.

لماذا تعد علاقة ترامب وقناة «فوكس نيوز» فعلًا غير مسبوقة؟!

Foto

مَن هم رجال الشبكة فى الإدارة الأمريكية؟


 

ترجمة: أميرة جبر عن «سى إن إن»

 

نشرت جاين ماير، يوم الإثنين الماضى، مقالًا ناسفًا عن «فوكس نيوز البيت الأبيض»، والذى يسرد بالتفصيل قصة تزعم أن القناة منعت موضوعًا عن ستورمى دانيالز، قبل انتخابات الرئاسة عام 2016، وأن ترامب حاول العبث باندماج شركتَى «إيه تى آند تى» و«تايم وارنر» على ما يبدو، لأنه لم يكن سعيدًا بالتغطية الإخبارية لرئاسته من قِبَل قناة «سى إن إن»، والتى تملكها الآن «إيه تى آند تى».

 

ويوضح المقال بالتفاصيل الحية أن الإجابة عن سؤال ماير فى المانشيت عن «فوكس نيوز» -«هل هى البروباجندا؟»- إنما هى نعم مدوية.
 

ولكن ظل هناك سؤال محيّر لدى بعض القراء: فهل هذا أمر بجديد؟ ففى نهاية المطاف، كان للرؤساء من قبل روابط وثيقة بوسائل الإعلام. ألم يقدِّم الصحفيون غطاءً لإدارة بوش فى أثناء حرب العراق؟! ألم يعلن مذيع «إم إس إن بى سى» كريس ماثيوز، أنه يشعر بالحماس عند سماعه خطابات باراك أوباما؟! ألم تخدم وسائل الإعلام الرئيسية الرؤساء على مدى عشرات السنين؟!
 

قطعًا، ولكن العلاقة بين دونالد ترامب و«فوكس نيوز» شديدة الاختلاف، الأمر الذى يجعل القناة أقرب إلى تليفزيون الدولة منها إلى أى شىء عرفته الولايات المتحدة من قبل.
 

بالطبع، هناك سابقة لبعض خصائص علاقة ترامب بـ«فوكس نيوز»، فلطالما تودَّد الرؤساء الأمريكيون للصحافة سعيًا وراء تغطية إيجابية لأحزابهم وأجنداتهم. ويرد بعض الصحفيين الجميل مستمتعين بموقع وهيبة المطَّلع على شؤون البيت الأبيض. ولطالما كان كاتب العمود بجريدة «نيويورك تايمز» آرثر كروك، وثيق الصلة بجون كيرى، فقد ساعده فى رسالة تخرُّجه، وكان ينصحه بصورة شخصية حول كيفية التعامل مع وكالة الاستخبارات المركزية «سى آى إيه». وكان يتبادل كاتب العمود بجريدة «واشنطن بوست» درو بيرسون الجمائل بشكل دورى مع ليندون جونسون، بما فى ذلك وقف تحقيقات فى مقابل المساعدة السياسية وإبداء الرأى فى الخطابات والاستراتيجية.
 

كما دعَّمت وسائل الإعلام الإخبارية مرشحين بعينهم، على أمل أن يصلوا برجلهم إلى البيت الأبيض. فى عام 1940، هندس هنرى لوك، الذى كان يملك مجلات «تايم» و«لايف» و«فورتشون»، بشكل منفرد ترشُّح ويندل ويلكى. ولم تكتفِ مجلاته بالترويج للمرشح غير المعروف، بل ضمن لوك أن تكون التغطية إيجابية بشكل موحد، الأمر الذى كثيرًا ما أثار استياء الصحفيين العاملين لديه، إذ توسل ذات مرة مراسل لـ«تايم» يغطى ويلكى: «أخرجونى من هذا القطار. كل ما أستطيع فعله هو أن أجلس أمام آلتى الكاتبة وأكتب (ويندل ويلكى رجل رائع، ويندل ويلكى رجل رائع)».
 

وبكل تأكيد، قام الصحفيون بالتستر على الفضائح الجنسية للرؤساء. فى منتصف القرن العشرين، كانت تعد مثل هذه الموضوعات متجاوزة للحدود، ففى الوقت الذى كان معروفًا فيه أن كلًّا من كينيدى وجونسون يلاحقان النساء بشكل دورى، لم تظهر تلك القصص الشهوانية فى صحف الأمة، حتى إن هناك حالات عديدة لعبت فيها وسائل الإعلام الإخبارية دور كاتب المحكمة بترديدها بسذاجة الخط الحزبى، حتى فى ظل تراكم أدلة بأن الإدارة تكذب (راجع: فيتنام والعراق).
 

ولكن، على الرغم من مختلف طرق التنسيق بين الصحفيين والرؤساء فى الماضى، فإنه لم يصل أى منها إلى مستوى التكافل بين «فوكس نيوز» ودونالد ترامب. «فوكس نيوز» نفسها لم تتورط إلى هذا الحد مع بيت أبيض من قبل. ففى الوقت الذى لطالما كانت فيه القناة جمهورية بامتياز -فقد كان روجر آيلز مستشارًا للرؤساء الجمهوريين بدءًا بريتشارد نيكسون حتى جورج بوش الأب قبل تأسيسه «فوكس نيوز»- لم يكن للقناة تأثير كلى شامل على جورج بوش الابن كما لها على ترامب (والعكس الصحيح).
وأحد المقاييس هو التدفُّق المستمر للموظفين من «فوكس نيوز» إلى بيت ترامب الأبيض. شغل مذيع «فوكس نيوز» طونى سنو، منصب السكرتير الصحفى لجورج بوش الابن. وفى الوقت الذى كان فيه من غير الطبيعى أن ينتقل صحفى إلى الإدارة، لم يكن أمرًا غير مسبوق. أما بالنسبة إلى إدارة ترامب، فيبدو فى الكثير من الأحيان أن الظهور على «فوكس نيوز» بمثابة الخطوة الأولى فى عملية إجراء المقابلات، للحصول على الوظيفة. وبلا شك، تلك هى الطريقة التى أدَّت بمسؤول إدارة بوش الصقر جون بولتون، إلى البيت الأبيض، على الرغم من انتقاد ترامب الشديد لسياسة التدخل.

 

إلا أن بولتون واحد من الكثيرين من رجال «فوكس نيوز» فى الإدارة، فهناك طونى صايغ فى الخزانة، ومرسيدس شلاب فى الاتصالات. كما قام ترامب بترشيح هيذر ناورت، مذيعة برنامج «فوكس آند فريندز» السابقة، التى أصبحت المتحدثة الرسمية باسم وزارة الخارجية، لتكون المندوبة القادمة لدى الأمم المتحدة (ودون أية خبرة خارج مجال الصحافة الإذاعية، تم مقاومة تعيينها إلى أن انسحبت، لأسباب أخرى حسبما أفادت التقارير). وفى الكواليس، يقدِّم شون هانيتى، الذى تحدث العام الماضى داعمًا ترامب فى أحد تجمعاته الحاشدة، النصيحة إلى الرئيس بشكل دورى.
 

كما أصبح كبارات «فوكس نيوز» رجال ترامب، فبعد فصله على خلفية تحرُّش جنسى، ذهب آيلز ليشير على ترامب فى أثناء استعداده للمناظرات. كما يشغل الرئيس المشارك بيل شاين، الذى تم فصله لتواطؤه فى تحرش جنسى، منصب نائب رئيس الموظفين للاتصالات.
 

الأمر يتعدَّى الموظفين، إذ تكرر تغريدات ترامب روايات «فوكس نيوز» وتشكلها فى آن واحد، فكل من البيت الأبيض و«فوكس نيوز» مدير برامج الآخر. ولعل الأمر غير المسبوق والأكثر إثارة للدهشة هو أن للقناة خط اتصالات مباشر مع البيت الأبيض. فعلى سبيل المثال لا الحصر، دفع القصف المتكرر على «فوكس نيوز» ترامب لتغيير مسار صفقة الميزانية، الأمر الذى أدَّى إلى أطول إغلاق حكومى فى التاريخ الأمريكى.
 

حتى إن برنامج «فوكس آند فريندز» سخر من «الهات وخُد» بين القناة والرئيس، فبعد أسبوعَين من تنصيب ترامب، قاطع أحد المذيعين هيذر ناورت، التى لم تكن قد التقطتها الإدارة بعد، وقال على الهواء مباشرةً: «دونالد يا ترامب، لو بتتفرج، طفِّى النور وولَّعه!»، ثم قطع الكادر لصورة حية للبيت الأبيض جعل فريق المؤثرات الأضواء تومض فيها كرد فعل.
 

كانت لحظة غريبة جدًّا، لحظة أدركت واقع العلاقة بين الشبكة والرئيس، الذى كان ضيفًا بشكل دورى فى برنامج «فوكس آند فريندز» بين 2011 و2015، لحظة تسخر من الأمر وكأنه نكتة. ولكن، لا يوجد شىء مضحك فى شبكة تدَّعى أنها تقدم الأخبار بينما تعمل فى الواقع كأحد فروع الإدارة. مثل تلك العلاقة حقًّا غير مسبوقة، وطمس الخطوط الفاصلة بين الأخبار والبروباجندا يلحق ضررًا أكبر بالأعراف الديمقراطية.
 


 

نيكول هيمر
أستاذ مساعد الدراسات الرئاسية فى مركز ميلر بجامعة فرجينيا، مؤلفة كتاب «رسل اليمين.. الإعلام المحافظ وتحول السياسة الأمريكية».

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات