.

الجرح والتعديل «البيضة ولا الفرخة»

Foto

ما الجرح والتعديل وما دوره فى المعروف باسم علم مصطلح الحديث؟ هل يصح أن يشهد رواة بحسن سيرة رواة آخرين يفرقهم عنهم 150 عاما؟


دعنى عزيزى القارئ أشرح لك فى البداية ببساطة ما الجرح والتعديل وما علاقته بمصطلح الحديث وكيف نشأ ولماذا؟ ظهر ما يعرف بالجرح والتعديل فى القرن الثالث الهجرى، أى زمن تدوين الحديث، ولم يكن له أى وجود قبل ذلك، والجرح والتعديل هو عبارة عن رأى رجال الحديث فى رجال الحديث، نعم عزيزى القارئ ما قرأته للتو بأم عينك صحيح فالجرح والتعديل ما هو إلا رأى أهل الحديث فى بعضهم البعض، أى أن الرواة أنفسهم يقولون رأيهم فى الرواة الآخرين ثم يعود الرواة الآخرون فيقولون رأيهم فى من أبدوا رأيهم فيهم من قبل وهكذا فى عملية تباديلة تشبه التساؤل الأزلى: البيضة ولا الفرخة؟ وما أقصده بالرواة هنا هم رواة عصر التدوين طبعا حيث إن الجرح والتعديل لم يكن له أى وجود قبل ذلك، هذا يعنى بالضرورة أن رجال الحديث هم رجال الجرح والتعديل وما يعرف بالجرح والتعديل غير خاضع لأى قاعدة لضبطه فتجده متمثلا فى بضعة أركان لكل راوٍ تبدأ بمقدمة وتعريف عن الراوى يتضمن اسمه ونسبه ومكان إقامته وتاريخ ميلاده وتاريخ وفاته بالإضافة إلى أسماء كل من أخذ منهم أحاديث وأيضا أسماء من أخذوا عنه أحاديث، ثم يأتى فى النهاية ما يعرف بالتقييم وهو الأمر الذى لا يخضع لأى شروط على الإطلاق كل رجل من رجال الحديث أو رجال الجرح والتعديل يمكنه تقييم راوٍ آخر وهذا الراوى الآخر سوف يأتى عليه الدور ليقيمه أيضا من حيث عدله وقدرته على الحفظ وقوة ذاكرته وكل هذا من وجهة نظر المقيم الشخصية دون الخضوع إلى أى قواعد ثابتة من أى نوع، ومن أشهر رجال الجرح والتعديل والذين هم من أشهر رجال الحديث فى الوقت نفسه هم الفقهاء الأربعة والذهبى والحافظ بالإضافة للبخارى ومسلم والنسائى والترمذى وغيرهم كثيرون، لكن الغريب والمثير فى كتب الجرح والتعديل أنها تشبه تلك المجاملات الفجة الموجودة بين أبناء المهنة الواحدة والتى تقال لا على سبيل الحقيقة ولكن على سبيل المجاملة التى تفوح برائحة النفاق وأحيانا تجدها قاسية تفوح برائحة الغيرة والرغبة فى التشويه، فى كتب الجرح والتعديل يمكنك أن تجد أى شىء يخطر على بالك بحق رجال الحديث أى شىء يخطر على بالك لكن الشىء الوحيد الذى لن تجده مهما حاولت هو الحقيقة، لكن على كل حال وبافتراض أن كل ما جاء فى كتب الجرح والتعديل صحيح وقاله الرواة بتجرد وبموضوعية شديدة فكيف للبخارى مثلا أن يبدى رأيه وتقييمه إلا فيمن أخذ عنه الحديث كيف له أن يبدى رأيه فى السلسلة كاملة وهو لم يقابل أى شخص منهم من الأساس، على سبيل المثال وهو مثال لسلسلة وردت فى حديث عند البخارى من باب ما جاء فى عذاب القبر: حدثنا عبدان أخبرنى أبى عن شعبة سمعت الأشعث عن أبيه عن مسروق عن عائشة.... انتهت السلسلة.

فسلسلة الرواة هنا تبدأ من البخارى الذى سمع من عبدان والذى يقول إنه سمع من والده والذى يُظن أنه سمع من شعبة والذى يُظن أنه سمع من الأشعث، الذى يُظن أنه سمع من والده الذى يُظن أنه سمع من مسروق، الذى يُظن أنه سمع من أم المؤمنين عائشة.

 

ويمكننا أن نفهم كيف للبخارى أو لأى من رجال الجرح والتعديل أن يقيموا عبدان ويصفوه بأنه ثقة، ونفهم أيضا كيف أن عبدان يخبر عن الأشعث ويقول إنه كان من الثقات هو الآخر لأنه قابله، لكن هل يمكن للبخارى أو غيره من رجال الجرح والتعديل أن يصفوا أبى الأشعث أو مسروق بالثقات وهو لم يقابلهم على الإطلاق ولم يقابل حتى من قابلهم فى يوم من الأيام، وبما أن الجرح والتعديل عمره من عمر تدوين الحديث إذن فوصفه لراوٍ بالثقة لا يعنى أبدا أن السلسلة كلها من الثقات لكن كل ما يمكنهم فعله هو محاولة التأكد من أن أصحاب السلسلة عاصروا بعضهم بالتواتر أى أنهم قابلوا بعضهم البعض لكن هذا لا يعنى أنهم أخبروا بعضهم بمتن الحديث، مما يجعل الأحاديث «روايات ظنية» فلربما هناك من كذب على مسروق مثلا أو أبو الأشعث حيث إنهم عاشوا فى القرن الأول من الهجرة بينما عاش رجال الحديث أو رجال الجرح والتعديل فى القرن الثالث من الهجرة، فكيف لهم الجزم بصحة الأحاديث إذن اعتمادا على آلية «السند»؟ الإجابة هى استحالة ذلك، لكن الحل الوحيد الباقى لهم ولنا لإنقاذ دين الله من كل المدسوس والمكذوب على رسول الله هو قياس متن الحديث على القرآن الكريم والأخلاق القويمة فكل ما يخالف القرآن أو يتناقض معه يُرفض وكل ما يتناقض مع الأخلاق والفطرة السليمة يُرفض، عندها فقط لن يتبقى لنا إلا كل ما هو من دين الله. هل يمكننا أن نحلم بثورة تصحيحية لكتب الحديث اعتمادا على المتن؟ أم أن هذا ليس سوى أضغاث أحلام؟!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات