.

الرحمة.. المفهوم الذى ضيّعه المفسرون والفقهاء!

Foto

لماذا يحتكر المفسرون والفقهاء والمتكلمون مفهوم النجاة؟ لماذا امتاز القرآن (كونه كتابًا وحيانيًّا) عن التوراة والإنجيل باتّساع فضاء الرحمة فيه؟


درَج مؤلّفو كتب الفِرَق والمِلَل والنِّحَل، على اختلاف معارفهم ومذاهبهم وأيديولوجياتهم، على استفتاح كتبهم بحديث غدَا مشهورًا حتى بين العوام، وهو ذلك الحديث الموسوم بحديث الفرقة الناجية، الذى ورد فى معظم السنن والمسانيد، كسُنن أبى داود والترمذى والنَّسائى وغيرهم، ولفظه: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة كلها فى النار إلا واحدة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة كلها فى النار إلا واحدة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها فى النار إلا واحدة»، وهو حديث يتّكئ عليه النّصيون، اعتمادًا على تصنيفه فى المدوَّنة الحديثية كحديث صحيح، حتى صار حديثًا مهيمِنًا، يحتكر النجاة والرضا الإلهى فى فرقة واحدة دون غيرها، كأن الإله الخالق لا يعرف غيرها، ولا تتجلّى صورته إلا فى مخيالها، فهو ليس إلهًا لغيرها، ولا يمنح مَن سواهم حق النجاة مطلقًا، مهما عبدوه، ومهما اجتهدوا فى رضاه والتزلُّف إليه، بل مهما كان اجتهادهم وعبادتهم، فهو -تأسيسًا وبناءً على هذا الحديث- إلهٌ قومى، طائفى، مذهبى، وليس إلهًا للعالمين!

 

يضع الدكتور عبد الجبار الرفاعى، فى كتابه المهم «الدين والاغتراب الميتافيزيقى»، يده على هذ الأمر، فيرصد فى الفصل الأول منه مفهوم الرحمة، ومدى انحساره وتهميشه على يد المفسرين والفقهاء والمتكلمين، على الرغم من أن لفظة «الرحمـة» ذُكرَت فى القرآن 268 مرة، كما ورَدت، أيضًا، تلك اللفظة ومشتقاتها فى القرآن أكثر من 330 مرة، بخلاف تكرار البسملة -التى تتضمّن كلمتى «الرحمن الرحيم»- فى مفتتح سور القرآن كلها، ما خلا سورة براءة/ التوبة، فى 114 مرة، الأمر الذى يثير تساؤلًا مهمًّا، وهو: إذا كانت الحال كذلك، فلِمَ تقلّص مفهوم الرحمة فى مدونات التفسير والفقه والكلام والحديث؟! ولماذا توارى ذلك المفهوم حتى «تغلّبت فى تاريخ الإسلام لغة العنف على لغة الرحمة، وأهدر كثيرون من مفسرى القرآن وفقهاء الإسلام كل هذا الرصيد الدلالى المكثَّف للرحمة، وصارت فاعلية دلالة آية السيف (الآية الخامسة من سورة براءة/ التوبة)، هى الأشد أثرًا والأوسع حضورًا فى القول والفعل فى الحياة السياسية لمجتمعات عالم الإسلام»؟، يتساءل معنا، هكذا، الدكتور عبد الجبار الرفاعى.
 

الإجابة عن هذا التساؤل المهم تقتضى أن نُدرك أبعاد حقيقة ينبغى أن لا نهملها أو نتعامى عنها، وهى أننا مقصّرون فى فهم معانى وآى القرآن فهمًا عميقًا، يتّسم بالجدّة والديناميكية والتأويل والتاريخانية، لا فهمًا جامدًا، سطحيًّا، مؤدْلَجًا، ظاهريًّا، ولعل هذا هو ما جعل الدكتور الرفاعى يقرّر أنه ينبغى علينا أن نبنىَ «علم كلام جديد»، يتيح للمسلم الاحتفاظَ بإيمانه من جهة، ويُمكّنه من العيش فى عالم يسوده التنوع والاختلاف من جهة أخرى، ولا سيما أن علم الكلام الإسلامى، منذ قرون، يرزح تحت نِير المنطق الأرسطى الصورى الذى لا يعترف بنسبية المعرفة، كما يقرّر أننا بجاجة ماسّة إلى منهج بديل وجديد لفهم القرآن، بحيث نحرّره من «أسوار الأفق التاريخى التكرارى المغلَق للمفسرين»، وهو ذلك الأفق الذى قضى تمامًا على إدراكنا لأى معانٍ جديدة للنص القرآنى، خصوصًا ما يتعلق بمعانى الرحمة والأخلاق، فالمسلم اليوم أسيرٌ لدى تراث السابقين، «ضائع فى كهوف التراث، التى لا تقوده إلا إلى مزيد من الضياع»، على حدّ تعبير الرفاعى.
 

يمتاز القرآن، كونه كتابًا وحيانيًّا، عن التوراة والإنجيل، باتّساع فضاء الرحمة فيه اتساعًا لا وجود له فى ذيْنك الكتابَين، حتى إن القرآن هو الكتاب المقدس الوحيد الذى تُفتَتح سوره بالبسملة التى فيها (الرحمن الرحيم)، وإذا نحن اتفقنا مع بعض الآراء والمرويات التى تؤكد أن البسملة آية منفردة مستقلّة تتكرر مع سور القرآن، باستثناء سورة براءة/ التوبة، فإننا سنُدرك عظمة مفهوم الرحمة ووجودها الكثيف فى القرآن دون غيره من الكتب الإبراهيمية الأخرى، وهو أمرٌ التفت إليه، جيدًا، الدكتور الرفاعي، إذ هو يقرّر أن «افتتاحَ كلِّ سورة بالبسملة يعنى أن الرحمةَ الناطقةَ بها البسملةُ مهيمنةٌ على المدلول العام للسورة، وحاكيةٌ عن أغراضها، فإن كان مضمونُ السورة أخلاقيًّا فإنه يكون متقوّمًا بالرحمة، وهكذا لو كان المضمونُ عقائديًّا أو تشريعيًّا يكون متقوّمًا بالرحمة أيضًا، فتقديمُ نصّ كلِّ سورة بما تشتمل عليه البسملةُ من رحمةٍ يشى بأن المضامينَ المسوقةَ فى آياتِ القرآن كافةً تتحدّث لغةَ البسملة».
 

وفى الوقت الذى شهد فيه القرآن الكريم حضورًا مكثّفا للفظة الرحمة ومشتقاتها، إذا بالمفسرين، أغلبهم، يضربون عنها صفحًا، فينسخون ذلك الحضور اللافت للأنظار والأفهام بآية السيف، وهو ما اعتمدته بعد ذلك التنظيمات الإرهابية الإسلاموية، لذلك لم يكن غريبًا أن نسمع فى خُطبهم ونقرأ فى كُتبهم ألفاظًا على شاكلة: السيف، ظل رمحى، الرعب، الرهبة، القتل، الجهاد، ضرب الرقاب، وغير ذلك من كلمات وألفاظ تشى بإهمالهم أى معنى للرحمة والسماحة فى معاملة الآخَر، لأنهم يعتقدون أن الله هو إلههم وحدهم دون سواهم، وأنهم وحدهم الناجون ومَن سواهم من الهالكين، فطَغَت وسادت لغة العنف والإرهاب على تاريخ الإسلام، وزخرت مدوّنات الفقه والتفسير وعلم الكلام بكل ما هو بعيد عن معانى الرحمة، وذلك لأن اللاهوتَ والفقهَ الصّراطى على الضدِّ من منطقِ الرحمة، فقد أضحى صوتُ مَن يدعو لإيقاظِ الرحمةِ وما يؤول إليها فى بيئاتِ التديّن هذه نشازًا أحيانًا، وربما يُتهم بالجبنِ والخوفِ والهوانِ فيُدان دينيًّا ومجتمعيًّا، يقول الرفاعي.
 

إن أبشع آفة من آفات تهميش مفهوم الرحمة فى المحيط الإسلامى وتراثه، هو تأميم حرية الإنسان فى الاعتقاد والإيمان، فمعنى أن ترى فرقة من الفِرَق، أو جماعة من الجماعات، أو تنظيم من التنظيمات، أنها -وحدها- هى الناجية، وما سواها فى نار جهنم، فإن هذا يعنى أنّ حرية الإنسان معطّلة، وإرادته مهمّشة مبتورة، لذلك كان السائد حتى الآن أن آية «لا إكراه فى الدين»، وما يماثلها فى القرآن من آيات حرية الاعتقاد، منسوخة عند جمهرة المفسرين والفقهاء والمحدّثين، لا لشىء سوى لأنهم يتكئون على حديث الفرقة الناجية، كأنه قطعة من القرآن الكريم!
 

لقد فطن الدكتور الرفاعى وهو يتحدث عن مفهوم الرحمة وهيمنة حضوره الكثيف فى القرآن الكريم، إلى أن جماعات الإسلام السياسى وحلفاءها هم الذين يستغلّون تقلّص مفهوم ودلالات لفظة الرحمة فى التراث الإسلامى كافة، فهم على الرغم من ادّعاءاتهم بأنهم يؤمنون بالدولة المدنية الحديثة، ومفرداتها السياسية الحداثية المعاصرة، بيْد أنهم ملفّقون، يعتمدون الزيف حتى يصلوا إلى أهدافهم، يقول الدكتور الرفاعى: «من المؤسف أن أدبياتِ الجماعات الدينية تتحدّث عن الديمقراطيةِ وحرياتِ الإنسان وحقوقِه بأسلوب تلفيقى ذرائعى، فهى من جهة تدعو لدولةٍ مدنية حديثة، وتصوّت على دستورٍ يكفل المساواةَ بين المواطنين، ويمنحهم حريةَ الاعتقادِ والتعبيرِ عن معتقداتهم، لكنها من جهة أخرى تتبنّى ما ورد فى المدونة الكلامية والفقهية، ومقولاتِها التى تشدّد على انحصارية عقائدية، من دون أن تتدبّر التناشزَ الصريحَ بين المبادئ الدستورية للدولة المدنية الحديثة وما تتشبّث به من مقولات صراطية تحصر المعتقدَ بلون واحد تفرضه على الكلّ، بل تتهم أيةَ محاولة لاستئناف النظر فى المدونة الموروثة بالعداء لتراثِ الأمة ودينِها وقيمِها».
 

وربما كان لحضور التصوف فى حياة الدكتور عبد الجبار الرفاعى، أثرٌ جدّ عظيم فى تقريره وجود حلّ لتلك المعضلة، أعنى معضلة تغييب مفهوم ودلالات الرحمة فى التراث الإسلامى، فى نظرية المعرفة فى التصوف الفلسفى، فالرجل يؤكد أن المتصوفة لا يحتكرون طريق الوصول إلى الله كما هى الحال عند المتكلمين، فالمتصوفة يؤمنون بتنوّع طرق الوصول إلى الله، الأمر الذى يؤسّس لحق الاختلاف فى المعتقَد، وهذا هو أساس التعددية الدينية والعيش المشترَك بين الناس على اختلافهم فى ما بينهم، ولا أدلّ على ذلك من أن علَمًا صوفيًّا كبيرًا مثل محيى الدين بن عربى كان يستهجن تكفير الناس بعضهم بعضًا، فهو يقول فى (الفتوحات المكية): إن التكفير «ردّ على كتاب الله، وتحجير على رحمة الله أن تنال بعض عباد الله».
 

وأخيرًا، فإن العودة إلى فهم معانى الرحمة فى القرآن الكريم، والإحساس بمدلولاتها، والاغتراف من فيضها، والاعتقاد بأن الرحمة أصل يستوعب أى أحداث فى أى زمان ومكان، لن يتمّ سوى بفهم آى القرآن فى رحاب التأويل، لا الظاهر، وفى رحاب الظرف التاريخى الذى كان موجودًا وقت تنزّل وحى السماء إلى الجزيرة العربية، ففهم القرآن فى رحاب التاريخ وسياقاته والظرف الزمكانى، يجعلنا على يقين بأن الرحمة هى الأصل، وأما القتال والاقتتال والعنف، فكل أولئك معانٍ فرضها الزمان والمكان، آنذاك، كما فرضها سياق نزول الآيات فى الجزيرة العربية، ما يجعلنا نؤكد مع الرفاعى أنّ قراءة النصوص المقدسة فى ضوء أدوات ومناهج الهرمنيوطيقا ضرورةً يفرضها تحريرُها من الاغتراب عن الواقع، وتحقيقُ الانسجام بين هذه النصوص والقارئ.
 

يقينًا، صدق عبد الجبار الرفاعى حين قال: «الرحمة صوت الله.. السلام اسم الله.. المحبة ضمير الأديان».

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات