.

أزمة ضرب النساء فى الإسلام

Foto

لماذا حظر النبى على المسلمين ضرب المرأة ثم كيف شكّل حكم ضرب المرأة فى الإسلام أزمة استيعاب للعقل المسلم الحديث والقديم؟ هل يمكن أن يظل الحكم ثابتا فى ضوء ا


«الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله، واللاتى تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن فى المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا»- سورة النساء 34.

 

الأزمة فى مسألة الأمر القرآنى بضرب النساء أنه يضع العقل الإسلامى اليوم أمام صلب إشكالية مستعصية عليه، هى إشكالية القدرة على فهم الشريعة فهما كليا مؤسسا على روحها ومقاصدها، وروح الشريعة هو التطور والترقى بالشعوب والمجتمعات، ومقاصدها أو «الضروريات الخمس» و«الكليات الخمس» كما تسمى: حفظ النفس والعقل والدين والنسل والمال، ويقول عنها «أبو حامد الغزالى»: «فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة، وتحريم تفويت هذه الأصول الخمسة والزجر عنها يستحيل ألا تشتمل عليها ملة من الملل وشريعة من الشرائع التى أريد بها إصلاح الخلق».

 

وفى ضوء كليات وضروريات الإسلام ومقاصده التشريعية نقرأ قول الله تعالى من سورة الحديد 23: «لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما أتاكم والله لا يحب كل مختال فخور»، وهى آية كريمة يستفاد منها إلحاحا أن يتصدى الشارع لما يترتب على إساءة استخدام الرجال لسلطة الضرب، وهو ما نعاينه جميعا واقعا قاسيا مسيئا للمرأة فى كل البيئات التى ينتشر فيها الفقر ويعم فيها الجهل ويندر فيها التعليم، وتقارير منظمات حقوق الإنسان بشأن العنف الأسرى لابد أن تصدم كل إنسان فى إنسانيته.

نفس الأمر تقريبا يقطع به قوله تعالى فى سورة النساء 160: «فبظلم من الذين هادوا حرّمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا».

ويأتى بشأنها فى تفسير «القرطبى»: «وقدم الظلم على التحريم إذ هو الغرض الذى قصد إلى الإخبار عنه بأنه سبب التحريم». فإذا كان الظلم والصد عن سبيل الله يؤديان شرعيا إلى تحريم الطيبات الحلال، كما يستفاد مباشرة من منطوق الآية، فما بالك بالظلم والصد الناتجين عن شأن صار بتعريف الثقافة السائدة حول العالم اليوم من عظائم المظالم التى يمكن أن يرتكبها الرجل ضد المرأة، وما بالك بأمر أصبح من عناوين الصد عن سبيل الله وعن سبيل دينه الخاتم الإسلام؟

 

ما يمكن أن يقلق حس المؤمن العادى ويسبب ريبته فى هذا المسلك الواضح الصريح إزاء مسألة ضرب النساء، هو قطعية الأمر القرآنى فى الآية بضرب المرأة، ومن دون أن يقر فى وعى المسلم أن كل أمر قرآنى أو منحى تشريعى فى الكتاب مرتبط بشكل تام وجذرى ولا يمكن أن ينفصل بروح الشريعة، أى بالارتقاء بالإنسان فردا ومجتمعا، ومن ثم يصير الحكم الشرعى نفسه مرتبطا بالحاجة إليه ومرهونا بما تحققه المجتمعات البشرية من ترقى قد تنتفى معه الحاجة إلى الحكم نفسه عن تحققه، ومن دون أن يستقر فى وعى المسلم أن كل أمر قرآنى منوط به تحقيق مقاصد الشرع وكلياته وضروراته، وعلى رأسها حفظ النفس والنسل وهما ما صار ضرب الزوجة/ الأم يلحق بهما أذى مؤكدا فى أيامنا هذه، فسوف يظل هناك من يتمسكون بالأحكام الشرعية الجزئية باعتبارها أمورا مطلوبة لذاتها. كأن الرجل المسلم لو أقام على ضرب امرأته فى الأحوال التى يشرع له فيها الضرب فإن ذلك وحده كفيل بأن تحل على المسلمين بركات ينفتح بها مطر السماء وتنفجر بها ينابيع الأرض..!

 

وعموما، فإن أى تأمل للواقع التاريخى الذى ارتبط به تشريع ضرب المرأة كفيل بأن يوضح بأن هذا الأمر خص المرأة فى وضع ثقافى واجتماعى واقتصادى وحضارى كان هو السائد منذ 1400 عام، لكنه لم يعد موجودا اليوم بكل تأكيد، ومن ثم لابد أن ينتفى الحكم لضرورة انتفاء الوضع الذى ارتبط به وشرّع من أجله.

كما لابد أن يرفع الحكم لما يترتب عليه اليوم من أضرار واضحة لا تلحق بنسائنا ونفسيات أولادنا فقط، ولكنها أصبحت تلحق بصورة الإسلام كلها وبخطورة أن يُعرف بأنه الدين الذى يبيح ضرب المرأة، وسواء تم ذلك من قبل غير العارفين من المسلمين أو من غير المسلمين.

 

على الرغم من ذلك فلا بأس من العودة إلى استعراض مناسب لظروف الوضع التاريخى الذى شُرع فيه حكم ضرب المرأة ليتضح: فى حديث أخرجه أبو داوود وابن ماجه والدارمى والبخارى فى التاريخ الكبير وغيرهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تضربوا إماء الله».

فجاء «عمر بن الخطاب» فقال: «يا رسول الله إن النساء ذئرن –أى تجرأن واعتدين- على أزواجهن».

فرخص فى ضربهن.

فأطاف بآل محمد نساء كثيرون يشكون أزواجهن.

فقال: «ليس أولئك بخياركم».

 

وهناك حديث آخر عن «أم كلثوم بنت أبى بكر» رضى الله عنهما يؤكد نفس الواقعة، قالت: «كان الرجال نهوا عن ضرب النساء، ثم شكوهن إلى رسول الله فخلى بينهم وبين ضربهن، ثم قال: لقد أطاف الليلة بآل محمد سبعون امرأة كلهن قد ضربن. ولن يضرب خياركم». وتؤكدها رواية ثالثة عن «ابن عباس» جاء فيها: «أن الرجال استأذنوا رسول الله فى ضرب النساء فأذن لهم، فضربوهن.

فبات فسمع صوتا عاليا فقال: ما هذا؟ فقالوا: أذنت للرجال فى ضرب النساء فضربوهن، فنهاهم وقال: خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلى».

 

ناهيك عن طائفة كبيرة من الأحاديث التى نهت عن ضرب المرأة مثل: «لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد ثم يجامعها فى آخر اليوم»، وقد أخرجه البخارى ومسلم والترمذى والدارمى وابن ماجه وغيرهم. وحديث مشهور عن «عمر بن الخطاب» يقول فيه: «كنا معشر قريش نغلب نساءنا، فلما قدمنا على الأنصار إذ هم قوم تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار، فصخبت علىّ امرأتى فراجعتنى، فأنكرتُ أن تراجعنى، فقالت: ولم تنكر أن أراجعك؟ فوالله إن أزواج النبى ليراجعنه، وإن إحداهن لتهجره اليوم حتى الليل، فأفزعنى ذلك».

وتتمة الحديث أن يهرول عمر إلى حفصة ابنته أم المؤمنين وزوج النبى، وعندما يسألها فى شأن ذلك تؤكده له، وهو حديث أخرجه البخارى ومسلم والترمذى وغيرهم.

 

وهناك قول ورد فى تفسير المنار عن «محمد عبده» يكاد الإمام يقع فيه ببصيرته اللامعة على انتفاء الحكم للضرورة، غير أن أوضاع النساء فى القرن التاسع عشر الذى ولد وعاش فيه لم تمكنه من استيفائه فيما يبدو، يقول: «مشروعية ضرب النساء أمر يُحتاج إليه فى حال فساد البيئة وغلبة الأخلاق الفاسدة، وإنما يباح إذا رأى الرجل أن رجوع المرأة عن نشوزها يتوقف عليه، وإذا صلحت البيئة، وصار النساء يعقلن النصيحة، ويستجبن للوعظ، أو يزدجرن بالهجر، فيجب الاستغناء عن الضرب، فلكل حال حكم يناسبها فى الشرع».

 

حسنا، فإن لكل حال حكم يناسبها فى الشرع فعلا، وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم فى حجة الوداع وصيته التى رواها مسلم وأبو داوود وابن ماجه وغيرهم، وأصبحت سائرة مشهورة: «واتقوا الله فى النساء، فإنهن عندكم عوان، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف».

 

وسواء فهمت ما ورد بوصية النبى باعتباره يعنى إتيان الفاحشة أو كما فهم أغلب الشارحين أنها تتضمن إشارة لاستقبال النساء رجالا فى بيوت أزواجهن فى أثناء غيبتهم، فأظن أن ذكر الضرب مقرونا بهذه الحالة يلقى ضوءا مهما على معنى «النشوز» الذى شرع من أجله الضرب فى الآية الكريمة التى بدأنا بها المقال.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات