.

لماذا اختار ترامب مايو موعدًا لنقل سفارة بلاده إلى القدس؟

Foto

هل جاء موعد التنفيذ باكرًا جدا على عكس التوقعات؟ ما الثمن الذى تقدمه واشنطن نظير الصمت العربى عن تنفيذ الوعد الأمريكى؟


«ليس عليكم أن تحبوا القرار، وليس عليكم أن تشيدوا به، وحتى ليس عليكم أن تقبلوه. لكن اعرفوا أن هذا القرار لن يتغير». هكذا قالت نيكى هايلى، مندوبة الولايات المتحدة الأمريكية فى الأمم المتحدة، فى اجتماع لمجلس الأمن عُقد فى 20 فبراير الجارى حول الشرق الأوسط، متحدثة عن قرار الرئيس الأمريكى الذى أعلنه فى ديسمبر الماضى بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس.

الرسالة كانت واضحة، وبلُغة متحررة من الانضباط السياسى -مثلما يفضّل ترامب- عنَت المندوبة الأمريكية أن «السفارة ستُنقَل ستُنقَل». وإن كانت هايلى لم تعلن وقتها أن القرار الجبرى سيتم فى أقرب مما هو متوقع، فإنه بعد ثلاثة أيام تقريبًا -فى يوم الجمعة الماضى- أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية، على لسان المتحدثة الرسمية باسمها هيذر ناورت، أن مقر السفارة الأمريكية فى إسرائيل سينقل رسميًّا من تل أبيب إلى القدس، بالتزامن مع الذكرى السبعين لقيام الدولة العبرية فى مايو 2018. وقالت ناورت فى بيانها: «نحن فى غاية السرور لقيامنا بهذا التقدم التاريخى، وننتظر بفارغ الصبر الافتتاح فى مايو».
غير أن الإعلان هذه المرة محدد التوقيت والذى يحمل دلالة استفزازية للعرب كونه يترافق مع ذكرى النكبة، لم يُثِر على نطاق واسع ردود أفعال رسمية خطابية حادة مثلما أثار إعلان الرئيس الأمريكى فى السابق، فهناك الكثير من الدول العربية تجاهلت الأمر وكأنه لم يكن من الأساس، أو كأن الإعلان كان أهم من الفعل، بل إن الخبر لم يحظَ بالتغطية الواسعة والاهتمام الإعلامى عربيًّا، الذى ناله القرار الأول فى ديسمبر، والذى سعت الولايات المتحدة وقتها إلى التخفيف من وطأته بزعم تيلرسون (وزير الخارجية الأمريكى) أن عملية نقل السفارة لن تتم قبل عامين.
لكن وفق وجهة نظر أخرى، وبعيدًا عن نظرية «أمريكا الواحدة»، فإن القرار الذى لَربما خشى وزير الخارجية الأمريكى من تداعياته، وحاول إعطاء مساحة للمناورة حوله ولو وقتيًّا، يبدو أنه كان محسومًا لدى ترامب -على الأقل- الذى لا يتشارك عادةً مع وزير خارجيته نفس وجهات النظر، وأن الإعداد لتفعيل القرار كان يجرى على قدم وساق لدى ترامب، بعيدًا عن رأى المعارضين له داخل الكونجرس والإدارة، ولَربما جرى اختيار توقيته بذكاء إقليميًّا، فأى قرار يحمل هذا الوزن من الضرورى أن يكون هناك تصور باكر لكيفية تنفيذه، ولمستوى تداعياته، مثلما هناك رصد لاحق لمآلات تلك التداعيات، وتصور لكيفية التخفيف منها أو امتصاصها، أو حتى تجنبها بشكل كامل إن أمكن.
ويبدو أن الإدارة الأمريكية حينما أطلقت تلك القنبلة السياسية فى ديسمبر، كانت تفكر فى أمرَين، وقد توقعتهما، إن لم تكن قد تحكمت باكرًا فى أحدهما.. الأول هو مستوى ردود الفعل الغاضبة داخل الأراضى المحتلة فى فلسطين، وإمكانية أن يستثير القرار انتفاضة فلسطينية جديدة، والثانى هو ردود الأفعال العربية الرسمية على القرار.
عمليًّا، وفى الحالتين فإن الأمور سارت على ما يرام، مثلما تمنت الإدارة الأمريكية وأكثر، فالاحتجاجات فى الأراضى الفلسطينية، والتى اندلعت فى أعقاب إعلان ترامب فى ديسمبر، كانت فى إطار محدود وخفتت تدريجيًّا مع الوقت، وهى احتجاجات مثلما توقع الكاتب أنشل بفيفر فى صحيفة «هآرتس» فى ديسمبر (بعد القرار بأسبوع تقريبًا) ليس هناك احتمال لتحولها إلى انتفاضة على غرار ما جرى فى 1987 و2000. وهو التوقع الذى شاطره إياه محللون أمريكيون آخرون فى وقت باكر.
أما فى ما يتعلق بردود الأفعال العربية الرسمية وقتها فهى مضبوطة وغير مزعجة، ناقدة وحادة صحيح، لكنها فى النهاية ليست فى إطار أبعد من التعبير عن الغضب والإدانة للقرار. هذا ما جرى اختباره خلال الشهرين الماضيين، وهنا فقد صدقت نبوءة هايلى وتوقعها بسقف ردود الأفعال حينما قالت تعقيبًا على قرار ترامب وقتها: «عندما أدلى الرئيس بالتعليق يوم الأربعاء، قال الجميع إن السماء ستنطبق على الأرض، لكن مرَّ الخميس والجمعة والسبت والأحد، والسماء لا تزال فى مكانها، لم تسقط».
كذلك فإن الأحداث التى تجرى فى المنطقة خلال الشهرين الماضيين، وستستمر تداعياتها خلال الشهور القليلة القادمة، تجعل الكثير من القوى العربية الإقليمية محملة بديون للإدارة الأمريكية الجديدة، وتجعل من شهر مايو توقيتًا مناسبًا للقرار، تضمن به أمريكا (ترامب) حفاوة التأييد الإسرائيلى والدعم اليمينى الداعم لإسرائيل فى الداخل الأمريكى، وتجعل من رد الفعل من تلك القوى الإقليمية العربية محدودًا جدا ومتحكمًا فيه لأقصى درجة.
فى مصر، أى الوسيط التاريخى فى محاولات تسوية النزاع، هناك انتخابات سوف تجرى فى منتصف مارس، وحتى قبل أن يحل مارس، فالشكل الفوضوى، الذى أُعد به مشهد انتخابات لا تتسم بأى قدر -ولو شكلى- من الديمقراطية، أثار فضيحة دولية فى وسائل الإعلام الغربى، حتى قبل أن يحل يوم التصويت وما يمكن أن يحدث فيه. وبالطبع، غض الطرف عن ما يحيط بهذا المشهد قبل وبعد إجراء عملية التصويت له ثمن يجب أن يُدفَع.
وبالمثل، فتركيا، التى قررت فى النصف الثانى من يناير الماضى شن عملية عسكرية فى عفرين فى سوريا، متحررة من أى قيود دولية لتدخلها أو من خشية من ردود أفعال غربية.. قالت وقتها إنها تستهدف مواقع تابعة لوحدات حماية الشعب الكردى الحليف السابق لأمريكا فى الحرب على داعش، سيكون عليها أيضًا أن تدفع ثمنًا. ثم هناك الانشغال بقضية عفرين التى فرضت نفسها على مجريات الأمور فى المنطقة وخلفت انشغالاً كبيرًا بشأنها لدى الأطراف المتداخلة فى الصراع السورى.
وفى المملكة العربية السعودية، حيث جرى اعتقال أشخاص بارزين ليسوا مؤثرين فى الداخل السعودى فحسب بل فى الاقتصاد الدولى، تحتاج هى الأخرى إلى دفع ثمن نظير صمت أمريكا المعنية بالنظام الرأسمالى العالمى. أما قطر، التى وضعت أمريكا حدودًا لمعاقبتها من قبَل بلدان الجوار الخليجى فى الشهور الماضية، فهى مدينة أيضًا مثل الآخرين.
ناهيك طبعًا بأولوية الخطر الإيرانى بالنسبة للخليج وبشكل عام، وهنا يجب الالتفات إلى ملامح التصعيد الخطابى لدى إدارة ترامب نحو إيران فى الأسبوع الأخير، والتلويح بتحركات نحو تعديل الاتفاق النووى مع إيران، وهو الاتفاق الذى لَطالما أزعج بلدانًا خليجية رأت أن أمريكا سوف تتخلى عنها بموجبه. وحتى 12 مايو، وهو موعد اتخاذ البيت الأبيض قراره المقبل بشأن الاتفاق النووى، فهناك ثمن مُجمع يجب دفعه أو على الأقل سيكون مطلوبًا إبداء مرونة أمام القرار الأمريكى حول القدس وعملية نقل السفارة إليها. هذا عن «الجزرة» أو الثمن المقبول لدى القوى الإقليمية فى المنطقة، لكن ماذا عن «العصا» كسلاح لدى إدارة أمريكية متطرفة؟!
وفق مشروطية صريحة، هددت الولايات المتحدة، فى ديسمبر الماضى، بأنها قد تقطع مساعداتها عن الدول التى قد تقف فى طريق تحقيق القرار الأمريكى. بالطبع، لم تكن إدارة ترامب تتحدث عن دول العالم، بل كانت تتحدث عن بلدان المنطقة، التى تحظى بنصيب الأسد من المساعدات، حيث تعد المتلقى الأكبر لها مقارنةً بأى منطقة أخرى فى العالم (أفغانستان: 5.4 مليار دولار، إسرائيل: 3.1 مليار دولار، مصر: 1.3 مليار دولار، العراق: 1.8 مليار دولار، الأردن: 1.08 مليار دولار). وفى يناير الماضى، أثبتت الإدارة الأمريكية أنها على قدر قولها فى ما يتعلق باستخدام مبدأ المشروطية بشكل عام، سواء تعلق الأمر بالقضية الفلسطينية أم بغيرها. ويمكن فهم قرارَى الإدارة فى الرابع والسادس عشر من يناير الماضى، بتعليق مساعدات أمنية لباكستان، وتجميد إرسال 65 مليون دولار من المبالغ المرصودة مسبقًا لوكالة الأمم المتحدة لغوث اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) فى إطار ربط المساعدات بفكرة المصلحة بشكل مباشر. وبالطبع، الرسالة الضمنية قد تكون لاقت صداها لدى البعض الآخر ممَّن لم تطُلهم مثل تلك القرارات.
فى النهاية، ومثلما يبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية قد أمنت صمت الدولة العربية ذات التأثير فى المنطقة مثلما أمنت صمت الدول التى تقدم نفسها بمنطق القائد فى العالم الإسلامى، فمن حق نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلى، أن يحتفل، خصوصًا أن توقيت الإعلان ربما فاق توقعاته، وهو الذى كان يظن الأمر قد يستغرق عامًا مثلما من حقه أن يشيد بإعلان الولايات المتحدة اليوم توقيت نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، واصفًا إياه بأنه «يوم عظيم لشعب إسرائيل» كونه يأتى فى الذكرى السبعين لتأسيس دولته.

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات