تعزيز الروابط مع الجيران بالغاز والمياه

Foto

هل تسعى إسرائيل لتطبيع أكثر من خلال الصفقة الجديدة؟


ترجمة: أميرة جبر

نقلًا عن جريدة «جيروسالم بوست» الإسرائيلية، فى ٢٠ فبراير ٢٠١٨.

فى وقت مبكر من عام ٢٠٠٤، انتهت أنقرة والقدس من أكثر من ٤ سنوات من المفاوضات، ووقعتا صفقة من شأنها تزويد إسرائيل بمليار متر مكعب من المياه من نهر مانافجات التركى على مدى ٢٠ عامًا.

وتمت مناقشة أفكار مبدعة لنقل المياه، بما فى ذلك ضخ المياه فى بالونات مطاطية عملاقة تُربَط بعضها ببعض ويتم سحبها إلى عسقلان، أو ضخ المياه فى ناقلات نفط مُعدلة، وشحن المياه للدولة اليهودية.
ورأى رئيس الوزراء -آنذاك- أرئيل شارون أن الصفقة مُربحة للجانبين، إذ ستتمكن إسرائيل من تخفيف نقصها من المياه، وستتمكن تركيا أخيرًا من استغلال المنشأة المبنية خصيصًا على نهر مانافجات لتصدير المياه، وستربط الصفقة بين الدولتين الصديقتين بشكل أوثق.
وكان هذا بالتأكيد سبب وزارة الخارجية فى الدفاع عن الصفقة على الرغم من اعتراض وزارة المالية عليها، لأن سعر هذه المياه كان أغلى من تحليتها ببساطة. ولكن وزارة الخارجية ومكتب رئيس الوزراء شعروا بأن هناك شيئًا على المحك أكبر من مجرد المياه والشيكلات، إذ كانت تلك طريقة لتعزيز علاقات إسرائيل الاستراتيجية بدولة شرق أوسطية رئيسية.
وقال أفيجدور يتساحقى، مدير عام مكتب رئيس الوزراء آنذاك، الذى شارك عن قرب فى المحادثات مع الأتراك، إن الأمر ليس اقتصاديًّا، بل قال حينها: «إنه أمر استراتيجى وسياسى».
وفى النهاية تم التخلى عن الصفقة فى عام ٢٠٠٦، جزئيًّا؛ لأنه لم يتم العثور على طريقة رخيصة وفعالة لنقل المياه، وجزئيًّا لأن فى هذا التوقيت كان رجب طيب أردوغان قد أصبح رئيس وزراء تركيا، وكانت قد بدأت تهب رياح التغيير الباردة فى أسلوب أنقرة تجاه إسرائيل.
حتى وإن تم التخلى عن الفكرة فإن المبدأ المحرك لها قوى، فكلما ازداد تشابك علاقات إسرائيل بالدول المجاورة، كان أفضل.
وحتى مطلع الألفينيات، كانت مبيعات الأسلحة الإسرائيلية لتركيا هى المحرك الرئيسى فى تلك العلاقة. وكانت الفكرة من استيراد المياه هى تنويع الروابط وإعطاءهم عنصرًا اقتصاديًّا، وخلق ترابط اقتصادى لن يرغب أى من الطرفين فى تفكيكه.
وعلى الرغم من عدم نجاح المشروع مع تركيا فالأمل هو أن تعزز صفقة الغاز الطبيعى بقيمة ١٥ مليار دولار، التى تم الإعلان عنها، يوم الإثنين، بين إسرائيل ومصر، من قوة الروابط بين هذين البلدين، وأن تعطى العلاقة طبقة قوية فوق العنصر الأمنى القوى الذى يدعمها حاليا.
وهذه الصفقة، التى بموجبها ستبيع إسرائيل الغاز لمصر من حقليها البحريين «تمر وليفياثان»، ليست فقط عن زيادة إيرادات الضرائب فى إسرائيل واحتمال تحويل مصر إلى محور للغاز الطبيعى من حيث يتم تصدير الطاقة لأوروبا وآسيا، فهى أيضًا -على الأقل من وجهة نظر القدس- طريقة لربط البلدين معًا بشكل يصعب على أحد تفكيكه، لأنه سيكون هناك الكثير من المصالح الاقتصادية على المحك.
وليس سرًّا أن السلام بين إسرائيل ومصر مثله مثل سلام إسرائيل مع الأردن، فى حقيقته سلام بين الحكومات، فالحكومات والجيوش والأجهزة الاستخباراتية تتعاون عن قرب، ولكن الشعور فى شوارع القاهرة وعمان لا يزال معاديًا بشدة لإسرائيل. وهذه الصفقة لن تغير عداوة العامة، ولكنها ستساعد فى شَرعَنة الروابط بين البلدين.
ومصر، كباقى العالم العربى، تعارض تطبيع العلاقات مع إسرائيل لحين حدوث تطور كبير فى الملف الفلسطينى. ومصطلح التطبيع ذاته بغيض وملعون لكثيرين فى العالم العربى. إن صفقة الغاز لا تطبع الروابط، ولكن من الممكن اعتبارها كما أشار إليه مدير عام وزارة الخارجية السابق «دور جولد» خطوة صغيرة ثابتة أخرى نحو «تطبيع التفاعلات»، حيث تأمل إسرائيل فى أن كل خطوة تؤدى إلى أخرى، ومن بعدها كثير.
إن كانت مصر وقعت هذه الصفقة الضخمة الآن مع إسرائيل، والأردن وقعت صفقة لشراء الغاز الطبيعى الإسرائيلى منذ عامين، فهذا لا يعنى إطلاقًا أن دولًا عربية أخرى -وتحديدًا دول الخليج الفارسى (يقصد الخليج العربى)- تقف طابورًا لتوقيع صفقات اقتصادية ضخمة مع إسرائيل، فمصر والأردن لديهما معاهدات سلام مع إسرائيل، على عكس الدول العربية الأخرى.
ومع ذلك تبعث هذه الصفقة رسالة بأن القيام فى العلن بأعمال تجارية مع إسرائيل شىء مقبول ومفيد، وهى رسالة مفقودة على نحو خطير، حتى فى تلك الدول التى تتمتع إسرائيل معها رسميًّا بالسلام، وهو أمر من شأنه فقط أن يزيد من قوة هذه العلاقات السلمية.

 

* هيرب كينون
صحفى إسرائيلى، أمريكى المولد، يكتب عمودًا فى جريدة «جيروسالم بوست» الإسرائيلية.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات