.

خدعوك فقالوا «زمن الفن الجميل»

Foto

ما المانع أن نحب الأغانى الكلاسيكية القديمة ونحب موسيقى البوب والروك والراب حتى المهرجانات فضلًا عن أن النفس البشرية تستوعب أكثر من ذائقة؟!


فى فيلم «Midnight in Paris» الذى تم عرضه فى عام 2011، من إخراج وكتابة وودى آلن، وبطولة كل من أدريان برودى وكارلا برونى وماريون كوتيار ورايتشل مكأدامز وتوم هيدليستون، عبَّرت أحداثه عن أزمة الصراعات بين الأجيال المختلفة، حيث يعتقد كل جيل أن زمن الجيل الذى سبقه هو الزمن المثالى، ويرجع ذلك إلى طبيعة الإنسان التى فى الغالب تشعر بالحب والحنين والشغف للماضى.

 

على مدى عمرى أستمع إلى جمل ثابتة لا تتغيَّر فى كل البرامج الحوارية المذاعة عبر المنصات الإعلامية المختلفة، وحتى فى الصحف والمجلات، مثل: «زمن الفن الجميل»، «تدنِّى الذوق العام»، «تدهور سوق الأغنية»، «فين أيام أم كلثوم وحليم؟».
 

صحيح بل ومؤكد أن هناك كثيرًا من الأغانى القديمة كانت رائعة وجميلة، ومؤكد أيضًا أن عبد الحليم حافظ كان وسيظل أسطورة غنائية، وأن أم كلثوم هى أنجح مغنية فى تاريخنا العربى، والعديد من الأمثلة الأخرى، ولكن مَن قال إن الغناء أصبح مقتصرًا ومحتكرًا على هذه الفترة التى ظهر فيها جيل أم كلثوم وأيضًا فترة حليم وجيله؟
 

الحقيقة أننا نستطيع أن نطلق على مَن يقولون هذه الآراء أنهم «سلفيو الموسيقى»، لأن السلفيين هم الذين يعتقدون أن المسلمين الأوائل أكثر تطبيقًا لتعاليم وقواعد الإسلام. ليس هذا فحسب، بل إنهم يرون أن هؤلاء الأوائل هم الأكثر فهمًا لطبيعة الدين، وبناء على ذلك يشككون ولا يعترفون بأى تجديد فى ما يخص الفتاوى والفقه والتفسيرات، وبالنسبة إليهم أى مجدد فى هذه المسائل يعتبر من الخوارج الذين ضلوا الطريق وابتعدوا عن السلفية، وكأن الدين الإسلامى أصبح حكرًا على حقبة معينة فى التاريخ وتوقَّف عند هذه الفترة، وأصبح جامدًا ومطلوبًا منا أن نردد ونقلِّد كل ما فعله المسلمون الأوائل، لكى ندخل الجنة بفهم «السلفيين»، والفرق الوحيد بين هذين الفريقَين هو أن هناك فريقًا غنائيًّا وآخر دينيًّا، ولكن الفكر والمنطق واحد.
 

وخطورة هذا الطرح أنه يشكك فى قدرة مصر على إنتاج مواهب فنية ناجحة، وهذا أمر خطأ 100%، كما أننا سئمنا من تعامل البعض معنا بمبدأ الوصاية، أو أننا فى حاجة إلى مَن يرشدنا إلى ما نريد سماعه، كما أن هؤلاء اعتقدوا أنهم المتحدثون باسم «الذوق العام» وأن من حقّهم الحكم على اختيارات الآخرين.
 

ثم ما المانع أن نحب الأغانى الكلاسيكية القديمة، ونحب موسيقى البوب والروك والراب حتى المهرجانات، فضلًا عن أن النفس البشرية تستوعب أكثر من ذائقة، فأنا على سبيل المثال أعشق محمد فوزى وأحب عمرو دياب وأستمتع بمحمد منير وأرقص على أغانى المهرجانات وأحلم على أغانى «كولد بلاى»، ولا أجد نفسى متناقضًا عندما أجمع بين حب كل هؤلاء.


ويبقى الأمر المؤكد فى هذا المقال أنه ليس هناك زمن مثالى وزمن غير مثالى، ولا يوجد زمن فن جميل وزمن فن غير جميل، وأن لكل جيل لغته وأدواته وطريقة تفكيره الخاصة به، ومن الخطأ أن يظل الإنسان حبيسًا لفترة ما بعينها، وإذا قرر أحد أن يحبس نفسه فى فترة زمنية معينة وذوق فنى بعينه، فنرجوه أن لا يدخلنا معه هذا السجن العقيم ويتركنا نستمتع بالتعدُّد والاختلاف.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات