.

ديمقراطية مصر التى لا تهم أمريكا أبدًا

Foto

لماذا لا يهم أمريكا أن تكون مصر ديمقراطية من عدمه؟ ماذا تريد أمريكا من تقوية ومساندة اقتصاد السودان المتردى؟


من دون مقدمات وجدنا بيانا للسيناتور الأمريكى جون ماكين يتحدث فيه عن الأحوال فى مصر وينتقدها، وهو من صقور الحزب الجمهورى، رئيس لجنة القوات المسلحة فى الكونجرس الأمريكى، وماكين له مواقف معارضة لثورة يونيو، ويعتبرها انقلابا، وله حديث شهير تحدث فيه عن الأحوال فى مصر ووصفها بأنها تتراجع إلى الوراء، وقال للمصريين «سوف ترون بأنفسكم أن الديمقراطية تبخرت»، كان هذا بعد ثورة يونيو مباشرة، المهم أن بيانه الآن جاء مواكبا للانتخابات الرئاسية مما أعطى بيانه نوعا من الأهمية، ليس لأنه مؤثر فى ما يجرى بالداخل فى مصر من قريب أو بعيد، ولكنه يعيد تأكيد ما نعرفه أن أمريكا لم ولن تصفى لمصر يوما ما، لاسيما بعد ثورة يونيو 2013.

هل يهم أمريكا أن تكون مصر ديمقراطية؟
لاحظ أن أمريكا لا يهمها أن تكون مصر ديمقراطية من عدمه، ولكن يهمها أن تكون مصر تسير فى ركاب السياسة الخارجية الأمريكية، فبالنسبة لأمريكا ليس مهمًّا مَن الذى يحكم، ولا حتى حقوق الإنسان كما يدعون، ولكن الأهم بالنسبة لهم أن يكون محصلة السياسة الخارجية المصرية لا تتعارض مع السياسة الأمريكية فى المنطقة، بيد أن هذا الطرح يواجه مشكلات جمة منذ اندلاع ثورة يناير، وتأكد فى ثورة يونيو أن توجه الشعب المصرى مستقل وغير خاضع للإملاءات الأمريكية، وهذا فى رأيى ما وراء بيان ماكين، لاحظ أن نائب الرئيس الأمريكى زار مصر فى نفس توقيت إصدار البيان، ولم يحتفِ به أحد.
لكن ماذا بالضبط فى السياسة الخارجية المصرية الذى يزعج أمريكا إلى حد كبير؟! ألم يكن الرئيس الأمريكى بنفسه يثنى على الرئيس المصرى؟ وللإجابة، نحتاج إلى أن نعود للوراء بضعة أشهر، عندما كانت مصر مدعوة لحضور مؤتمر الرياض، ذلك المؤتمر الذى غابت عنه إيران وتركيا، دونا عن العالم الإسلامى كله، وحضرته قطر! وكان المفروض أن يدشن التحالف ضد إيران فى ذلك المؤتمر، لكن ماذا حدث؟ لم ينتج عن المؤتمر محاصرة إيران، ولا تعزيز حضور تركيا، بل تغيرت أجندة المنطقة وانقلبت الطاولة على قطر! كيف حدث هذا؟ كيف تحول المؤتمر من تجمع لمحاصرة إيران إلى تجمع لعزل قطر؟ لابد أن جهودا ما متواصلة نجحت فى تحويل دفة المسار إلى هذا النحو! ولقد تطورت أعمال الرباعى العربى الذى يقف خلف عزل قطر إلى مسارين، الأول، تفريغ المشكلات التى تنجم فى المنطقة نتيجة لأعمال إيران، والثانى منع ما تبقى من تأثير لتركيا فى مجريات الأمور فى المنطقة! والنتيجة أن أزمة مثل أزمة لبنان التى كان مرادا لها أن تعصف بالمنطقة تم تفريغها من مضمونها، وفاتت فرصة أى حرب تندلع فى لبنان أو بسببها، ثم شهدنا تحركا آخر من تركيا هذه المرة يقفز إلى جنوب مصر، ويعقد الصفقات مع السودان، وتشاد، وتونس، وكان هذا التحرك التركى لاحقا على تحرك أمريكى سابق، وهو رفع العقوبات الاقتصادية فجأة عن النظام السودانى، مع الإبقاء على تصنيفه نظاما مساندا للإرهاب!

أهداف أمريكا من تقوية اقتصاد السودان
ماذا تريد أمريكا من تقوية ومساندة اقتصاد السودان المتردى؟ هل قفزت إلى مساعدة السودان بعد انحسار وحصار الدور القطرى وتمويله؟ ثم هل تطمح فعلا تركيا فى لعب دور مباشر فى أمن مصر المائى وتظن أن مصر ستقف موقف المتفرج؟ لقد كان من السهل بعد عملية التوتر المصطنعة التى جرت فى الأسابيع الأخيرة فى العلاقات المصرية السودانية والعلاقات مع إثيوبيا، أن تنزلق مصر لفكرة المواجهة مع الأشقاء! لكن مصر استطاعت استيعاب المزايدات، ونزعت فتيل المواجهة مع السودان وإثيوبيا، وجاءت كلمات الرئيس السيسى إلى السودان وإثيوبيا غير متوقعة، فبينما كان التصعيد هو المطلوب، كان التفويت هو السياسة الأصوب، فلقد نفى الرئيس السيسى فكرة أن مصر ستخوض حربا ضد أشقائها، ولكن هذا لا يعنى التفريط فى الحقوق، بل ستظل مصر تطالب بحقوقها وتدفع للحفاظ عليها، لكن من دون ترجمة هذا لمواجهة مسلحة يتمناها البعض فى المنطقة وفى الخارج، وللمرة الثانية تفوت الفرصة على غرماء مصر من أجل إشعال فتيل أزمة يؤدى إلى مواجهة، لذلك ننظر إلى لقاء الرئيس السيسى بالرئيس السودانى فى القمة الإفريقية كإشارة لا تخطئها العين بأن مصر تسير على الطريق الصحيح! فلا مكان لجر مصر إلى حرب، ولا مكان لفتح باب فوضى فى المنطقة، ولا مكان لمنح الخارج، لاسيما أمريكا، فرصة لتعود مرة أخرى للعب دور فى سياسات المنطقة يخدم أجندات ضد مصالح المنطقة، وقد يرى البعض أن إثيوبيا تلعب دورا مشابها لدور مصر، فالوقت فى صالحها، بمعنى أن التأخير فى حسم ملفات المياه يجعل العمل يمضى قدما فى بناء سد النهضة!
الواقع أن ما تفعله مصر فى موضوع المياه يعتبر نموذجا يحترم دوليا فى عالم العلاقات الدولية، فمصر لم تعتدِ على أحد بل هى الطرف المعتدى عليه، ثم إن مصر لم تفرط فى حصتها ولن تفرط فى نقطة منها، وهذا ما أكده رئيس وزراء إثيوبيا (قبل استقالته) فى زيارته إلى القاهرة، كما أن مصر تفهم جيدا كيف تستعمل أدواتها الدبلوماسية وطرحت أكثر من مبادرة، كان آخرها تحكيم البنك الدولى، الذى يعتبر أكبر جهة تمويل مشروعات تنموية فى مختلف بلدان العالم، بمعنى آخر، مصر تعرف كيف تعالج الموضوع فنيا، ودبلوماسيا، دون أن يعنى ذلك تفريطها فى حقوقها، وعلى الرغم من أن الوقت فى صالح بناء السد، فإن الوقت ليس فى صالح تخزين المياه فيه، فبعد أن كانت السودان توشك أن تشعل معركة وهمية مع مصر بسبب شلاتين وحلايب، إذا برئيس السودان مع رئيس مصر يدا بيد فى مؤتمر القمة الإفريقى السنوى، لاحظ أيضا أن ملك السعودية سيقوم بجولة تشمل السودان وتونس! وكأن الرسالة من الرباعى العربى هى كيفية نزع فتيل التدخل التركى فى جنوب الصحراء، والذى يريد أن يكسب موطئ قدم فى البحر الأحمر، لكن هيهات! المهم أن نزع فتيل أزمة وراء أزمة من سياسات المنطقة، هو الذى يجعل مصر تتعرض لهجوم جون ماكين، وليس موضوع الرئاسة! فآخر ما يكترث به الأمريكان هو إذا كان المواطن المصرى ينعم بحقوقه أم لا، وكل ما يعنيهم إذا كان المواطن الإسرائيلى يبلطج فى المنطقة دون حساب، وأغلب الظن أن تحرك مصر فى ملف القدس، والذى وجه الإحراج لأمريكا فى مجلس الأمن، وأظهر عزلتها فى الجمعية العامة للأمم المتحدة، ثم احتضن أزهرها مؤتمرا لنصرة القدس، هو الدافع وراء بيان ماكين، وليس حرصه على مستقبل الديمقراطية فى مصر!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات