.

إحياء السياسة قبل أن تطل علينا السيناريوهات الأسوأ

Foto

هل يمكن بناء الدول وتحقيق استقرار المجتمعات بشيوع الخوف والقلق؟ لماذا يفترض أن تراجع السلطة سلوكها إزاء الحياة السياسية؟


لا تزال تداعيات ردود الفعل والمواقف من الانتخابات الرئاسية تتوالى، وهى التى يفترض أن تجرى فى مصر خلال شهر مارس المقبل كإجراء يفضى عمليا لبداية ولاية ثانية للرئيس الحالى عبد الفتاح السيسى لأربع سنوات مقبلة، لكن أجواء فترة الترشح لهذه الانتخابات وما سبقها شهدت الكثير من التفاعلات والمواقف التى تلاها ردود فعل قطاعات متنوعة ومختلفة من القوى المحسوبة على معارضة السلطة الحالية، فتم إقصاء البعض بإخراج آثروا فيه السلامة لأنفسهم مثل أحمد شفيق، والقبض على البعض الآخر وحبسهم على ذمة التحقيقات الجارية، مثلما جرى مع سامى عنان ومن بعده هشام جنينة ومؤخرا عبد المنعم أبو الفتوح.

المشهد الحالى فى مصر يبدو مقلقا ومربكا، ويبدو أنه سيظل كذلك ليس فقط حتى إجراء الانتخابات المقبلة بل ربما يمتد لما بعد ذلك أيضا، رغم ما تحققه عملية سيناء 2018 التى بدأتها القوات المسلحة مطلع الأسبوع الماضى من خطوات متقدمة فى مواجهة العناصر الإرهابية فى سيناء وفقا للبيانات الرسمية المعلنة، وبقدر ما يمثل ذلك اتجاها نحو تحسن الظروف الأمنية واستقرارها مع اكتمال هذه العملية ونجاح الجيش والشرطة فى القضاء على بؤر التنظيمات الإرهابية فى سيناء، ومع إدراك أن القضاء على الإرهاب بالمعنى الشامل لن يكتمل إلا بمواجهة سياسية واجتماعية وفكرية مكتملة مع التطرف بكل عناصره.. فإن ذلك كله لا يعكس إحساسا عاما بالاستقرار والأمان والأمل فى تحسن الأوضاع فى المرحلة المقبلة، بقدر ما يبدو القلق والخوف طافيا على السطح من مسار الشهور والسنوات المقبلة، فى ظل وضع سياسى مأزوم، واحتقان اجتماعى مكتوم فى ظل استمرار السياسات الاقتصادية الحالية.
والأمر لا يبدو هنا متعلقا بالمواقف السياسية ممن طالتهم حملات القبض والحبس الأخيرة، والاتفاق أو الخلاف معهم، بل يتعلق بالأساس بجوهر وجود مساحات للعمل السياسى السلمى وفقا للدستور والقانون، وموقف السلطة الحالية من ذلك، فى ظل أن الملاحقة بالاتهامات وتقديم البلاغات والتشويه طالت عددا كبيرا من القوى السياسية والشخصيات المعارضة فى الآونة الأخيرة على خلفية موقفهم من الانتخابات المقبلة، وهو امتداد لسلوك قائم بالفعل على مدى السنوات الأربع الماضية، ورغم ما يفترض نظريا أن يقدمه التطور فى مواجهة العناصر الإرهابية وتنظيماتها، من فتح الباب تدريجيا لموقف مختلف إزاء العمل السياسى وترك مساحات أوسع لحرية الرأى والتعبير والحركة، فإن الأمور تبدو فى اتجاه بقاء الوضع على ما هو عليه بل وربما الذهاب نحو ما هو أسوأ بمزيد من التضييق والعصف والاستبداد والملاحقة الأمنية، وبقدر ما يمثل استمرار ذلك خطرا كبيرا على تحقيق استقرار حقيقى بالمعنى الشامل فى ظل إغلاق الباب أمام أى حياة سياسية جادة، ومساحات فعلية للمعارضة لتنظيم صفوفها وطرح آرائها ووجهات نظرها، فإنه كذلك يمثل تحديا لابد أن يكون مقلقا للسلطة، لا على مستوى الانتخابات المقبلة فحسب، التى لا تزال بعيدا عن دعوات المعارضة وتأثيرها من عدمه معرضة لمساحة واسعة من عدم الاهتمام الشعبى وعدم المشاركة فى التصويت بحكم أن الأمور تبدو محسومة سلفا، وبحكم أيضا تحقير السياسة بشكل عام واعتبار كل ما له علاقة بالعمل السياسى ترفا لا تحتمله البلاد فى ظل التحديات الراهنة، لكن الأهم يبدو فى مسار السنوات الأربع المقبلة، التى إذا استمر فيها الحال بهذا الشكل ستضع الجميع إما أمام حالة إحباط واسعة قد تتجلى آثارها وتظهر على السطح، لا فى ما يتعلق بالنخب والقوى السياسية فحسب، بل لدى قطاعات واسعة من المجتمع، وإما أمام صدامات لا يعرف أحد توقيتها ولا مداها ولا آثارها.
وربما يروج البعض لفكرة أن حملات القبض الأخيرة التى طالت شخصيات كبيرة لم يكن متوقعا فى مراحل سابقة أن يتم التعامل معها بهذا الشكل، قد أكدت مدى قوة ونفوذ السلطة الحالية خصوصا فى ظل ردود الفعل الضعيفة والمحدودة، لكن استمرار ذلك السلوك والتوسع فى ترسيخ مناخ الخوف والقلق، آثاره ستكون شديدة السلبية فى المرحلة المقبلة، سواء على المستوى المجتمعى بشكل عام، فلا استقرار ولا تقدم ولا بناء حقيقى يقوم على مجتمع خائف وقلق على مستقبله، أو حتى على المستوى السياسى فى ظل تهميش وإقصاء كل الأحزاب والقوى والشخصيات السياسية المعارضة وملاحقة بعضهم والتوسع فى مفهوم معسكر الأشرار والخلط فيه بين المعارضة السياسية السلمية وبين الإرهاب الذى يحمل السلاح ويستخدم العنف فى مواجهة الدولة والشعب.
وبغض النظر عن الانتخابات الرئاسية المقبلة وما آل إليه مشهدها وما سينتهى عليه، فإن الاستحقاقات السياسية والانتخابية المقبلة بما يفترض أن تشمله من انتخابات محلية عند انتهاء البرلمان من إقرار قانون المحليات، وانتخابات برلمانية يفترض أن تجرى فى عام 2020، ثم انتخابات رئاسية فى 2022، كلها وغيرها من مسارات السنوات الأربع المقبلة تبدو مرهونة ومعلقة بطبيعة تعامل السلطة فى المرحلة المقبلة مع الحياة السياسية وأطرافها، وإذا كان الأمر سيظل فى إطار ما هو قائم على مدى السنوات الماضية وما قد يذهب إليه من تطورات أسوأ، أم قد يدرك البعض أن استمرار هذا الحال من المحال، وسيقضى تماما على أى أمل فى بناء حياة سياسية وفتح مساحات مختلفة بما قد ينعكس حتى على استحقاقات أخرى مقبلة، وبما سيكون له دون أدنى شك تأثيرات مباشرة على غيرها من الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وغيرها.
غياب العقل السياسى عن السلطة واستمرار منطق العصف والقمع لن يؤدى سوى للمزيد من التأزم، واستمرار إغلاق أى قنوات أو مسارات سياسية تداعياته مقلقة للجميع دون استثناء، والرهان على أن الخوف قادر على إسكات الجميع وإن نجح لفترة فإنه سيخسر إن عاجلا أو آجلا، والاعتقاد فى أن خلق نخب سياسية مصنوعة على هوى ومقاس السلطة قد يكون بديلا لن يكون سوى إعادة إنتاج لتجارب سابقة أثبتت فشلا محققا، فالسياسة لا تصنع فى الغرف المغلقة، ولا تتطور بالقوالب المعلبة، ولا تكون مقنعة إلا بفعل التعدد والتنوع فى تياراتها وشخصياتها ومواقفها ووجهات نظرها.. ثم الأخطر من كل ذلك تصور قد نسمع تمهيداته وقد نرى أصداءه خلال الفترة المقبلة بعد انتهاء انتخابات الرئاسة بشهور أو سنوات، حول الضرورات التى تبيح المحظورات إذا استمر الحال على ما هو عليه، واقترب موعد انتهاء الفترة الرئاسية الثانية فى ظل ذات الأحوال الراهنة من موت للسياسة وغياب للمعارضة، وتلك المحظورات قد تمتد حينها إلى تعديلات جوهرية على الدستور تفتح الباب لزيادة مدة الفترة الرئاسية أو فتح الباب لمدها أكثر من دورتين.
جوهر ما ينبغى أن تقلق السلطة بشأنه حقا فى المرحلة المقبلة هو أن استمرار تفريغ الحياة السياسية من مضمونها، ومن أى اهتمام بها وبالمشاركة من خلالها، وتحويل السياسة إلى جريمة يلاحَق المشاركون فيها، واستمرار احتقارها واعتبارها كماليات لا داعى للانشغال بها، لن تكون آثاره محددة عند شيوع حالة الخوف والإحباط العام، الذى ربما يكون مرضيا فى اللحظة الحالية، لكن تداعياته ستكون مقلقة فى المستقبل القريب، بل قد تمتد لفتح الباب لشيوع المزيد من أفكار التطرف الداعية للجنوح إلى سبل ومسارات أخرى فى ظل إغلاق المجال السياسى، ومع تغييب فكرة البدائل السياسية المدنية، فإن قوى التطرف قد تجد لها مساحات أوسع رغم الضربات التى توجه لها أمنيا وعسكريا، وهو ما يفترض أن يكون ولو من باب المصلحة المباشرة للسلطة داعيا لمراجعة المنهج القائم حاليا، ومع عدم رهاننا على إدراك ذلك والوعى به وبآثاره، فإن القلق المستحق والمشروع إزاء آثار استمرار السلوك القائم يجب أن تدفع كل المهمومين بمستقبل هذا الوطن وبمسار الشهور والسنوات المقبلة لنقاش جاد حول الأدوار والمهام الواجبة خلال الفترة المقبلة لتقديم بدائل تتجاوز سيناريوهات كلها تبدو مؤسفة ومؤلمة للجميع.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات