.

الوجه الآخر للخليفة المأمون

Foto

هل كانت الصورة التاريخية عن الخليفة المأمون صورة صحيحة؟ هل قتل الخليفة المأمون الإمام علِى الرضا؟ ما الموقف الحقيقى للخليفة المأمون من العلوم الفكرية؟


اشتهر الخليفة المأمون فى كتب التاريخ بأنه الخليفة العالم الواعى المثقف الذى كان عصره أنموذجًا للحرية الدينية والتقدُّم الفكرى والحرية السياسية، ولكن قراءة متأنية فى عصر هذا الخليفة ستنسف كل هذه الاعتقادات السابقة.

 

وفى الحقيقة فمن الأمور المهمة التى من الممكن استحضارها فى هذا الأمر هو القرار المفاجئ للخليفة العباسى المأمون «198- 218هـ/ 813- 833م» الذى قرر فيه أحد أئمة آل البيت الذى اتخذه الشيعة إمامًا لهم وهو الإمام علِى الرضا وليًّا لعهده فى سابقة لن تتكرر فى تاريخ الدولة العباسية سوى هذه المرة، ففى شهر رمضان عام 201هـ- 816م اتخذ الخليفة المأمون ذلك القرار المفاجئ، بل وصل به الأمر إلى درجة تهديده بالقتل إن لم يقبل ولاية العهد، وبالفعل تولّى على الرضا ولاية العهد، مما أثار العديد من الانتفاضات العباسية ضد قرار المأمون، وفى غمرة كل تلك الأحداث حدثت مفاجأة كبيرة إلا أنها لم تكن مفاجأة لدى البعض، حيث توفّى ولى العهد علِى بن موسى الرضا على إثر توليه فاكهة مسمومة فى طوس، وقال آخر إنه تناول عنبًا حتى أكثر منه فمات نتيجة لهذا، وكان ذلك فى صفر من عام 203 هـ- 818م.

 

وفى الحقيقة فطالما نادى المأمون بأن علِى بن أبى طالب هو أفضل الناس بعد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بل إنه وحسب بعض الروايات كان يفضل علِى على أبى بكر وعمر، حتى إنه كتب إلى جميع الأمصار بتفضيل علِى بن أبى طالب على جميع الصحابة، بل كان فى بعض الأحيان يقدّم علِى بن أبى طالب على العباس بن عبد المطلب، حتى إن بعض العباسيين كانوا يقولون «ما ظننت أن أعيش حتى أسمع عباسيًّا يقول هذا».

 

أما عن موقفه من معاوية بن أبى سفيان، فقد أمر أن ينادى «برئت الذمة ممن ذكر معاوية بخير»، حتى إن المأمون قد همّ بلعن معاوية بن أبى سفيان وأن يذيع ذلك بين الناس، إلا أن أحد خواصه أشار عليه بالعدول عن ذلك قائلاً «إن العامة لا تحتمل ذلك، وقد لا تأمن نفرتهم، والرأى أن تدع الناس على ما هم عليه ولا تظهر لهم أنك تميل إلى فرقة من الفرق، فإن ذلك أصح فى السياسة وأحرى فى التدبير»، فركن المأمون إلى قوله واقتنع بأن ذلك أصلح فى تدبير المملكة وأبقى ذكرًا فى العامة وذلك على حد تعبيره.

 

وهكذا تحدَّث البعض بأن الخليفة المأمون كان محبًّا للعلويين، بل وقد وصل الأمر إلى القول بأنه صار شيعيًّا، وكانت الحيثية الأولى والأهم للقول بتشيُّع المأمون هى مسألة توليته علِى الرضا ولاية عهده، إلا أننا وبحسبة بسيطة نستطيع تفسير ذلك الإجراء المأمونى التأمينى، نعم كان إجراءًا تأمينيًّا، فعندما نقف على شكل الدولة الإسلامية، آنذاك، نجدها تعج بالخروجات العلوية فى كل الأمصار بين خارج فى الكوفة وخارج فى البصرة وخارج فى مكة وآخر فى اليمن.. إلخ، لدرجة أن النصوص التاريخية عبّرت عن كثرة الخروجات العلوية آنذاك بالقول «ثم تشوشت الدنيا».

 

ثم أنظر إلى لهجة ابن خلدون فى الجملة التالية، ففى معرض حديثه عن تولية المأمون لعلى الرضا يقول «وعهد له بالأمر من بعده 201هـ- 816م عند ظهور الدعاة الطالبين وخروجهم فى كل ناحية»، وكأن ابن خلدون يريد أن يربط بين تولية المأمون عهده لعلى الرضا وكثرة الخروجات العلوية، وفى الحقيقة فإن ذلك قد يكون تفسيرًا مريحًا، خصوصًا عندما نعلم أن المأمون ليس من طبيعته العزوف عن السلطة والبعد عنها، فهو الذى حارب أخاه الأمين من أجلها حربًا انتهت بمقتل الأخير وحمل رأسه إلى أخيه المأمون، وفى هذا الصدد يعلق أحد الكتاب الشيعة المعاصرين قائلاً «إن المتابع للأحداث يجد أن ولادة خلافة المأمون جاءت عن طريق حرب ضروس دارت رحاها بينه وبين أخيه الأمين، وما أن استلم المأمون الخلافة حتى التهبت ثورة محمد بن إبراهيم بن طباطبا بقيادة أبى السرايا، وكانت ثورة شيعية خطيرة، وغيرها، وهكذا وجد المأمون نفسه أمام حالة انشقاق وتفسُّخ فى الدولة العباسية»، ويتساءل الكاتب الشيعى بخبث قائلاً دون جواب: فهل كانت استعانة المأمون بالإمام الرضا مناورة سياسية أم بسبب تشيّعه.

 

ثم إن المأمون عندما ولّى على الرضا ولاية عهده معتقدًا أن الغضب الشيعى قد يمتص، وجد نفسه محاصرًا بثورة أكبر فى بغداد خالعة إياه، لذا فلم يجنِ الخليفة النتائج التى كان يتوقعها، بل إن المأمون كان يقلق جدًّا لو اتهم أحد رجاله بالتشيُّع، بل كان يبث عليهم العيون والجواسيس ويضعهم تحت اختبارات للتأكد من عدم تشيعهم، كما أن الموقف التالى يجعل الأمر واضحًا تمامًا، فلقد أرسل المأمون خطابه إلى الولاة فى الأمصار بغسل المنابر التى دعا عليها لعلى الرضى فغسلت.

 

ووفقًا لهذه الأفكار فقد وجد الخليفة أن اتحاده مع الشيعة لم يكن كافيًا لتقديم مساعدة جديدة له فقرر قطع الرابطة مع الشيعة بعد أن رأى عدم جدواها بل وإخفاقها، وتمثل ذلك القطع أيضًا فى قتله وزيره الفضل بن سهل الذى كان يميل إلى الشيعة الذى يظن أنه قتل تنفيذًا لأمر سرى من الخليفة الذى نفى هذا الاتهام، وربطت بعض الكتابات الشيعية من قرب التوقيت الذى قتل فيه الفضل بن سهل وعلى الرضا، فقد قتل الفضل بن سهل أولاً حسب تلك الروايات ليتخلص أولاً من أبرز مراكز القوى الشيعية داخل سلطته، ثم اغتيال الرضا بعد ذلك بأيام قلائل، هذه كانت الصورة التى عرضت على تشيُّع المأمون بين مؤيد لذلك ورافض له، موضحًا أن الأمر لا يعدو سوى لعبة سياسية.

 

وفى سياق آخر، فرغم كل ما قيل عن اهتمام المأمون بالفلسفة، فإن ثمة شكوكًا يجب أن تُثار حول هذه الإشكالية، فالأصل فى الفكر الفلسفى هو حريته وبُعده عن الأدلجة والاتجاهات، لقد كانت حرية الفكر الفلسفى فى عصر المأمون حرية مؤدلجة ومسيّسة تسير وَفق رؤية السلطة المتمثلة فى المأمون، ويكفى أن نذكر ما تم فى عصر المأمون من امتحان للفقهاء ورجال الفكر فى محنة خلق القرآن، فمثلاً فى عام «218هـ- 733م» أمر المأمون بامتحان العلماء والفقهاء فى القرآن وما تبع ذلك من محن تعرّض لها المخالفون للسياق العام لفكر الدولة آنذاك.

 

كما تروى كتب التاريخ أن المأمون طلب من رئيس شرطة بغداد أن يجمع القضاة ويمتحنهم فى خلق القرآن، فمَن امتنع عن الإقرار به أقصاه من عمله ومَن أقر به عاد إلى عمله، وطلب من القضاة الذين يقولون بخلق القرآن امتحان الشهود فيه، فمَن لم يقر رفضوا شهادته، وحجته فى ذلك أن مَن لم يكمل دينه ويصبح إيمانه لا يمكن أن يوثق بقوله ولا عمله.

 

وهكذا كانت طريقة الخليفة المأمون فى إدارة أمور الخلافة، فما بين اغتيالات وإقصاء ومحن كانت فترة المأمون كإحدى الفترات العظيمة التى يتغنّى بها الحالمون بعودة الخلافة.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات