.

لماذا انضم سيد قطب للإخوان وصار ماسونيًّا؟

Foto

هل اختلفت أفكار وتصورات سيد قطب بانتقاله من عضوية المحفل الماسونى إلى عضوية جماعة الإخوان؟ لماذا يبقى العقل الأيديولوجى المأزوم واحدًا مهما اختلف لونه الفكرى؟ كيف عكست أفكار قطب الماسونية والإخوانية معًا عقلية برجوازى صغير يعانى كوابيس التدهور الطبقى وابن ريف يرعبه ترف المدينة؟


صرت «إخوانيًّا» لأننى أحسست أن «الإسلام» بلسم لجراح الإنسانية، طرقت أبواب «الجماعة» لأغذّى الروح الظمْأى بالمزيد من «الإيمان» و«النور»، ولأقتبس من النور شعلة بل شعلات تضىء لى طريق الحياة المظلم، ولأستمد قوة أحطّم بها ما فى الطريق من عراقيل وأشواك، ثم لكى أكون مجاهدًا مع المجاهدين وعاملا مع العاملين. لقد صرت «إخوانيًّا»، لأننى كنت «إخوانيا» ولكن فى حاجة إلى صقل وتهذيب، فاخترت هذا الطريق السوى، لأترك ليد «الجماعة المؤمنة» مهمة التهذيب والصقل، فنعمت اليد ونعم «البنا المؤسس».

 

لو قرأت الفقرة السابقة بألفاظها ومعانيها منسوبةً للمفكر الإخوانى التكفيرى المعروف فهل كان يمكن أن تسبب لك أى صدمة أو استغراب؟ أظن أن ذلك لم يكن ليحدث طبعًا. والفقرة كتبها «قطب» بالفعل ونشرتها مجلة «التاج المصرى»، لسان حال المحفل الماسونى الأكبر فى مصر، والصادرة -حسب الوثيقة- يوم الجمعة 23 أبريل 1943. لكن الفقرة السابقة ليست الفقرة الأصلية، إنما جرى تبديل وتحوير بعض كلمات منها موضوعة بين أقواس، وسوف تقرأ الفقرة الأصلية الصحيحة بعد قليل ضمن المقال كله بحسب ما نشر، لكن ما أردت أن أصل إليه بهذا التبديل فى كلمات الفقرة أن أثبت بالدليل العملى الفعّال أن أفكارها، وأفكار المقال كله، وأفكار قطب فى مجملها، ليست مما يمكن أن يتغير بتغيُّر مَن تخدم، أو تتبدل بتبدل القبلة التى تتعبَّد عند أعتابها، ويسعى «قطب» بذاته إليها، سواءً كانت قبلتها المحفل الماسونى الأعظم أو جماعة الإخوان الإرهابية أو مجلس قيادة الثورة الناصرى خلال فترة الصلح بين الجماعة والضباط الأحرار. وسوف تظل أفكار وتعبيرات «قطب» نفسها كذلك ثابتة ولو أجريت على نفس منوال تبديل ألفاظ بقية المقال، ولو وضعت من عندك ما تشاء بديلا لها. وما قمت بتغييره كالتالى: «ماسونيًّا/ إخوانيا- الماسونية/ الإسلام- الماسونية/ الجماعة- الفلسفة/ الإيمان- الحكمة/ النور- البناية الحرة/ الجماعة المؤمنة- البنائين الأحرار/ البنا المؤسس»، والمقصود «حسن البنا» مؤسس جماعة الإخوان طبعًا.

 

والشاهد يؤكد أن لا شىء تغير فى أفكار أو عقلية «قطب» بعد انتقاله من محفل الماسونية إلى الجماعة الإخوانية، ولا فى توظيفهما الأيديولوجى الذى يحمل روح وبصمة وأزمة واحد من أبناء البرجوازية الصغيرة. نفس النزعة الرومانتيكية الشاحبة المعذبة بذاتها والغائبة عن واقعها والرافضة الاعتراف بمكوناته وحقائقه، نفس التصورات التهويمية غير المحددة ولا ذات الملامح المتماسكة، نفس المخاوف التى تنتاب سكان المدن ذوى الأصول الريفية، وهم يشعرون بالاغتراب والضآلة، ويعانون من مخاوف الانحطاط الطبَقى. وسواءً صار سيد قطب ماسونيًّا لأنه كان ماسونيا -كما يقول- أو صار إخوانيًّا لأنه كان إخوانيا، فقد ظلت الأيديولوجية الماسونية كما هى الأيديولوجية الإخوانية والأصولية عامة، محض فراغ نفسى وعقلى، فكرى ووجدانى، وردّة فعل مرتبكة وعصبية ومتخبطة، لا مفكر فيها ولا منطقية، إزاء التحديث ومخاوف تغيير العالم. وكل هذا الفراغ الأصولى يملؤه «قطب» مع كل انتقال جديد من محفل لتنظيم، ومن فكرة لفكرة، بمادته الذهنية والنفسية المضطربة، والتى هى أبعد ما تكون عما يحلم به من «الطريق السوىّ»، إذا فهمنا أن الطريق السوى هو طريق الوعى النقدى الذى يواجه الواقع ويتحمل مسؤولية هذه المواجهة الفكرية الجسورة دون تخبُّط ولا أوهام أو فرار، ودون عقل أيديولوجى يبتدع مخابئ كهفية متوهمة سواءً حلّقت فى ماسونية الحاضر أو اختبأت فى أصولية الماضى.

 

«لماذا صرت ماسونيًّا؟» مقال حضرة الأديب الفاضل الذى صار بعد أكثر قليلا من عشر سنوات من تاريخ نشر المقال مفكرًا تكفيريًّا، وظلت أزمته الفكرية وضائقته النفسية خلال هذه السنوات العشر تتراوح وتتصاعد وتتأزم أكثر حتى انفجرت فى وجه مصر والعالم كله قنبلة تكفير دموية موقوتة يلهو بها صبية الجماعات المتأسلمة باتساع جغرافيا العالم العربى.

المقال والوثيقة نشرتهما مواقع إلكترونية ومجلات عديدة، وأثارا تساؤلات كثيرة لا تزال مدار فحص تاريخى عن علاقة «قطب» وجماعة الإخوان بالحركة الماسونية، لكن المقال أثار أيضًا بعض الصدمة لقراء آخرين، وكان يمكن توفيرها عليهم لو قاموا بإجراء هذا التعديل الصغير الذى أجريناه هنا.

وإلى المقال:

«كثيرًا ما تمر على المرء سويعات يحلو له فيها أن يخلو إلى نفسه، إما مسترسلاً فى الذكرى أو تائهًا فى بَيداء الفكر، لا يكاد يبدأ من ناحية ما حتى ينتهى إلى أخرى، وهكذا دواليك يظل متجوّلا بفكره بين جنبات الماضى، متطلعًا إلى ميادين المستقبل، فإما حسرة وأسى على ما ولّى وانقضى، وإما ابتسامة رضا وقنوع بما فات وانصرم، ويلتقى هذا وذاك مع نظرة إلى المستقبل الغامض فيها أمل ورجاء لكن دون إسراف أو مبالغة. كان ذلك منذ أيام حين تجاذبتنى هذه العوامل وغمرتنى لجّة تلك الأحاسيس فكان أول سؤال قفز أمام عينى، وتجسَّم حتى طغى على من دونه، ذلك السؤال (لماذا صرت ماسونيًّا؟)، حاولت من هذا السؤال خلاصًا، بل من هذا الأمر فكاكًا، إذ لست ابن بجدتها ولست فارس ذلك الميدان، ولكن ذهبت محاولاتى أدراج الرياح فتوقفت لحظة بل لحظات حتى نسيت نفسى ونسيت أن هناك إجابة معلّقة علىَّ أن أؤديها، ثم لم ألبث حتى عجبت من أمر نفسى وساءلتها: لمَ هذه الحيرة وهذا التردد؟ فأجابتنى: السؤال سهل وميسور والجواب من القلب للقلب، فعرفت عندئذ أنى صرت ماسونيًّا لأننى أحسست أن الماسونية بلسم لجراح الإنسانية، طرقت أبواب الماسونية لأغذى الروح الظمأى بالمزيد من الفلسفة والحكمة، ولأقتبس من النور شعلة بل شعلات تضىء لى طريق الحياة المظلم، ولأستمد قوة أحطم بها ما فى الطريق من عراقيل وأشواك، ثم لكى أكون مجاهدًا مع المجاهدين وعاملا مع العاملين. لقد صرت ماسونيا، لأننى كنت ماسونيا، ولكن فى حاجة إلى صقل وتهذيب، فاخترت هذا الطريق السوى، لأترك ليد البناية الحرة مهمة التهذيب والصقل، فنعمت اليد ونعم البنائين الأحرار. عرفت أن الماسونية ليست مبدأ أو مذهبًا يعتنق، وإنما هى الرجولة والإنسانية التى تدفع بالإنسان إلى عمل الخير دون وازع إلا وازع من وجدانه وضميره، هى روح عالية نبيلة تسمو بالإنسان عن الصغائر وتنزّهه عن الترهات والسفاسف، هى المثَل الأعلى لكل مَن ينشد كمالا أو يبغى رفعة ومجدًا، هى الفضيلة التى تنطوى على أسمَى المعانى وأشرف المقاصد وأنبَلها، هى مبدأ الكمال ومنتهاه.

ليس الماسونى مَن أجريت له المراسيم بذلك واكتسب هذه الصفة فى هذا الطريق، وإنما الماسونى مَن يعمل ولكن فى صمت دون ضجة أو إعلان، هو مَن يفتح قلبه للجميع يتساوى لديه فى ذلك الصغير والكبير، هو من يواسى ذلك الذى تجهم لهمٍّ له الدهر وعبس، ويمد يده لمن تنكب له الزمان وقسا، هو من يذرف الدمع على البؤس والبؤساء ويبكى على الأشقياء والشقاء، هو من يعمل الواجب لأنه واجب، والخير لدواعى الخير، دون أن يبغى من وراء ذلك جزاء أو يطمح لنيل مطمَح، هو مَن ليس له حق وإنما عليه واجب. الماسونية هى الوحدة التى تجمع بين مختلف الأديان ولا تعرف للتحزب معنى، ولن تجد لكلمة التعصب مكانا فى شرعها، هى التعويذة السحرية التى تؤلف بين القلوب جميعها فى أقصى الشرق أو أدنى الغرب، هى المكان الوحيد الذى يستطيع فيه الجميع، الصغير منهم والكبير، أن يتصافحوا مصافحة الأخ لأخيه، ويجلسوا جنبًا إلى جنب، دون نظر إلى فارق اجتماعى أو مركز أدبى، ولا غرو فى ذلك، إذ إن دعائمها وأسسها مشيّدة على الحرية والإخاء والمساواة، فما أعظمها دعائم وما أقواها من أسس وما أبذلها من مبادئ! وأخيرًا لقد اطمأن قلبى بعض الشىء، وهدأت نفسى عن ذى قبل، وارتاح ضميرى، ولكننى ما زلت أشعر بأنى المقصر المذنب فى حق أنبل وأسمى مبدأ إنسانى واجتماعى، ولكن عذرى فى ذلك واضح ملموس، ما زلت فى مبدأ الطريق وسأترك للأيام، والأيام وحدها، أن تحقق أمنيتى فأنعم بأداء الواجب كاملا غير منقوص، ولعلّى أكون بهذا قد أرضيت نفسى، فعرفت لماذا صرت ماسونيًّا».

 

التبعية الفكرية والذهنية والتنظيمية والروح العسكرية وكراهية الديمقراطية والتحزُّب والمنافسة الحزبية والاستعانة بقوى كونية علوية يضرب بها خصومه البشريين.. دعائم وأسس فاسدة أشاد بها «قطب» الذى افتقدت نفسه القلقة المُزعزعة وعقله التجريدى المتوهم الدعائم والأسس دائمًا.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات