.

صفحات للرائع صلاح عيسى‬.. حكايات من ثورة 1919

Foto

فى صباح يوم التنفيذ توجه إلى محطة مصر، ليستقل منها القطار إلى هدفه، وبينما هو فى انتظار القطار فوجئ بضابط بريطانى يركب جواده ويتربص للمتظاهرين. وعلى الفور قرر أن يحرمه من القيام بالدور الذى كان يستعد للقيام به...


محكمة فى الجبانة

عقدت أعجب محكمة فى التاريخ المصرى جلساتها فى قرافة الإمام الشافعى.


حدث هذا فى أثناء ثورة 1919، وكان البوليس قد تصدَّى لإحدى مظاهرات الثورة، وقتل فى أثناء الاشتباك أحد الطلاب، وكان أحد زملائه بجواره، فأمسك بعنان حصان الضابط القاتل وصاح: «حيدر هو اللى قتله!».


وكان محمد حيدر بك، آنذاك، قومندان للسوارى بقسم عابدين، ومن أشرس رجال البوليس فى التصدى للمظاهرات، وحاصر المتظاهرون منزله، فاضطروه للبقاء داخله، ثم تحايل وخرج فى ملابس مدنية وتوجه إلى منزل زهير أفندى صبرى، الطالب بالحقوق، وأحد زعماء الثورة أيامها، وأقسم له أنه برىء مما نسب إليه، وأن لديه شهودًا على أنه يوم المظاهرة كان فى راحته الأسبوعية، وطالب بتبرئته من تهمة قتل الطالب ورفع الحصار عن منزله.
 

وبناءً على اقتراح من زهير صبرى تألَّفت هيئة لمحاكمته ضمت عشرين من زعماء الطلبة ومندوبى العمال، واتخذت إجراءات مشددة لإبقاء مكان المحكمة سريًّا عن المتهم والشهود، ورتب الأمر بحيث اقتيد الجميع إلى حوش فى قرافة الإمام الشافعى انعقدت فيه المحكمة، واستمعت إلى شهادة شهود النفى، وكانوا عددًا من ضباط الجيش المصرى، أكدوا أن حيدر بك كان يمضى إجازته معهم، وحسم شاهد الإثبات الموقف عندما تأكد من ملامح المتهم، قال إن الذى أطلق الرصاص ليس هو لكنه ضابط يشبهه!
 

وصدر الحكم بالبراءة، ورفضت المحكمة طلبًا للادعاء بمحاكمة الضابط على جرائمه الأخرى، على أساس أنها مشكَّلة للنظر فى تهمة معينة، وعندما تشكك المتهم فى أن الحكم سيكف عنه المتربصين به، طمأنته المحكمة، وأمرته أن يخرج بملابسه الرسمية وسيكون آمنًا.
 

بعد ربع قرن من هذه الحادثة، كان زهير صبرى المحامى أحد أصدقاء جلالة الملك ومن بطانته، وما أكثر ما يكون الزمن وغدًا.

 

الوطن للجميع
«الدين لله، والوطن للجميع» واحد من أهم شعارات ثورة 1919.

 

وخلال شهور الثورة -وفى ما تلاها من سنوات- ساد هذا الشعار العظيم، وفشلت محاولات الاستعمار لتطبيق سياسة «فرق تسُد» التى اتبعها على مشارف القرن، وأساءت للنضال الوطنى أبلغ إساءة.
 

فى ثورة 1919 خطب القسس على منابر المساجد، وخطب الأئمة فى هياكل الكنائس، وكان القسيس والشيخ يتصدران دائمًا أى مظاهرة ثورية، ويتعانقان أمام الجماهير وأمام جنود الاحتلال.
وفى عام 1920 وصلت إلى مصر لجنة «ملنر» الشهيرة التى كلفت بدراسة أسباب الثورة، ومعرفة مطالب المصريين، وكان الوفد المصرى بقيادة سعد زغلول أيامها فى باريس، يدافع عن حق مصر فى الاستقلال، وأصدرت لجنة الوفد المركزية بيانًا دعت فيه إلى مقاطعة اللجنة، لإجبارها على الاعتراف بالوفد المصرى كقائد شرعى للأمة، والتفاوض معه، واستقالت الوزارة القائمة آنذاك، وأصدر الوفد بيانًا يناشد فيه السياسيين عدم تشكيل وزارة، لكى لا تجد اللجنة مَن تخاطبه فى مصر.

 

ولجأ الاستعماريون إلى المناورة، فكلفوا مسيحيًّا وهو يوسف وهبة باشا، بتشكيل الوزارة، فشكلها، وكانت مناورة ذكية، هدفها التفرقة بين عنصرَى الأمة، وسارع عبد الرحمن فهمى سكرتير لجنة الوفد المركزية، إلى الكنيسة المرقسية الكبرى، وخطب هناك قائلاً: «إذا كان الاستعماريون قد وجدوا مسيحيًّا واحدًا خائنًا يقبل رئاسة الوزراء، فقد وجدوا أيضًا ثمانية مسلمين خونة قبلوا أن يكونوا وزراء».
 

وعندما قرر الجهاز السرى للثورة قتل يوسف وهبة تصدَّى الشاب المسيحى عريان يوسف سعد، لهذه المهمة، لكى لا يستغل الاستعماريون المسألة -لو نفذها مسلم- فى إذكاء نيران الحرب الطائفية، وقُبض على عريان سعد، وحكم عليه بالسجن عشر سنوات قضى منها أربعًا ثم أُفرج عنه فى عفو عام.

 

المصرية الباسلة
كانت شريفة رياض واحدة من أولى السيدات المصريات اللواتى خرجن للعمل العام، وناضلن من أجل قضية المرأة، وأدركن بوعى أن تحرر المرأة المصرية ليس عملًا منفصلًا عن تحرر الوطن المصرى، وليس قضية جزئية أو فرعية.

 

بدأت نشاطها فى أوائل القرن عندما بدأت تجمع تبرعات من الأُسر المصرية الثرية، لمساعدة الأتراك فى حرب البلقان، وكان عملها تحديًا سافرًا لسلطات الاحتلال الإنجليزى، فقد كانت أية مساعدة لتركيا تعتبر -أيامها- عملًا عدائيًّا لإنجلترا. وعلى الرغم من أنها كانت تنتمى إلى أسرة محافظة -بل ورجعية- فإنها خرجت إلى الطريق ونشطت اجتماعيًّا وسياسيًّا بجسارة نادرة.
 

كانت ابنة لحسن راسم باشا محافظ الإسكندرية، وزوجة لمحمود بك رياض، أحد أبناء مصطفى رياض باشا -رئيس الوزراء المصرى قبل الثورة العرابية وبعدها- وكان الثلاثة -والدها وحموها وزوجها- شديدى المحافظة، بل إن زوجها لم يكن يهتم أى اهتمام بالعمل العام أو السياسى.

 

وعلى الرغم من ذلك حاولت أن تشكل لجنة نسائية للحزب الوطنى بزعامة مصطفى كامل، وفشلت فى ذلك، بسبب محافظة الحزب فى المسائل الاجتماعية عمومًا، فانتقلت إلى الخدمة العامة وأنشأت «جمعية المرأة الجديدة» لتعليم وتدريب الفتيات.
 

وفى مجرى ثورة 1919 العظيمة، وفى تيارها الوطنى والديمقراطى النقى، وجدت شريفة رياض نفسها، فكانت العمود الفقرى لنشاط السيدات المصريات خلال الثورة، وكانت صاحبة الدعوة إلى الاجتماع الذى عُقد فى الكنيسة المرقسية الكبرى، وأسفر عن تشكيل لجنة السيدات التى قامت بنشاط باسل خلال الثورة. فهذه اللجنة هى التى حرَّكت سيدات مصر للخروج فى المظاهرات الكبرى فى أثناء ثورة مارس العظيمة، وهى التى جمعت الاكتتابات لمساعدة أسر الشهداء والضحايا، وأسهمت بدور بارز فى مقاطعة السياسيين المصريين للمناصب الوزارية عام 1920، ولعبت شريفة دورًا محركًا فى تنظيم إضراب الكناسين، الذى كان من أبهر وأعظم أعمال الثورة.
 

وكانت تتميز بشجاعة فائقة، ولباقة نادرة، مكنتاها من أن تعارض سعد زغلول -الذى كان يقدرها ويحترمها- فى بعض آرائه، وحدث أن ذهبت ضمن وفد نسائى لمقابلة المندوب السامى البريطانى، محتجات على اعتقال سعد زغلول ومطالبات بالإفراج عنه، وقال لهن الخواجة بصلف أوروبى:
 

ـ إن المرأة المصرية التى لا تزال تُضرب وتُركل فى بيتها، لا يحق لها أن تنادى بالحرية قبل أن تتحرر هى.
 

وردت شريفة رياض بعنف، فذكرت الخواجة بقضية كانت مثارة وقتها فى إنجلترا اتهم فيها أحد اللوردات الإنجليز بضرب زوجته، قالت:
 

ـ إن صح منطقك وجب أن تكون إنجلترا محتلة، حتى تتحرر نساؤكم من ضرب أزواجهن.
وبلغ الخواجة الإهانة ساكتًا.

 

واستمرت شريفة تناضل ضمن حركة لجنة «ملنر»، وفى أثناء انقلاب صدقى على الدستور -فى أوائل الثلاثينيات- لعبت دورًا مهمًّا فى المقاومة وساندت نضال عمال العنابر والترسانة، من أجل التحرر والديمقراطية، فنظَّمت لجانًا للمساعدة والإسعاف، وحضرت معظم المحاكمات تشجع وتدفع الغرامات وتوكل المحامين.
 

وفى عام 1936 اعتزلت العمل العام بعد وفاة ابنتها، وكانت عروسًا، وماتت هذه المصرية الجميلة الشجاعة فى سبتمبر 1954 بعد أن حفرت اسمها فى وجدان مصر.

 

الحاج جاد الله
بطولة الشعب هادئة، صامتة، لا تعرف الضجيج ولا الدعاية، لا تبحث عن شهرة، ولا تنتقص فضلًا ليس لها، إنها حتى لا تنتظر جزاء على تضحياتها. والمأساة أن التاريخ أحيانًا يعتمد الضجيج كشهادة للبطولة، وينسى الذين قاتلوا فى صمت، وضحوا من دون ضجيج، وتعذبوا من دون إعلان!

 

فى مصلحة السكة الحديد كان الأسطى أحمد جاد الله يعمل، وكان قد تنازل عن لقب الأسطى عندما مكنته الظروف أن يحج إلى بيت الله، وعرف من وقتها بـ«الحاج جاد الله».
 

وتأتى ثورة 1919 وينغمس فيها الأسطى بكل ثقله، يهبها كل طاقته، ويتمرن على إطلاق الرصاص إلى أن يحذقه، ويصر على أن يرفع من درجة استعداده، فيواصل التمرين وينجح أخيرًا فى إصابة الهدف بالتوجيه، وليس بالنيشان فقط، وكان طبيعيًّا أن ينغمس فى حركة المقاومة السرية، وأن ينطلق رصاصه ليصيب الذين كانوا يحتلون مصر، ويمتهنون كرامتها وينهبون خيراتها.
فى ضاحية الزيتون كان هناك ضابط إنجليزى يقوم بالدور الذى يقوم به كل المحتلين، يعذب الأهالى، ويغلظ فى معاملتهم، فاعتزم الحاج جاد الله أن يجعله هدفًا لرصاص مسدسه، فيريح من شروره كل الذين كانوا يقاتلون من أجل حرية مصر.

 

ورسم الحاج خطته.
 

فى صباح يوم التنفيذ توجه إلى محطة مصر، ليستقل منها القطار إلى هدفه، وبينما هو فى انتظار القطار فوجئ بضابط بريطانى يركب جواده ويتربص للمتظاهرين. وعلى الفور قرر أن يحرمه من القيام بالدور الذى كان يستعد للقيام به، وأن يقوم بذلك قبل تنفيذ مهمته الأصلية، لكن مشكلة ما قد واجهته إذ كان هناك جندى بوليس مصرى يقف فى المنطقة، وعيناه ترقبان كل ما يقع فيها، وكان معنى إطلاق النار على الضابط الإنجليزى أن يتعرض الجندى لرصاصه، ولم يهن على الحاج جاد الله أن يطلق مصريون الرصاص على مصريين، خصوصًا إذا كانوا من نوع ذلك الجندى الفقير الغلبان، الذى دفعه الجوع لأن يكون عونًا لجلاديه، رغمًا عن إرادته ومن دون رغبة منه.
 

فى لحظة خاطفة كان الحاج جاد الله قد قرر أمرًا، عاد إلى منزله وطلب من زوجته أن تلبس ملابسها وتستعد للخروج، وكانت الزوجة فى شهور حملها الأخيرة، وعندما أخطرها الحاج بما يريده منها، تحمَّست على الفور وارتدت ملابسها وصاحبته إلى محطة السكة الحديد، كان الحاج قد قرر أن ينقذ الجندى اعتمادًا على شىء يعرفه فى كل مصرى، هو طيبته وحرصه على مساعدة الضعفاء.
 

وما إن هلَّت السيدة الحامل داخلة إلى المحطة، ورآها الجندى تتهاوى إعياءً حتى اهتم بأمرها، خصوصًا عندما طلبت منه أن يوصلها إلى رصيف المحطة وأن يحضر لها كوب ماء، وما أن ترك النقطة التى كان فيها حتى كان الحاج جاد الله يطلق رصاصه على الضابط الإنجليزى ويدخل بهدوء إلى حيث يركب القطار، إلى مهمته الأصلية، قتل ضابط إنجليزى آخر.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات