجية؟ كيف تفرض الولايات المتحدة وإسرائيل الأمر الواقع فى القدس قبل إعلان ملامح الصفقة؟


بينما يقترب موعد الإعلان رسميا عن تفاصيل ما يسمى بـ«صفقة القرن»، وهو الإعلان الذى لم يحدد له موعد محدد بعد، لكن تأكيد مندوبة الولايات المتحدة الدائمة لدى الأمم المتحدة نيكى هايلى قبل أيام أن الإدارة الأمريكية سوف تعلن تفاصيلها قريبا، وفى ضوء التحركات الأخيرة للإدارة الأمريكية التى شملت زيارة نائب الرئيس الأمريكى الشهر الماضى لمصر والأردن وإسرائيل، ثم مؤخرا اجتماع لكل من مبعوثى البيت الأبيض إلى الشرق الأوسط جاريد كوشنر وجيسون غرينبلات مع مندوبى الدول الأعضاء فى مجلس الأمن الدولى لدعوتهم إلى دعم مبادرة السلام المتوقع صدورها، قد يشير إلى صحة التوقعات التى تتحدث عن أن هذا الإعلان قد يكون خلال الفترة من مارس إلى أبريل المقبلين.

مما يرجح صحة هذا التاريخ عدة مؤشرات، أولها الإعلان الأمريكى مؤخرا عن استقبال الولايات المتحدة خلال شهر مارس زيارات رسمية من قادة الدول الخليجية، والتى ستشمل ولى العهد السعودى محمد بن سلمان، وولى عهد أبو ظبى محمد بن زايد، بالإضافة لأمير قطر الذى لم يعلن عن موعد زيارته على وجه التحديد بعد، وهى الزيارات التى تبدو مقدمة لدعوة ترامب رسميا لقمة أمريكية خليجية فى كامب ديفيد خلال أبريل أو مايو المقبلين.. ورغم الحديث عن أن هذه اللقاءات والقمة المزمعة تركز بالأساس على قضية تسوية الخلاف الخليجى القطرى القائم منذ بضعة أشهر، فإن هذه تبدو واحدة من القضايا التى ستكون مطروحة، بينما ستكون القضية الفلسطينية والتسوية المحتملة التى سوف تطرحها الولايات المتحدة واحدة من أبرز القضايا المتوقع مناقشتها، خصوصا فى ظل الرهان الأمريكى على أدوار مصرية وخليجية وأردنية للقبول والعمل فى إطار تلك الصفقة، والضغط على الجانب الفلسطينى للسير فى إطارها خلال الفترة المقبلة.
مؤشر ثان يبدو من خلال إعلان وزارة الخارجية الأمريكية رسميا عن قرار بدء أعمال السفارة الأمريكية فى القدس فى شهر مايو المقبل بالتزامن مع ذكرى النكبة الفلسطينية وبدء الاحتلال الصهيونى، وهو ما يمثل انتقالا سريعا بعكس ما كان متوقعا عند إعلان ترامب قراره فى ديسمبر الماضى، والذى كان يشير إلى أن الأمر قد يستغرق عاما أو أكثر قبل تنفيذه، لكن إعلان الخارجية الأمريكية جاء ليشير إلى أن مقر السفارة سوف يكون فى مبنى العمليات القنصلية الأمريكية حاليا فى القدس قبل الانتقال إلى مكان آخر ودائم خلال عام 2019، وهو ما يشير إلى قدر من التعجل فى تطبيق القرار وفرض الأمر الواقع فعليا، بالتزامن مع الاستعداد لطرح الولايات المتحدة رؤيتها بخصوص التسوية للقضية الفلسطينية. كما يأتى ذلك فى الوقت الذى تدرس فيه الإدارة الأمريكية عرض الملياردير اليهودى الأمريكى شيلدون إديلسون بتمويل نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وهو أحد كبار ممولى الحزب الجمهورى وحملة ترامب وأحد المقربين من بنيامين نتنياهو ومالك أحد أكبر الصحف الداعمة له، بما يشير لمدى الرغبة فى الإسراع بإتمام هذه العملية.
وبينما يأتى أيضا جزء من المشهد حتى وإن لم يكن على صلة مباشرة، يبدو قرار بلدية الاحتلال الصهيونى فى القدس مؤخرا بفرض ضرائب كبيرة على العقارات والمنشآت والمؤسسات التابعة لكنائس المدينة، ليمثل لا فقط اعتداءً جديدا من الاحتلال الصهيونى، بل جزء من سياسة فرض الأمر الواقع، التى قد لا تهدف فقط لفرض وبسط السيطرة الصهيونية على القدس وبما فى ذلك دور العبادة فيها، بل كذلك التخوفات الفلسطينية المعلنة من أن يكون هذا القرار بداية لسلسلة إجراءات تستهدف الوجود المسيحى نفسه فى القدس كجزء من مساعى تهويد المدينة بشكل كامل. ورغم التصدى الواضح من بطاركة ورؤساء الكنائس الفلسطينية ورفضهم هذا القرار والإعلان عن إغلاق كنيسة القيامة احتجاجا، فإنه لا يبدو واضحا بعد تطورات هذا القرار وإن كانت الحكومة الصهيونية قد تتراجع عنه كما جرى من قبل فى مواقف أخرى مثلما حدث قبل شهور عند السعى لفرض إجراءات تفتيش أمنى ومراقبة بالكاميرات على المسجد الأقصى قبل شهور.
زاوية أخرى يبدو من المهم النظر إليها مع تواتر أنباء الإعلان عن تفاصيل الصفقة الأمريكية رسميا، وهى التحركات الأخيرة للسلطة الفلسطينية، والتى يبدو أنها بدأت تلقى قبولا من عدة أطراف دولية، خصوصا بعد الخطاب الأخير للرئيس الفلسطينى محمود عباس أمام مجلس الأمن، الذى دعا فيه لتشكيل آلية جديدة متعددة الأطراف بمشاركة دولية واسعة تشمل بالإضافة للفلسطينيين والإسرائيليين كلا من الأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة وعلى رأسها أعضاء مجلس الأمن الدائمين والرباعية الدولية، وتعقد مؤتمرا دوليا لدفع مسار عملية المفاوضات خلال منتصف العام الجارى.. وهو التصور الذى قام عباس بطرحه من قبل خلال عدة جولات وزيارات رسمية لعدة أطراف خلال الفترة السابقة، وإن كانت ردود الفعل الرسمية حتى الآن لا توضح مدى إمكانية تحقيق ذلك، خصوصا أنه يأتى بالأساس لتحجيم الدور الأمريكى، بعد قرار ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الصهيونى ونقل السفارة الأمريكية، ورغم الرفض الإقليمى والدولى المعلن لهذا القرار، فإن التحول لتشكيل آلية جديدة فى مواجهة الدور الأمريكى بشكل مباشر تبدو مساحة مختلفة ربما لا تبدو الدول الكبرى راغبة فيها أو مستعدة لها، على الأقل لحين وضوح رؤية الإدارة الأمريكية بخصوص ملامح التسوية التى تطرحها، ومن هنا فإن سعى أمريكا لقرب الإعلان عن صفقة القرن، وكذلك التحضير لترتيبات موازية مع أطراف عربية وخليجية، والحوار مع مندوبى الدول الأعضاء بالأمم المتحدة ومجلس الأمن خلال الفترة الأخيرة، تبدو كلها نوعا من السعى لتأكيد هذا الانتظار، وضمان قدر من الدعم والتأييد لما ستعلنه الولايات المتحدة والبناء عليه، بما يحفظ لإدارة ترامب دورا أساسيا فى هذه العملية خلال الفترة المقبلة، رغم الرفض الفلسطينى الواضح والمعلن لذلك.
ملامح الصفقة المنتظرة والتى يثور حولها منذ فترة طويلة الكثير من التضارب، وتشكل إزعاجا كبيرا للكثير من المهتمين والمتابعين بما تحمله من تفاصيل محتملة رغم عدم تأكيدها رسميا من أى طرف، فإن آخر ما نشر عنها، وفقا لتقرير أعده صائب عريقات أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الشهر الماضى، يشير إلى ملامح لا تقل خطورة، ورغم أنه لم يرد فيه ما كان متداولا وشائعا من قبل عن تبادل أراضٍ وما إلى ذلك ضمن هذه الصفقة، فإن الملامح التى جاءت فى تقرير عريقات شملت تثبيت وضع القدس كعاصمة لدولة الاحتلال الصهيونى مع البحث عن مساحة فى ضواحى القدس كعاصمة لفلسطين يرجح أن تكون أبو ديس وفقا لتقارير وتوقعات سابقة، وضم الكتل الاستيطانية بمساحة من 10 إلى 15% من الضفة الغربية لدولة الاحتلال رسميا، فى مقابل تشكيل دولة فلسطينية منزوعة السلاح على أجزاء من أراضى الضفة بالإضافة إلى غزة وممر آمن بينهما تحت السيادة الإسرائيلية، ودون أن تتمتع فلسطين عمليا بأى سيادة فعلية والاكتفاء بتشكيل قوة شرطية مدربة، تحت سيادة الحكومة الإسرائيلية بالأساس، وكل ذلك مع تأجيل إعلان حدود الدولة الفلسطينية النهائية وقضايا الوضع الدائم فى إطار جدول زمنى للمفاوضات يحدد ويتفق عليه بين الطرفين، بالإضافة للاعتراف بإسرائيل كوطن قومى لليهود، والتعاون الأمنى الثنائى والإقليمى والدولى، بما يفتح الباب واسعا أمام فكرة بدء مسار التطبيع العربى الصهيونى رسميا وعلنا.
ملامح هذه الصفقة المقترحة أمريكيا، إن صحت وكانت دقيقة، وهو ما يبدو أقرب للمحتمل فى ظل كل ما جرى على مدى الشهور الماضية من تسريبات واحتمالات متداولة، ورغم الإعلان الأمريكى أن إدارة ترامب لم تنتهِ تماما من بلورة التفاصيل النهائية بعد، فإنها باختصار لن تعنى سوى محاولة جديدة لترسيخ الانحياز الكامل للاحتلال الصهيونى على حساب تعليق وتأجيل أى حقوق للشعب الفلسطينى باستثناء حديث غير متماسك عن دولة منزوعة السيادة، والقبول بمثل ذلك الإطار فلسطينيا أو عربيا، فضلا عما يمثله من إهدار للحقوق وخنوع ليس جديدا تجاه ما تطرحه أمريكا وإسرائيل، إلا أنه سيفتح الباب فعليا ليس فقط أمام موجة غضب شعبى ربما لا تشغل بال الأنظمة كثيرا فى ظل تمرير واحتواء رد الفعل إزاء قرار ترامب بخصوص القدس، بل سوف تكون مدخلا فعليا ولو على المدى المتوسط والطويل ليس فقط للتصفية النهائية والكاملة للقضية الفلسطينية، لكن كذلك قدر قد لا يمكن توقع حدوده من عدم الاستقرار والأزمات الداخلية والإقليمية فى كل بلد عربى إذا مضى هذا المسار فى طريقه للتطبيق.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات