.

قاتل علِى رضى الله عنه تقرَّب بقتله إلى الله!

Foto

على مذهب مَن تقتل الجماعات المتطرفة خصومها؟ وكيف يرون أنفسهم ويرون الآخرين؟


بما أن التاريخ هو تسجيل لحركة الإنسان، سواءً أكان فردًا أم جماعة، حاكمًا أم محكومًا، منتصرًا أم منهزمًا، متقدما أم متأخرًا، خلال فترة معينة؛ لذا فالنظر فيه يجعلك أكثر قدرة على فهم واقعك ورؤية مستقبلك، لأن الإنسان هو الإنسان وإن تغيَّرت الأزمان، وإن تطورت معارفه، لكن تبقى الطبيعة الإنسانية واحدة لا تختلف؛ لذا يقال إن التاريخ يعيد نفسه والحقيقة أنه لا يعيد نفسه، فالماضى لا يعود، وإنما أنت وأنا وهو أو هى، فرد أو دولة، أنظمة أو شعوب، نكرر ذات الفعل أو رد الفعل، ثم ننتظر نتيجة أخرى غير النتيجة الطبيعية التى تحتّمها الطبيعة الإنسانية، كيف؟ فهل تنتظر أن يخالف الإنسان، أن يخالف البشر، أن تخالف الأشياء طبائعها؟!

 

فيعتقد الكثيرون أن الحق لابد أن ينتصر، بينما القرآن يخبرنا أن هناك أنبياء قُتلوا، لنعلم أن أحكام الدنيا غير أحكام الآخرة، فالحق فى الآخرة منتصر وأصحابه لا محالة فائزون، لكن الدنيا لها قوانين ونواميس أخرى تنظمها، فالحق إن لم يحظَ بقيادة واعية مدركة صاحبة رؤية ونظر ثاقب ولديه قدرة على المناورة وتحريك الأحداث لصالحه مع قوة له تحميه، وأنصار يحملونه وتخطيط وتنظيم وأخذ بكل أسباب النجاح إن لم يكن له كل ذلك، فلن ينجح أبدًا، بينما لو أخذ مَن ليسوا على الحق بأسباب النجاح لَنجحوا وحققوا مرادهم، فمهم جدا أن تكون صاحب حق أو مبدأ جيد، لكن الأهم من كل ذلك هو أن تكون صاحب تخطيط جيد صاحب قوة حقيقية، هؤلاء هم الذين ينحاز إليهم التاريخ على مداره كله؛ لأنها قوانين الله ونواميسه التى وضعها لكونه وجعلها حاكمة لأرضه، لذا فسوف نرى ونحن نتحدث هنا عن الفرَق الإسلامية أن بعضًا من هذه الفرق حكمت وتمكنت من إقامة دول لها رغم ضلالها.

 

واجه الإمام علِى، رضى الله عنه، الخوارج بجيشه، فسحقهم وشتّت شملهم وفرّق جمعهم، فى هذه الأثناء كان معاوية بن أبى سفيان، رضى الله عنه، قد جهّز جيوشا كثيرة وبعثها للبلاد التى تقع تحت سيطرة وحكم الإمام علِى، فاستطاع أن يتغلب على الكثير منها، محققًا تقدمًا وتوسعات ملحوظة.

وكان من هذه البلاد التى تغلَّب عليها «مصر»، وكان يحكمها محمد بن أبى بكر الصديق، ربيب الإمام علِى، فجهز إليه معاوية، رضى الله عنه، جيشًا قوامه ستة آلاف بقيادة عمرو بن العاص، رضى الله عنه، وركب إليه محمد بن أبى بكر فى ألفى فارس، فقاتل قتالا مريرًا حتى انفضّت الجموع من حوله ففرّ، فتبعه جند عمرو بن العاص، واستطاع معاوية بن خديج أن يمسك به فقتله ثم وضعه فى جيفة حمار، وأحرقه فلما بلغ ذلك عائشة، رضى الله عنها، جزعت عليه جزعًا شديدًا، وضمت عياله إليها وجعلت تدعو على معاوية وعمرو بن العاص دُبُر كل صلاة، فلما بلغ ذلك عليًّا، رضى الله عنه، قام فى الناس خطيبًا فحثهم على الجهاد والمسير إلى أعدائهم من الشاميين والمصريين، وواعدهم الجرعة -مكان بين الكوفة والحيرة- فلما كان الغد خرج الإمام علِى، حيث واعد جيشه فلم يخرج إليه أحد، فعاد الإمام على حزينا كئيبا، وبعث لأشراف الناس، فلما حضروا إليه قال: أليس عجبًا أن معاوية يدعو الجفاة الطغاة فيتبعونه بغير عطاء ولا معونة، ويجيبونه فى السنة مرتين وثلاثًا إلى أى وجهة شاء؟! وأنا أدعوكم فتعصوننى وتختلفون علىَّ؟ هكذا استقر أمر العراقيين على مخالفة علِى، لجهلهم وقلة عقلهم وغلظتهم وجفائهم، فتهيأت بذلك كل الظروف لمعاوية، رضى الله عنه، وجيشه، ليحقق مزيدًا من الانتصارات والتقدم، فداهمَ معاوية الحجاز ودخل جيشه المدينة وأجبر أهل المدينة على أن يبايعوه ففعلوا وفرّ عمال علِى من أمام جيش معاوية، فقال علِى عن أصحابه، والهم أخذ به كل مأخذ: «لا أحرار عند النداء ولا إخوان ثقة عند النجاة، عمى لا تبصرون وبكم لا تنطقون وصم لا تسمعون، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون».

يقول ابن كثير فى عبارات يقطُر منها الأسى: وأميرهم علِى بن أبى طالب خير أهل الأرض فى ذلك الزمان، أعبدهم وأزهَدهم وأعلمهم وأخشاهم لله، عز وجل، ومع هذا كله خذلوه وتخلوا عنه حتى كره الحياة وتمنى الموت فقام فى قومه خطيبًا، قائلا لهم: والله إن هؤلاء القوم -أى معاوية وجيشه- سيظهرون عليكم وما يظهرون عليكم إلا بعصيانكم أمامكم وطاعتهم أمامهم وخيانتكم وأمانتهم وإفسادكم فى أرضكم وإصلاحهم، قد بعثت فلانا فخان وغدر وبعثت فلانا فخان وغدر، اللهم سئمتهم وسئمونى وكرهتهم وكرهونى، اللهم فارحمهم منى وأرِحنى منهم. عندها وبعد مكاتبات كثيرة بينه وبين معاوية، تم الاتفاق على وقْف القتال وأن يكون لكل واحد منهما حكم ما تحت يده، فاستقر الأمر على ذلك على ما فيه من مرارة لعلِى، رضى الله عنه، لكن مَن نجا من الخوارج لم ينسَ ما كان من علِى من قتل أصحابهم وتفريق شملهم وتشتيت أمرهم، فاجتمع ثلاثة منهم، وهم عبد الرحمن بن ملجم، وآخران، وقالوا: ماذا نصنع بالبقاء بعد قتل علِى لإخواننا؟ فاتفقوا على قتل أئمة الضلال -حسب زعمهم- علِى ومعاوية وعمرو بن العاص، رضى الله عنهم أجمعين، فاختار عبد الرحمن بن ملجم قتل علِى، وذهب الآخران لقتل معاوية وعمرو بن العاص، ففشلا فى قتلهما، وأما ابن ملجم فقد كمنَ لعلِى، رضى الله عنه، فلما خرج لصلاة الفجر تمكن منه فضربه بسيف مسموم فى رأسه وهو يقول: «لا حكم إلا لله يا علِى، ليس لك ولا لأصحابك» وجعل يتلو قوله تعالى: «ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد» «البقرة: 207».

فجعل الإمام علِى وهو يحتضر، يكثر من قول «لا إله إلا الله»، لا يتلفظ بغيره، حتى مات رجل يحبه الله ويحبه رسول الله ويحب الله ورسوله، أمير المؤمنين على بن أبى طالب، قتله الخارجى هذا قربة وتقربًا إلى الله، يتقرب لله بقتل مَن هو من الرسول بمنزلة هارون من موسى، فجعله الخوارج بطلا يمجد وتقال فيه الأشعار، فقال فيه عمران بن حطان:

يا ضربة من تقى ما أراد بها ... إلا ليبلغ من ذى العرش رضوانا

إنى لأذكره يومًا فأحسبه ... أوفى البرية عند الله ميزانا

الخوارج يعتبرون قاتل علِى، رضى الله عنه، تقيًّا تقرب بضربته لذى العرش ابتغاء رضوانه وهو أفضل الناس عند الله! أرأيت كيف يتصورون أنفسهم وكيف يتصورون خصومهم؟! إنهم أفجر وأخطر مما تتصورون، فرحم الله الرئيس السادات وكل شهداء الإرهاب من قبله ومن بعده.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات