.

الحكمة فى «مَن عنده علم الكتاب» و«مَن عنده علم من الكتاب»

Foto

الكتاب المقصود "كما نرى" هو العلم الحقيقى القرآنى المصدر، النبوى التلقِّى، الفهم الشامل لدعوات الأنبياء، العلم الذى ليس فيه عنصرية أو تكفير


يأتى مصطلح "الكتاب" فى القرآن الكريم بعدة معانٍ، يأتى كناية عن القرآن نفسه، كما فى أول سورة البقرة "ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين"، وكناية عن التوراة، كما فى سورة "البقرة 53": "وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون"، ومصطلح "أهل الكتاب" كناية عن التوراة والإنجيل، ولكن "الكتاب" أيضًا يأتى بمعنى مدة زمنية، كما فى سورة "البقرة 235": "ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله"، وفى سورة "آل عمران 145": "وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابًا مؤجلًا"، كما يأتى "الكتاب" بمعنى الصفحة المنشورة للإنسان الفرد يوم القيامة، قال تعالى فى سورة "الإسراء 14": "اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا"، وفى سورة "الكهف 49": "ووُضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه"، وكذلك جاء "الكتاب" بالمعنى العام للكتاب، كما فى قوله تعالى فى سورة "النبأ 29": "وكل شيء أحصيناه كتابًا".

 

وفى كل الأحوال نجد ورود مصطلح "كتاب" 261 مرة، وهو ما يعنى أهمية الكتاب، وأهمية رسوخه فى المعنى، فالكتاب الذى أورده القرآن العظيم، ليس فقط الكتب السماوية بمعناها الحرفي، وهى القرآن والتوراة والإنجيل وصحف إبراهيم وموسى، ولكن الكتاب أيضًا يشير إلى كل المعارف البشرية، بمصدرها الإلهى.

 

وهنا نأتى إلى الغرض من هذا المقال، وهو ما جاء فى سورة "الرعد 43": "ويقول الذين كفروا لست مرسلًا قل كفى بالله شهيدًا بينى وبينكم ومن عنده علم الكتاب"، الله سبحانه يشير إلى الرسول محمد، عليه السلام، بأن الكافرين سيقولون بطبيعة الحال إن محمدًا ليس مرسلًا من الله، ثم يعود فيؤكد أن الله شهيد على صحة النبوة، ومع ذاته العليا يوجد "من عنده علم الكتاب"، وهو تصور عام لمَن يشهد للنبى محمد أنه رسول الله، يكفى بالله شهيدًا، ولكن مَن هو "مَن عنده علم الكتاب" وقد حدث اختلاف تفسيرى حول "مَن عنده علم الكتاب"، فقد ذكر بعض المفسرين أن المراد بالآية هو عبد الله بن سلام، الصحابى الذى كان يهوديًّا وأسلم، ولكن لا نرى ذلك صحيحًا، فسورة "الرعد" نزلت فى مكة، وابن سلام أسلم فى المدينة المنورة بعد الهجرة النبوية، ولا يمكن أن يكون عبد الله بن سلام نظيرًا لله فى شهادته للنبى أنه رسول من رب العالمين، كما أن عبد الله بن سلام مُتّهم فى نقل بعض الإسرائيليات إلى التراث الإسلامى، وهو سر رفضنا أن يكون هو المقصود.

 

وأما تفاسير الشيعة فإنها مجمعة على أن المراد بها هو الإمام علِى بن أبى طالب، الذى هو باب مدينة علم النبي، ويقولون إن شهادة علي ممتدة مع الأوصياء من بعده، أو الأئمة المعصومين، وهو قول لا نراه أيضًا صحيحًا، لأن عليًّا مؤمن شديد الإيمان، وشهادته للنبى من قبيل تأكيد المؤكد، فهو يشهد للنبى بالرسالة، مثل باقى المسلمين، وإن تميّز عن الآخرين بمناقب مختلفة، ولكن لا نستطيع الإقرار بأنه المقصود، بمَن عنده علم الكتاب كاملًا.

 

وقال مفسرون آخرون إن المقصود هو المؤمنون من أهل الكتاب بمحمد نبيًّا، ولكن لا يمكن إضافتهم إلى أهل الكتاب، بعد أن صاروا مسلمين، وأى شاهد بين النبى وبين الذين كفروا، إن كان من أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بالرسول، وينكرون نبوته، فإن شهادته لا تجعلهم يعترفون بالحق، بل هم سوف يغتنمونها فرصة لإسقاط دعوته وتضعيف أمره، وليس لنا أن نتوقع منهم أن يبادروا إلى إبطال دينهم، وإثبات أحقية الدين الجديد الذى يعارضه ويناقضه وينفيه، كما أن أهل الكتاب قد كتموا الشهادة بالحق لرسول الله، وقد تحدث الله عنهم فى ذلك، وأنّبهم عليه، واتهمهم بأنهم يحرفون الكلم عن مواضعه، فمن كان كذلك لا يمكن أن تكون شهادته معادلة لشهادة الله، ولا يسجّل ذلك فى القرآن ليقرأه الناس وليستفيدوا منه خلفًا عن سلف، وهذا يُعدّ من الإغراء للناس بما لا يصح الإغراء به، بل إن إصرار أهل الكتاب على البقاء على دينهم لهو من أعظم مظاهر كتمان الشهادة بالحق، هذا من المنظور الإسلامى بطبيعة الحال.

 

وكل هذا يدفعنا للبحث عن المقصود بـ"مَن عنده علم الكتاب"، نجد فى سورة "النمل" عن قصة سليمان النبى، عليه السلام، عندما أراد أن يأتى بعرش بلقيس قبل أن تصل إليه، قال لمَن حوله كما وُرد فى سورة "النمل 39- 40": "أَيُّكُمْ يَأْتِينِى بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِى مُسْلِمِينَ"، فقال عفريت من الجن ممن حضر هذا المجلس: "أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ"، أى من مجلسك، "قال الذى عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقرًّا عنده قال هذا من فضل ربي"، أى أن قدرة عفريت من الجن، أقل بكثير من قدرة "الذى عنده علم من الكتاب".

 

وكالعادة اختلف المفسرون حول شخصية "الذى عده علم من الكتاب"،  قالوا كان "الذى عنده علم من الكتاب": رجلًا من صالحى الإنس وعلمائهم، وليس من الجن، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ: فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ جِبْرِيلُ وَقِيلَ: هُوَ مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَيَّدَ اللهُ بِهِ نَبِيَّهُ سُلَيْمَانَ، وَقَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: هُوَ آصف بن برخيا، وَكَانَ صِدّيقًا يَعْلَمُ اسْمَ اللهِ الْأَعْظَم،ِ الَّذِى إِذَا دُعِى بِهِ أَجَابَ وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وقيل أيضًا إنه سليمان النبى نفسه، وفى كل الأحوال، فإن "الذى عنده علم من الكتاب" أى بعض العلم، تمكّن من نقل عرش بلقيس من اليمن إلى فلسطين فى ثوانٍ معدودة، فكيف إذن بـ"مَن عنده علم الكتاب"، أى كل علوم الكتاب، وما هو الكتب أصلًا.

 

ولن ننزلق إلى الحديث حول قدرة مَن نقل عرش بلقيس، وبأية طاقة، فكل ذلك من الغيبيات التى نؤمن بها تلقائيًّا، ولسنا من أنصار الحديث عن معجزات العلم فى الإسلام، كما يدّعى المرجفون بالتوفيق المزيف بين إنجازات العلم وآيات القرآن الكريم، التى نزلت لهداية البشر، وإقامة العدل، فالكتاب المقصود "كما نرى" هو العلم الحقيقى القرآنى المصدر، النبوى التلقِّى، الفهم الشامل لدعوات الأنبياء، العلم الذى ليس فيه عنصرية أو تكفير، فضلًا عن القتل والتدمير والسىي، وهو العلم الذى يجعل اختيار الحكّام بناء على اختيار البشر، فلا استبداد ولا انتهاك للحرمات، ولا قتل المعارضين أو حبسهم أو نفيهم، هو العلم الموجود فى الكتاب، الذى يحقق السلام للبشرية، ويثبت أن نبوّة محمد، صلى الله عليه وسلم، دعوة للأريحية وحراسة التمايز بين البشر، لأن القرآن الكريم طلب حراسة الاختلاف البشرى، قال تعالى فى سورة "هود 118 و119": "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين. إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم.."، فالله جعل الناس مختلفين فى العرق واللون والعقيدة واللغة، وسيظلون مختلفين، لأنه هكذا خلقهم، ومن ثمّ لابد لمَن عنده علم الكتاب، أن يطبّق شريعة الله كما نزلت على النبى، وكما مارسها على أرض الواقع، فلا غزوات ولا فتوحات، كما حدث بعد وفاة النبى مباشرة، وقالوا عنها نشر الدين، فالقرآن يؤكد حقيقة أن وراثة الأرض من الأنبياء تكون للعباد الصالحين، قال تعالى فى سورة "الأنبياء 105": "ولقد كتبنا فى الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادى الصالحون"، والعباد الصالحون هنا هم حكّام صالحون، الذين يسيرون على نهج النبوة، وهم أيضًا مَن يشهدون للنبى بالرسالة، ما داموا طبّقوا تعاليمه ودعوته، للناس كافة، دون إكراه أو تمييز، قال تعالى فى سورة "الأحزاب 21": "لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا"، ومن كان كذلك، يكون شاهدًا للنبى بالرسالة، مصدقًا لدعوته، أمينًا عليها، وهم قلة دائمًا، وقديمًا نصح علِى بن أبى طالب، أبا ذر الغفارى، فقال له "ولا تستوحش طريق الحق لقلة أهله، فإن أهل الحق قليل".

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات