.

The Phantom Thread.. خيط الحب الفاصل بين المرأة والفستان

Foto

كيف صنع الفيلم قصة حب شديدة التوتر والغرابة بين صانع الأزياء وملهمته؟


مرض المخرج بول توماس أندرسون، ووجد زوجته ترعاه بحب بالغ، وتأثر كثيرًا بمشاعرها الدافئة التى أحاطته طوال فترة مرَضه، وبادلها مشاعر الامتنان والافتتان كأنه يكتشف علاقتهما من جديد. هذه المشاعر موجودة بلا شك، لكنها كانت خفية، لا يراها بوضوح فى حياته اليومية وهو سليم معافى، وألهمته هذه العلاقة كتابة فيلمه The Phantom Thread «الخيط الوهمى»، وفى الفيلم جسد دانيال دى لويس شخصية مُصمم الأزياء رينولدز وودكوك، وهو مصمم فساتين سيدات المجتمع الراقى فى بريطانيا، فى حقبة الخمسينيات، والمرأة التى أحبها رينولدز هى ألما (فيكى كريبس) نادلة قابلها مصادفةً فى مطعم، ووجد فيها صفات جذبته، وأصبحت ألما ملهمته ومساعدته وحبيبته.

ولا يمكن أن نتوقع من أندرسون قصة حب عادية.
يقول بطل الفيلم لحبيبته فى أحد المشاهد: «قبّلينى يا فتاتى قبل أن أمرض».
تختلف قصة رينولدز وألما عن قصص الحب السينمائية الناعمة كما فى «كازابلانكا»، أو تلك القصة الإيروتيكية التى يقدمها فيلم من نوعية أفلام «خمسون ظلا رماديًّا»، فرينولدز ليس رجلاً عاديًّا، إنه فنان مهووس بمهنته، يقدس عمله ويضعه فوق كل اعتبارات أخرى، وهو شخص مضطرب، وعبقريته تجعله واقفًا على حافة الجنون، يتجاذبه عشقه لصنع الفساتين، وحبه لمُلهمته ألما، وحينما تتصادم العلاقتان، يسعى إلى طرد ألما من حياته، فهو لن يستطيع تحمل التشتت الذى تسببه، سواء بتصرفاتها التلقائية، وطريقتها المزعجة فى تناول الطعام، أو تجاوزها خطوطًا غير مسموح بتجاوزها فى علاقتها معه.
فَهْم شخصية رينولدز يحتاج إلى فهم علاقته بالفستان الذى يصنعه، فهو ليس مجرد خياط شاطر ومصمم ملابس أنيقة، إنه يثور حينما يُطلب منه تصميم فستان أنيق، فهو لا يصنع الأثواب من أجل الأناقة السطحية، بل يُكمل جمال وأنوثة الجسد ويضيف إليه، هو يصنع تحفة فنية، وفى أحد المشاهد يصر على استرداد الفستان الذى صنعه من أجل إحدى سيدات المجتمع الراقى لأنها أهانت صُنعه بظهورها فى حالة سُكر وهى ترتدى الفستان.
يسرد أندرسون حكايته بهدوء شديد، فعالم البطل رينولدز يسوده القلق، وليس الصخب، وروتين يومه مكرَّس للعمل، ولا يسمح بأى عائق أمام إبداعه، ولا يقبل بأى شىء يشتت أفكاره، ويعتمد بصورة رئيسية على شقيقته الكبرى سيريل (ليزلى مانفيل)، السيدة العانس التى تدير المكان بإخلاص وحزم، وتحرص على توفير الظروف له لممارسة روتينه اليومى الذى لا يتغير، وهى المرأة التى تراه دائمًا أسمى من أن يكون مجرد رجل عادى يحب ويتزوج.
فى هذا العالم الخاص الذى يتمحور حول رينولدز وفساتينه تأخذنا موسيقى جونى جرينوود وتجول بنا فى أجواء المكان الأرستقراطية، كأنها موسيقى لا يتوقف عزفها فى معبد. حضور الموسيقى طاغٍ وكأنه بديل عن قلة الحوار والتعبير عن المشاعر. والكادرات تركز على التفاصيل الدقيقة، حتى آثار الجروح التى صنعتها وخزات إبرة الخياطة فى يد رينولدز، وأرقام قياسات جسد ألما، التى تدونها سيريل، ونظرات عيون رينولدز لألما وهى ترتدى الفستان فى مرحلة البروفة، تلك المرحلة الحساسة التى يحاول فيها الخياط العثور على التصميم الأنسب ليصنع العلاقة الأنسب بين الفستان وصاحبته.
تجد ألما نفسها وسط عالم رينولدز، ولكنها تشعر بأن خصوصيتها لم تمنحها أكثر من تلك المساحة المحدودة على هامش عواطف واهتمام رينولدز. حاولت كأى فتاة جذب حبيبها بأساليب الحب التقليدية، حاولت لفت انتباهه والانفراد به حتى بوجبة غداء، لكن ثورته كانت عاصفة، لقد جرَّدته من عالمه وشخصياته، وهذا أمر أفزعه كثيرًا.
لم تجد أكثر من هذا إلا فى تلك الأيام التى مرض فيها ولزم الفراش، وأصبح وقته بالكامل ملكًا لها، ومنحته كل مشاعر الحب، والرعاية، وكان رد فعله الامتنان والحب، وبدا أن حالة السقم والمرض تلك هى التى تجبر رينولدز على الهبوط من سماء الآلهة إلى أرض الرجال، وهنا فقط يمكنه رؤية الحب الذى تكنّه له ألما، ويمكنه منحها المشاعر التى تستحقها. يجبره جسده الواهن على التوقف عن التفكير الدائم فى عمله، ويترك المجال لتتدفق مشاعر حُبه لامرأته، ويمنحها الفرصة للتعبير عن حبها له.
هذه المساحة المريضة للرومانسية تختفى باختفاء المرض؛ ولهذا تتخذ ألما قرارها حينما ترغب فى استعادة تلك اللحظات الدافئة.. على المرض أن يزور رينولدز، عليه أن يكون عاجزًا ولا يجد سواها بجواره تعينه وتساعده.
إنها قصة حب تحمل كثيرًا من التعقيدات النفسية، ولا يمكن استساغتها بسهولة، ولا يمكن التعبير عنها إلا من خلال شخصيات تستطيع السير فى الطرق الشائكة للتعقيدات البشرية.
المخرج بول توماس أندرسون، صاحب فيلم There Will Be Blood «ستسيل الدماء»، والحاصل على جائزتى أوسكار أفضل تصوير، وأفضل ممثل دور رئيسى، وهى الجائزة التى حصل عليها دانيال دى لويس عن جدارة، فهو ممثل يُجيد التعبير عن أعقد المشاعر، ولا يسير فى طريق الأداء النمطى، وصنع فى «الخيط الوهمى» واحدًا من أهم أدواره، وربما يكون هو وجارى أولدمان الأقرب إلى الحصول على أوسكار هذا العام. قد يكون دور رينولدز المعقد هو دور دانيال دى لويس الأخير، إذا أصر بالفعل على تنفيذ تصريحاته التى أعلن فيها أنه سيعتزل التمثيل بعد هذا الفيلم، ولو حصل على الأوسكار ربما يُغير رأيه، فالمبدع لا يستطيع التوقف عن الإبداع بسهولة.

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات