.

«السلفى» تفكك مقولات التطرف الدينى

Foto

رواية حاول فيها الباحث فى علم الاجتماع وشؤون الإسلام السياسى أن يفكك مقولات هذا الفكر المتطرف فى نسق سردى متماسك دون الوقوع فى فخ الأيديولوجيا


فى بنية سردية دائرية يقدم لنا عمار على حسن روايته «السلفى» التى صدرت عن الدار العربية للكتاب.

رواية حاول فيها الباحث فى علم الاجتماع وشؤون الإسلام السياسى أن يفكك مقولات هذا الفكر المتطرف فى نسق سردى متماسك دون الوقوع فى فخ الأيديولوجيا والصوت العالى والمباشرة، إنما جاء تفكيك هذه المقولات فى خطاب ثقافى ثاوٍ وراء الخطاب الجمالى المتمير لهذا النص.

 

ينهض البناء الجمالى فى الرواية على صوت سردى يتحدث بضمير المخاطب، يتقنع بقناع الأب المثقف الذى يفزع حين يعرف أن ابنه الذى أنفق حياته فى تربيته ينضم إلى السلفية المتطرفة، ويترك حياته المدنية الحداثية وينغمس فى بئر الكتب الصفراء التى تُنسب إلى السلف وتروج أفكارًا متطرفة.

 

يفتتح السرد بالعتبة الأولى على لسان الأب: «أنا، وصهريج بيتى، الذى سيهدمه الطامعون، دار معلقة فى وجه الريح لها عتبة غير العتبات، وهذه فقط التى أكشفها لك؛ لأنها جلية كشمس نهار الصيف، منها البداية، ولا رجوع إليها، وبعدها حيرة مقيمة».

الأب الذى يريد أن يستعيد ابنه من قبضة الأفكار الماضوية يعرف جيدًا أن الأفكار لا تناهضها سوى الأفكار، فيقرر أن يفككها، عبر سرد الحكايات الإنسانية الصغيرة التى تكتب رؤية المصريين الوسطية للدين قبل أن تغزونا هذه الأفكار.

حين يشعر الأب الملتاع على فقد ابنه وتغييب وعيه يتذكر الأب نبوءة قالتها له العجوز «لن تستعيد ابنك إلا بعد أن يتخطى العتبات الواحد والعشرين» وقد كان.

 

بدأ الأب يسرد العتبات، جاء الفصل الأول ليسرد كل العتبات موجزة بلغة شعرية وحسٍّ صوفى واضح، ثم جاءت بقية الفصول؛ لتشرح هذه العتبات. اتخذ الكاتب من العتبات الشعرية الموجزة فى الفصل الأول مفتتحًا لبقية الفصول حتى نهاية الرواية، ويأتى الفصل الأخير «العتبة الحادية والعشرين» ليمثل الحلقة الأخيرة فى البنية الدائرية.

 

تكشف الرواية عن واقع يعيش فيه المجتع المصرى، وعن فكر سيطر عليه خلال العقود الأخيرة، وتصاعد نفوذ تيار دينى رسم صورة ذهنية للدين تتناقض وتتعارض مع المستقبل، بل تعود بالمجتمع فى ردة مخيفة للماضى. لقد تسلل السلفيون المتطرفون إلى عقله وجنَّدوه؛ ليأخذوه معهم فى الحرب التى خاضوها ضد الروس فى أفغانستان، وبعدها ينضم إلى فصيل من تنظيم القاعدة، ويذهب إلى ليبيا، ويتذكر الأب نبوءة قديمة، فيتحول الأب إلى راوٍ داخلى: «قبل أن نقطع الطريق نحو عتبات البيوت المتراصة، بجوار تلك الحديقة الشائخة، تعال لنبدأ من أول القرية، من نقطة انطلاق حكايتى».

 

إذن الراوى الداخلى/الأب يعترف بقوة الفن/الحكى فى مواجهة الفكر التطرف الظلامى.

نبوءة الشيخة زينب الصوفية تخبره بأن يطوف على بيوت القرية؛ يستعيد كل حكايات أصحابها، مواجدهم ومواجعهم، من بقى على قد الحياة أو من رحل.

وفى حوار عميق وطويل بين الأب الموجوع وابنه يحكى عن كل هذه التفاصيل الإنسانية؛ ليكشف الخط الفاصل بين التطرف والتدين المصرى المتسامح.

 

الزمن فى الرواية ذو بنية دائرية، لم يكن زمنًا خطيًّا متتابعًا، بل هو زمن دائرى لعب فيه الفلاش باك والاسترجاع السردى دورًا كبيرًا، وجاءت الشخصيات فى النص حاضرة غائبة، يروى عنها الراوى الداخلى/الأب.

والدلالة المركزية للنص هو المقاومة بالفن، مقاومة الظلام عبر تفكيك مقولاته وعبر التنوير بالبحث عن المناطق الإنسانية المضيئة فى حياتنا.

أما المكان فى الرواية فهو قرية من قرى صعيد مصر، بل فى محافظة المنيا تحديدًا، ولهذا دلالاته، صحيح أن المنيا هى بلد الكاتب، لكن للأمر دلالة أخرى، أن المنيا كانت مركزًا للسلفية المتطرفة والجماعات الإسلامية المختلفة.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات