.

«داعش» من المصير المؤجل إلى النهاية المحتومة

Foto

خاض عدد من دول العالم تجارب مواجهة ضد التنظيمات المتطرفة ووقعت في خطأ جوهري ذي شقين: أنها أفرزت البيئة التي أنتجت هذا الإرهاب مرة أخرى.. والخطأ الثاني أنها سلطت جُل دورها في المواجهة الأمنية والعسكرية


انتهت «داعش دولة التمكين» جغرافيًّا مثلها مثل كل التنظيمات المتطرفة، سواء المحلية أم العابرة للحدود والقارات، بينما مازالت «داعش الفكرة» تتنفس وسط مسارات احتمالات العودة من جديد، فلم يهزمها اليأس ولم تحبطها الأقدار التي أنهت أسطورتها خلال خمس سنوات من الحرب التي شنّها التحالف الدولي والقوات المحلية ضدها، فالتمكين حلم لا يمكن تجاهله عند محاولة فهم «داعش».


إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب القضاء على «داعش» في 22 آذار (مارس) 2019، يطرح تساؤلاً بخصوص الإعلان السابق لرئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي الذي أعلنه قبل عامين وتحديداً في 9 كانون الأول (ديسمبر) من العام 2017 القضاء على «التنظيم» على أراضيه، فعلى رغم إعلان العبادي وما تلاه من إعلان لترامب، إلا أننا لم «نرَ» رأس أبوبكر البغدادي، الملقب بخليفة «داعش»، وهو ما يذكرنا بحرب الولايات المتحدة ضد تنظيم قاعدة الجهاد في أفغانستان والتي استمرت نحو 10 سنوات ليتم الإعلان بعد ذلك في 2011 عن مقتل زعيم التنظيم أسامة بن لادن، وهو ما يشكك في الإعلان برمته ويقلل من حجم الفوز، خاصة وأن «القاعدة» ما زالت تعمل وإن كانت بقوة أقل وما زالت تسيطر على أماكن في أفغانستان.

 

«داعش» ما زال يوجد في الجيب الأخير لمدينة الباغوز شمال شرقي سورية وصحراء الأنبار العراقية ومدينة إدلب السورية، عبر عشرات الأنفاق المحصنة والكهوف الصخرية وطرق ومتاريس وضعها «التنظيم» المتطرف للاحتماء بها من الضربات الجوية للتحالف الدولي، فضلاً عن انتشار ذئابها، سواءً داخل سورية والعراق أم عودة جزء كبير منهم للعواصم الأوروبية التي انحدروا منها، وهو ما يجعل خطر «داعش» ما زال معلقاً.

 

استمرت الحرب على «داعش» خمس سنوات كاملة منذ أن أعلن «التنظيم» عن قيامه في 29 حزيران (يونيو) 2014، وهي فترة زمنية طويلة سيدفع ضريبتها العالم الذي تباطأ في مواجهته بالصورة التي جعلته يتمدد ويجهّز نفسه لهذه اللحظة، فعدّد بدائله منتظراً لحظة المواجهة بخيال كان أوسع بكثير من الذين حاولوا مواجهته.

 

لا يمكن القضاء على «داعش» من خلال المواجهة الأمنية والعسكرية، ولا يمكن أن نحصرها في عدد من الضربات الجوية وعدد آخر محدود من الإنزال الجوي لبعض القوات، بينما تركت المعركة البرية للقوات المحلية فقط، وبين صور هذه المواجهة فوجئنا بنقل المئات من مقاتلي التنظيم المتطرف عبر شاحنات إلى أماكن غير معلومة، وهنا نجح «التنظيم» في نقل مقاتليه ولكن بشكل متخفٍّ إلى أماكن لا نعرفها، وهؤلاء هم من نطلق عليهم الذئاب المنفردة أو المتجمعة، وعدد هؤلاء بالآلاف، ويمثلون خطراً محدقاً يهدد بعودة «داعش» من جديد.

 

لا يكفي القوات الدولية ولا المحلية السيطرة على الأرض حتى يتم إعلان القضاء على «داعش»، بينما ما زال «داعش» قادراً على التجنيد ونشر أفكاره شرقاً وغرباً دون أن يراه أحد، وبالتالي تصعب مواجهة هذا العدو غير المرئي، ومن الخطأ الشديد اقتصار المعركة على المواجهة الأمنية والعسكرية فقط، وإنما لا بد أن تأخذ بعدها الفكري حتى يتم القضاء بشكل كامل على البذرة الجنينية للتطرف التي تمثل نواة «داعش»، من دون ذلك لا يمكن الإعلان عن انتهاء «داعش» بشكل كامل.

 

مصير «داعش» ونهايته مرتبطان بمدى الوعي والإرادة الدولية في التعامل مع ظاهرة الإرهاب والتطرف في العالم، فأولاً لا بد من عدم التفريق بين إرهاب جماعة متطرفة وإرهاب جماعة متطرفة أخرى، كما لا بد للمجتمع الدولي أن يكون دقيقاً وصاحب إرادة في مواجهة ظاهرة الإرهاب والتطرف بعيداً عن أي حسابات أخرى وأن تنحى المصالح السياسية جانباً، وعلى جميع دول العالم أن تُدرك أن خطر الإرهاب واحد ويُهدد العالم بأكمله، فما يحدث من إرهاب في مصر ينعكس على الحالة الأمنية في أوروبا والعكس صحيح، وهنا لا بد أن تكون المواجهة واحدة وشاملة حتى تتحقق النتائج المرجوة.

 

خاض عدد من دول العالم تجارب مواجهة ضد التنظيمات المتطرفة ووقعت في خطأ جوهري ذي شقين: أنها أفرزت البيئة التي أنتجت هذا الإرهاب مرة أخرى، والخطأ الثاني أنها سلطت جُل دورها في المواجهة الأمنية والعسكرية، فأطل الإرهاب والتطرف برأسه من جديد، وهذا ما وقع فيه المجتمع الدولي بسرعة الاستعجال في إعلان القضاء على «داعش»، فعلى رغم وصول «التنظيم» الأكثر تطرفاً لمصيره الذي كان مؤجلاً طيلة سنوات قيامه، إلا أنه وصل للنهاية المحتومة، ونتمنى أن تكون نهاية مختومة بقرار عدم العودة من جديد.

...

نقلًا عن «الحياة»

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات