.

السودان ما بعد البشير وامتحان نضج الربيع العربي

Foto

ابقوا في ميادينكم، ولا تعودوا لمنازلكم حتى يتضح الطريق أمامكم فكل شبر تحقق في التقدم للأمام دفعتم ثمنه غاليًا.. فلا تتركوه مجانًا ولا تتنازلوا عنه مقابل وعود غير واضحة وتسويف أنيق


تدور أحاديث كثيرة حول الملابسات التي دفعت بعمر البشير إلى رئاسة السودان، إلا أن المتفق عليه أن ذلك لم يكن سوى تدبير اتخذه زعيم الجبهة الإسلامية القومية الشيخ حسن الترابي، فالبشير كان يمتلك رتبة عالية في الجيش السوداني، وكانت تقريباً تشكل جميع مؤهلاته، إذ لم يكن قائداً بالمعنى الذاتي والتنظيمي، ومع ذلك، تمكن البشير من الاستمرار في السلطة، معتمداً على غريزته، وعلى عدم اكتراثه بالثمن الحقيقي الذي يدفعه السودان مقابل البقاء في المنصب.

 

انتهج البشير سلوكاً أنانياً في مسيرته السياسية، إلى الحد الذي يجعل نيكولا ميكيافيلي صاحب كتاب «الأمير»، ومقولة «الغاية تبرر الوسيلة» يتقلب في قبره منزعجاً من سوء الاستغلال للحيل السياسية لمصلحة شخص واحد على سدة الرئاسة، فالغاية لم تكن متوفرة لدى البشير، لأن رؤيته كانت تقوم على ركيزة البقاء، بدون أي تطلعات أخرى، ليتحول السودان، الفاره الثراء بموارده الطبيعية وطاقاته البشرية إلى مجرد بلد يكافح من أجل توفير الحدود الدنيا من المعيشة لأبنائه، ويقوم بالتعدي على حياتهم وكرامتهم بصورة متواصلة.
 

عندما افتتحت أول جامعة معاصرة في السودان سنة 1902 كانت الجامعة المصرية (القاهرة لاحقاً) ما زالت حلماً يكافح المصريون لتحقيقه، وانتظروا حتى سنة 1908 لتدشينها، واستطاع النظام التعليمي السوداني، أن ينتج جيلاً من المهنيين رفيعي المستوى، خلال عقود من الزمن استطاعوا أن يسهموا لاحقاً في مجال النهوض، بدول الخليج العربية والعديد من الدول الإفريقية، وبدت السودان على حافة انطلاقة كبرى عند حصولها على الاستقلال الوطني، وتفوقت على دول أخرى تزاحمها على عرش شرق ووسط إفريقيا مثل، كينيا وتنزانيا، إلا أن المتاهة الاستعمارية في ترسيم الحكم المحلي في السودان ووضع معادلاته وتعقيداته كان يضع كثيراً من الألغام في طريق السودانيين، ولم يستطع السودان أن يشكل النخبة التي تستطيع أن تتجاوز شعارات الحكم العسكري مع جعفر النميري، الذي واتته الفرصة الذهبية لتأسيس دولة حديثة ومنيعة.

 

يرحل البشير ويترك السودان متعباً ولكن هذه ليست نهاية الرحلة لجيل سوداني جديد، هي إشارة البداية فقط



يقوم السودان على تراث عريق من الممالك والإمارات المحلية في النوبة وكردفان ودارفور، جميعها كانت تصلح لأن تكون دولاً مستقلة، وجميعها امتلك الموارد لذلك، إلا أن الإشكالية ظهرت في حالة سودانية خاصة، قامت على أساس موقع السودان وظروفه بوصفه المدخل العربي لإفريقيا، وكان توجه القطاع العريض من السودانيين هو الإبقاء على هذه الحالة في دولة متماسكة، ودعمت الدول العربية، خاصة مصر هذه التوجهات لوحدة السودان والمحافظة على حالته الثرية، لأسباب ربما انتهازية بأكثر مما هي قومية، فدولة مثل السودان تبقى أفضل للتعامل والتفاهم من مجموعة دول محلية، ولذلك كان على الحكم في السودان أن يتخير بين أسلوبين، الأول، المركزية الشديدة التي تقوم على تغييب الديمقراطية، والمبادرة الشعبية في المساحة الشاسعة للسودان بمختلف ثرواتها، وهو ما كان يدفع بالجيش السوداني ليبقى صاحب كلمة الحسم في المعادلة على الدوام. الثاني، إرساء مفاهيم مواطنة حديثة واتخاذ نموذج فيدرالي ناضج، وبالطبع لم يكن النموذجان يمتلكان قابلية التحقيق بالكامل مع شعب يتسم باعتزازه بالاستقلالية والاندفاع ومفاهيم معقدة وصارمة للكرامة والاعتزاز الشخصي.

 

بوصول البشير إلى سدة الحكم، ممثلاً لمفاهيم الجبهة الإسلامية القومية، بدت معادلة السودان قريبة من الوصول إلى نتيجة تستطيع أن تحقق الأمن والتكامل في معظم أرجاء السودان، إلا الجنوب الذي لم يكن ينسجم دينياً وقومياً مع بقية السودان، وبدلاً من التعامل الشجاع والحكيم مع الجنوب، الذي لا يمتلك خيارات كثيرة، دفع نظام البشير هذه المنطقة المهمة والاستراتيجية لأن تتحول إلى دولة تابعة لأي قوة صاعدة في الجوار، وللمفارقة أن خيارات تبعيته تتوزع بين بدائل بائسة، مثل أوغندا التي وإن قامت بدور فإنه سيكون بالوكالة لآخرين، ومنها إسرائيل التي وجدت مدخلاً غير متوقع للضغط على مصر وبقية الدول العربية، من خلال قضية المياه بتعميق تواجدها ومصالحها في إثيوبيا وأوغندا. دارفور كانت ضحية أخرى لنزق البشير، وسوء تقديره، وعدم قدرته على التواصل البناء، واهتمامه فقط بالبقاء على رأس السلطة والتمتع بالمزايا التي يوفرها منصبه، ولأن أهالي دارفور من داخل المعادلة الإسلامية ـ القومية، ولم يكونوا بالباحثين عن مدد خارجي، أو يتوقعون التحول إلى ضحية لتعامل دموي، تفاعلت مأساتهم التي ارتقت لمرتبة الجرائم ضد الإنسانية، وكان واضحاً مع تفاقم أزمة دارفور أن السودان مختطف فعلياً لدى البشير.

 

استغربت لدى بداية الربيع العربي أن تبقى رياحه بعيدة عن السودان والجزائر، وأن تضرب في تونس ومصر أولاً، كانت مصر تعاني، ولكن أوضاعها كانت أفضل من الثمانينيات التي حملت عبث السادات الاقتصادي والسياسي، وتونس كانت أعلى الدول العربية في ترتيب التنمية البشرية، إلا أن الإجابة التي كانت غائبة في ذلك الوقت أن الثورة تحتاج إلى درجة من الوعي، كان يتوفر في مصر وتونس بدرجة متقدمة عن الدول العربية الأخرى، وكانت لفورة وسائل التواصل دورها في عدوى الوعي، التي وجدت بيئة خصبة للانتقال عبر معيقات المكان والوقت والإجراءات الأمنية، بينما لم يتوفر الأمر في دول أخرى، لم تكن تستطيع أن تحشد الوعي الاحتجاجي، ولا أن تديره نتيجة خضوعها لظروف اقتصادية وسياسية ضاغطة، لم تجعل هذه الوسائل التواصلية متاحة لدى الملايين من الغاضبين بصورة مكتومة والخاضعين لرقابة أمنية متواصلة، وغير القادرين على الشكوى بصوت مرتفع، ومع تقدم ظروف التواصل تمكن السودانيون من التعبير عن شخصيتهم الحقيقية والخروج بكثير من الغضب والحرص في الوقت ذاته، فالأزمة في السودان في معادلة الإسلامية – القومية وجودية بدرجة كبيرة، والجروح واسعة وعميقة، والمشكلات كثيرة ولكنها ليست بأكثر مما لدى الشعب السوداني من صدق وحب للحياة والسلام.

 

يرحل البشير ويترك السودان متعباً ولكن هذه ليست نهاية الرحلة لجيل سوداني جديد، هي إشارة البداية فقط في سباق للمسافات الطويلة، والثقة ستكمن كلها في النفس الطويل لأبناء السودان وتمرسهم في العدو وراء الأحلام وخبرتهم في اصطياد طرائدهم، وتبقى مشكلتهم في الكرم الزائد الذي ربما يدفعهم لأن يتركوا الطريدة بدافع الخجل أو البحث عن التقدير، وهنا يكمن السؤال، وهو ليس مجازياً أو بلاغياً على أي حال.
 

ابقوا في ميادينكم، ولا تعودوا لمنازلكم حتى يتضح الطريق أمامكم فكل شبر تحقق في التقدم للأمام، دفعتم ثمنه غاليًا، فلا تتركوه مجانًا ولا تتنازلوا عنه مقابل وعود غير واضحة وتسويف أنيق.

 

نقلًا عن «السودان اليوم»

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات