.

«جدو نحنوح» يرفع شعار الاستسهال

Foto

الفيلم راح إلى السيناريو الأسوأ ولجأ إلى كوميديا الاستسهال ليجعل من السينما مهزلة فنية


استكمالا لمسيرة أفلام المقاولات التى كانت سائدة فى فترة الثمانينيات، أتى علينا أول شهر من عام 2018 بفيلم «جدو نحنوح»، فاشترك الفيلم مع أفلام المقاولات فى جميع سماتها من هبوط المستوى الفنى العام للفيلم من حيث البناء الدرامى، وأداء الممثلين، والإمكانات الإنتاجية الضئيلة بالإضافة إلى عدم إقبال الجمهور على حضور الفيلم، ولكن «جدو نحنوح» تفوق فى السير بنوعية هذه الأفلام إلى مستوى أكثر تدنيًا.

فيلم «جدو نحنوح» من بطولة مصطفى أبو سريع وياسر الطوبجى ومحمد ثروت ومدحت تيخا وإيمان السيد، تأليف جوزيف فوزى، وإخراج سيف يوسف، وقد صدر الفيلم فى دور العرض فى 17 يناير الماضى، وعلى الرغم من حداثة ظهوره فى السينمات فإنه لم يحظَ بأى اهتمام من قبل الجمهور مما جعل بعض دور العرض فى سينمات وسط البلد تُقلع عن فتح الحفلات الخاصة به، لأنها لو قامت بعرض الفيلم فستعرضه للمقاعد الخاصة بقاعة السينما ليس إلا، وأظن أن حتى المقاعد لن تلقى له بالا، ولن تستهويها المشاهدة.
تدور أحداث الفيلم فى إطار كوميدى حول ثلاثة أحفاد لرجل غنى يدعى نحنوح، بعد وفاته يعلم الأحفاد بوجود كنز قد تركه الجد لهم، وهذا الكنز مدفون داخل مستشفى للأمراض النفسية والعصبية، فيضطرون لصنع الحيل للدخول إلى المستشفى للحصول على الكنز. وهنا لابد من الإشارة إلى أن قصة الفيلم هذه المكررة عشرات المرات لم تكن هى السبب فى الهبوط بالمستوى العام للفيلم، فلو أن القصة نفسها تمت صياغتها بشكل فنى وبناء درامى أفضل لاختلف الأمر تماما، وبات لدينا فيلم كوميدى بشكل حقيقى تتجمع أية أسرة للخروج لتراه فى السينما، لكن الفيلم راح إلى السيناريو الأسوأ ولجأ إلى كوميديا الاستسهال ليجعل من السينما مهزلة فنية.
ربما يبدو الحديث به سطو عنيف على الفيلم لكن كل عنصر من العناصر المكونة للفيلم يبرر كل ما قيل مسبقا، فبداية من تتر الفيلم الذى صدّر الشعور بأنه تتر لمسلسل «ست كوم» يُعرض على التلفاز، وليس تترا لفيلم سينمائى، ثم إلى الأسلوب الذى اشترك فيه المؤلف والمخرج للتعريف بالشخصيات الرئيسية فى بداية الفيلم مع استخدام موسيقى كليشيه عند الظهور الأول للشخصية كالتى كانت تستخدم فى بعض المسرحيات عند صعود البطل على خشبة المسرح فى بداية العرض ليحييه الجمهور، هذا فى ظل تتابع رتيب لظهور كل شخصية تلو الأخرى بالطريقة نفسها، مع استخدام الموسيقى.
فمع موسيقى الفيلم الكليشيه المستخدمة على مدى الفيلم إلى جانب كوميديا السف على كثير من الأحداث العامة خلال الفترة الماضية، ظننت أن هذا الأمر والتمادى فى الكليشيهات مقصود كنوع من فرنجة الأحداث العامة وصنع شكل فانتازى كالذى يقدمه الثلاثى «شيكو وهشام وفهمى» أو أشبه بما قدمه «أحمد مكى» فى فيلم «لا تراجع ولا استسلام» من السخرية على كليشيهات السينما، ومع متابعة الفيلم ظهر الأمر أنه ليس إلا استسهالا، فصناع العمل والممثلون ليس لديهم ما يملأ مشاهد الفيلم سوى بإفيهات من نوعية «ابعتلنا عمرو دياب واهو نصالحه على شيرين»، وكذلك ظهور أدوار ثانوية داخل مستشفى الأمراض العقلية تقوم بتقليد حارس المرمى الأسبق لنادى الأهلى «أحمد شوبير» والإعلامى «وائل الإبراشى» بل والإتيان بالفنان حمدى الوزير ليقوم بأداء دوره الأشهر على الإطلاق فى السينما -دور المتحرش والمغتصب- فقد جمعوا أشهر الشخصيات التى يعلق عليها منشورات كوميدية فى مواقع التواصل الاجتماعى لتكون من مصادر الكوميديا والذى بدوره يزيد من تتابع مشاهد الفيلم كما أنه ليس بالأمر المرهق، وهو أقصر الطرق التى بإمكانها إضحاك الجمهور لكن هذا الكم من الاستسهال أتى بنتيجة عكسية وجعلها كوميديا فاترة لا طعم لها.
إذا عُدنا إلى أفلام المقاولات فى فترة الثمانينيات، سنجد أن الحسنة الوحيدة فيها أن الممثلين بعيدا عن ضعف السيناريو والإمكانات وقتها لم يقوموا بالاستسهال فى إضحاك الجمهور، وإنما كل ممثل وقتها كان لديه سكة الكوميديا التى يقوم بالإضحاك من خلالها، فلم يكن هناك مواقع للتواصل الاجتماعى يستعينون بها ليروا ما الذى يمكن أن يلتقطوه منها ويضيفوه إلى إفيهاتهم، أو ما هى الشخصيات التى يمكنهم تقليدها أو البناء عليها، لهذا هم ليسوا نسخا تمثيلية من بعض، بل كل منهم كيان مستقل بذاته، وعلى الرغم من سقطاتهم الفنية فإن كلا منهم له تاريخ يُحترم، فالشباب الموجود الآن لا يعرف أن التاريخ لا يُبنى بالإفيهات أو بالأساليب المستهلكة.
كل هذا جعل جميع الممثلين وخصوصا «الكوميديانات» يظهرون بصورة باهتة، أذكر أننى رأيت مصطفى أبو سريع من قبل فى أكثر من دور أفضلها الدور الذى أُسند إليه بجانب الساحر محمود عبد العزيز -رحمه الله- فى مسلسل رأس الغول، كان دورا كوميديا ذا مساحة كبيرة لم يصبه ما يتضايق الجمهور منه بل على العكس، وذلك على الرغم من بساطته وعدم وجود أحداث مثيرة فيه لكن أبو سريع ظل يستخدم سكة الكوميديا نفسها فى ما قدمه بعد ذلك، وكذلك الأسلوب نفسه فى رمى الإفيه، فلم يبدع شيئا جديدا عن هذا. كما ظهر محمد ثروت الذى بدأ الجمهور يلتفت إليه مؤخرا بصورة باهتة أيضا بل كأنه لم يوجد فى الفيلم من الأساس، فلا أتذكر إفيه واحدا له أو حتى أداءً مميزا.
وبجملة انهيار الإبداع تمت الاستعانة داخل الفيلم بأغنية «اتفضل من غير مطرود» التى غناها نجاح الموجى فى فيلم «أيام الغضب» حيث كان لها مبررها الدرامى داخل الفيلم عندما اقترب خروج نور الشريف من مستشفى الأمراض العقلية، فتم نقل الأغنية إلى فيلم «جدو نحنوح» مع توزيع مختلف بعض الشىء دون وجود أى داعٍ لها سوى تشابه موقع التصوير فى الفيلمين وهو مستشفى الأمراض العقلية! كما تم اللجوء أيضا إلى مهرجان «العب يلا» دون أى سبب واضح، فلم يكونوا مثلا داخل ملهى ليلى أو فى حفل، بل بكل بساطة كان مدير المستشفى هو من يقوم بغنائها مع مرضاه ربما لأنه كان نوعا من العلاج لم يخطر على بالنا!
ومن ضمن التداخل العشوائى فى أحداث الفيلم أيضا، المشهد الدرامى لمدحت تيخا مع حبيبته التى ظهرت فجاءة خلال أحداث الفيلم لتقول له إنها جاءها عريس لخطبتها فيتأثر ويرد عليها بحديث كليشيه الكليشيه!!
ببساطة شديدة هذا الفيلم لا يمثل نفسه فحسب وإنما هو جزء من سينما تقوم الآن على هذا النمط، دون أن ندرى ما الغرض من مثل هذه الأفلام، فلو كان الهدف هو الربح فهى لا تُحصل إيرادات لأن الجمهور يفضل الأفلام صاحبة المجهود ويكره الاستسهال.

 

نقلًا عن مجلة «فُرجة»

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات