.

لماذا لا تنضم مصر إلى حفلة إسرائيل بصفقة الغاز الطبيعى؟

Foto

كيف يتم تسييل الغاز فى مصر وبيعه لمصنعين وتجار وليس للتصدير؟


ترجمة: أميرة جبر

نقلاً عن جريدة «هآرتس» الإسرائيلية فى ٢٠ فبراير ٢٠١٨.


بدت وكأنها حفلة صاخبة كبيرة، يوم الإثنين، عندما أعلن الشركاء فى حقلَى غاز «تمر وليفياثان» الإسرائيليين عن اتفاق بتصدير الغاز إلى مصر. وارتفعت أسهمهم بسرعة الصاروخ فى بورصة تل أبيب، وأشاد رئيس الوزراء نفسه بالصفقة.
ولكن كان ينبغى على المحتفلين النظر إلى جوارنا، إلى مصر ذاتها، حيث كان الصمت مطبقًا.
رفض المشترى المصرى «دولفينوس القابضة» التعليق، وتساءل أحد المحللين: لماذا يخاطر الرئيس عبد الفتاح السيسى بالسماح بالإعلان عن مثل هذه الصفقة الجدالية قبيل الانتخابات الرئاسية؟ واستخلص متشائمًا أن الرئيس واثق بقدرته على التعامل مع أى تظاهرات.
وبدا أن وزير البترول، طارق الملا، متأفف من المسألة برمتها، إذ قال: «لا نمانع استيراد الغاز من إسرائيل، ولكنّ لدينا شروطًا»، مشيرًا إلى خلاف معلق حول تعويضات مستحقة لإسرائيل نتيجة قطع مصر إمدادات الغاز منذ ٦ سنوات.
وقد تبشر الصفقة بعصر جديد وعظيم من التعاون فى الطاقة، كما يأمل الجميع فى إسرائيل، ولكن هذا يعتمد على أيهما سيفوز.. الاقتصاد أم السياسة؟ ولأن هذا هو الشرق الأوسط، فلا أراهن كثيرًا على الفرس الاقتصادى. وهذا الفرس أصيل.. على الورق. إن الجزء الشرقى من البحر المتوسط يجلس فوق مستودع ضخم من الغاز الطبيعى، فإسرائيل لديها حقلا «ليفياثان» و«تمر» البحريان، وقبرص لديها حقل أفروديت، ومصر لديها حقل ظهر العملاق -ومعًا يحتويان على نحو ١.٨٩ تريليون متر مكعب من الغاز- ومن شبه المؤكد أن هناك المزيد سيكتشف، بما فى ذلك فى لبنان وغزة.
ولا يحتاج الشرق الأوسط إلى كل هذه الطاقة، ولكن أوروبا على بعد خط أنابيب، وإذا استطاعت قوى الغاز الصاعدة أن تتحد فاقتصاديات تصدير الغاز تبدو منطقيًّا جيدة.
وتريد أوروبا الغاز لأن احتياطياتها فى بحر الشمال تتضاءل، ولأنها تريد تقليص اعتمادها على الطاقة الروسية.
المشكلة الوحيدة هى كيف ينقل الغاز. وأحد الخيارات، الذى دعمته إسرائيل ودول أخرى فى شرق المتوسط فى ديسمبر الماضى، هو أن تتم إقامة خط أنابيب فى قاع البحر من قبرص إلى اليونان ومنها لإيطاليا. وهناك خيار ثانٍ بخط أنابيب أكثر تواضعًا لتركيا، والتى ستستهلك بعضًا من الغاز، وترسل الباقى إلى أوروبا. وتركيا، وهى سوق كبيرة للغاز فى حد ذاتها، تود هى الأخرى تقليص اعتمادها على روسيا.
أما الخيار الثالث فهو التخلى عن خط الأنابيب كليًّا، وتسييل الغاز وإرساله بالسفن إلى أوروبا أو أى مكان فى العالم به طلب.
وكما هو الحال فمصر موطن مصنعين لتسييل الغاز الطبيعى، كلاهما مغلق حاليا، ومن الممكن تزويدهما من حقل ظهر المصرى المكتشف حديثًا، أو من إسرائيل وقبرص.
وكل ما سبق ذكره سبب فى مزاج إسرائيل الاحتفالى هذا الأسبوع. والغاز الذى نحن بصدده لم يتم تخصيصه صراحةً للتسييل والتصدير من قبَل مصر، بل سيتم استخدامه من قبَل مستخدمين صناعيين وتجاريين كبار فى مصر. ولكن يستطيع المتفائلون -على الأقل- الإشارة إلى هذه الصفقة كعلامة على استعداد مصر لإقامة أعمال تجارية مع إسرائيل. فهل يراهن وكيل رهانات على هذا الفرس العجوز؟
دعونا الآن ننظر إلى فرس سياسة الشرق الأوسط العجوز البائس، إنه مخلوق جدير بالشفقة، ولكن الحقيقة أنه يهزم فرس الاقتصاد الأصيل بأمتار كلما واجها بعضهما بعضًا. فأى صفقة تتداخل فيها تركيا كممر أو كزبون للغاز تقابَل برفض أنقرة السيادة القبرصية على غازها، على اعتبار أن الدولة القبرصية التركية المنفصلة تستحق نصيبها العادل، حتى إن الأتراك تلاعبوا قليلًا بالدبلوماسية المدعومة بالتهديد العسكرى، للتأكد من فهم مقصدهم. كما أن علاقات أنقرة بإسرائيل باردة، وأعاقت حتى الآن أى صفقة ثنائية، كما أنها ليست على علاقة طيبة بمصر.
وسيعنى خط الأنابيب إلى أوروبا حرفيًّا الالتفاف حول المانع التركى، ولكن المشكلة هى أنه سيكلف ٦ مليارات يورو ضخمة، وسيكون عليه أن يجتاز مياهًا عميقة ومسارًا طويلًا، وربما لا يكون قابلًا للتطبيق تقنيًّا، ناهيك بتطبيقه ماليًّا. وهذا يتركنا أمام مصانع الغاز الطبيعى المسال فى مصر. على المستوى التقنى، يقدمون حلًّا جذابًا، فحقول الغاز الإسرائيلية والقبرصية قريبة، وحتى إذا اكتشفت مصر غازًا لا يغطى احتياجاتها المحلية فحسب، بل يتم تصديره أيضًا، سيكون مكسبًا لكل البلاد المشاركة أن تتحول مصر إلى نقطة خروج مشتركة لغاز المنطقة بأكملها.
ولكن هنا يتقدم فرس السياسة العجوز، إذ تقوم تركيا بكل ما تستطيع القيام به لمنع أى صفقة مع قبرص، ولا يبشر الاستقبال البارد الذى تلقته إسرائيل فى مصر، هذا الأسبوع، بالخير لمستقبل التعاون فى مجال الطاقة.
ومنذ ٦ سنوات، لم تتردد القاهرة فى التراجع عن عقدها بتصدير الغاز لإسرائيل؛ لأنه كان مكروهًا للغاية سياسيًّا. كان خط الأنابيب هدفًا مفضلا للمفجرين المصريين ومعارضى النظام الذين اتهموا الحكومة ببيع الغاز بثمن بخس.
وفى إسرائيل، يرى نتنياهو وآخرون أن التعاون فى مجال الطاقة يعزز الروابط الاستراتيجية مع جيراننا، ويجعل من إسرائيل شريكًا لا يمكن الاستغناء عنه.
ولكن كما نتعلم ببطء من الحرب التى تشنها إسرائيل مع القوى الخليجية ضد إيران، فإن المصالح المشتركة لها حدود، وما دامت إسرائيل «شريكًا» تقيم معه الأعمال التجارية لأنه يجب عليك ذلك وليس من واقع صداقة حقيقية، سيكون فرس السياسة العجوز منافسًا فى السباق دائمًا.


* ديفيد روزنبرج: محرر الاقتصاد بجريدة «هآرتس» الإسرائيلية.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات