.

تحالف الوسطاء والمستبدين أنتج أزمة الخطاب الدينى!

Foto

هل تحتاج آيات القرآن إلى وسيط يشرحها لعامة الناس أم أنها واضحة بذاتها؟ ولماذا يعيش الوسطاء المحدثون عالة على ما أنتجه الوسطاء الأقدمون؟ وهل ينبغى أن نقول للناس كل ما يخص دينهم أم ننتقى ما نقوله ونحجب ما لا نريد؟


فى أحد البرامج الدينية كان الضيوف يتحدثون عن فتوى الإمام الشافعى التى تجيز للرجل أن يتزوج ابنته من الزنى، على قاعدة أن الحرام لا يحرم الحلال، قالت أستاذة فى جامعة الأزهر لزميلها ما معناه أنه لا يجوز أن نقول هذا للعامة لكى لا ينفتح باب المصائب، والفيديو موجود على موقع «يوتيوب» بعنوان: «الشافعى يجوز زواج الأب من ابنته». وفى فيديو آخر على الموقع نفسه بعنوان: «مدة حمل المرأة 4 سنوات»، يقول الدكتور علِى جمعة إنه ينبغى تصديق الشرع فى أن المرأة يمكن أن يمتد حملها إلى سنوات أربع، وأن الزوج الذى يتغيّب هذه المدة وتلد امرأته لا يجوز له أن يتهمها بالزنى.

 

وفى زاد المعاد لابن قيم الجوزية يقول: «وقد ذكر الزبير بن بكار: أن بعضهم قال: لا تلد لخمسين سنة إلا عربية، ولا تلد لستين إلا قرشية، وقال: إن هند بنت أبى عبيدة بن عبد الله بن ربيعة ولدت موسى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علِى بن أبى طالب، رضى الله عنهم، ولها ستون سنة»، ويذكر ذلك عادة فى معرض الحديث عن ولادة فاطمة بنت سيدنا النبى من زوجته خديجة أم المؤمنين، رضى الله عنها، بعد الستين، إن صحّت الرواية.

 

تلك نماذج ثلاثة لمواقف وآراء وفتاوى وحوادث لها علاقة بالتاريخ وبالفقه الإسلامى، كما نقرؤه فى كتب التراث التى نأخذ عنها ديننا الآن، يجمعها أن المنطق السليم السوى لا يقبلها، بل ويعافها لأنها ضد الأخلاق والتحضُّر، وقد استنكفها بعض المتخصصين بالفعل، وإن لم يلوموا قائليها أو يشككوا فى أقوالهم الأخرى! ومع ذلك تجد من يبررها ويطالبنا بأن نصدقها لمجرد أنها أتت فى تلك الكتب، مثل حالة علِى جمعة فى مدة الحمل، أو ابن القيم فى ولادة القرشية بعد الستين، أو تجد مَن يريد إغفالها كأنها لم توجد من الأصل حتى لا يفتح باب المصائب، مثل حالة ماء الزنى وزواج الأب من ابنته الذى جوزه الشافعى وآخرون، ويمكن أن نقيس عليها فتاوى إشكالية كثيرة مثل عدم تحريم الخمر صراحة، وتحريم زواج المتعة ثم إباحته ثم تحريمه، والداجن التى أكلت آيتَى الرضاع ورجم الزانى.. وغيرها كثير.

 

هؤلاء الوسطاء الذين يخفون بعض الحقيقة أو يبررون المعتل، ينتجون خطابًا دينيًّا انتقائيًّا مشوهًا -منذ القرن الأول الهجرى حتى الآن- يتوارثونه ويدرسونه على علّاته ويرددونه باستمرار ويريدون فرضه باعتباره صحيح الدين، وباعتبارهم الأعلم، فليس من حق آحاد الناس أن يناقشوا أو يستنتجوا من النص المقدس ما يرونه ملائمًا، فليسوا مؤهلين لذلك فى رأى الوسطاء الذين يحتكرون الحديث باسم الله، ويطلقون على خطابهم الانتقائى هذا مصطلح «المعلوم بالضرورة»، فيرمون كل مَن يناقشه أو يخالفه بالكفر، ويرهبونهم فى خطب الجمعة ودروس العشاء والبرامج الدينية فى الإذاعة والتليفزيون، وفى الكتب الصفراء التى تُباع على الأرصفة، ويلاحقونهم بفتاوى التكفير التى تثير بسطاء الناس، وقد يؤدّى الأمر إلى قتلهم كما حدث مع فرج فودة، أو بقضايا الحسبة التى تفرق بينهم وبين زوجاتهم كما حدث مع د.نصر حامد أبو زيد وزوجته، ما اضطره إلى الهجرة من مصر حتى مات، يرحمه الله، ومثل الهجمة التى طالت الباحث إسلام بحيرى مؤخرًا، لأنه يرفض خطاب الوسطاء، رغم أنه لا يرفض النص الدينى نفسه، فالوسطاء يعتبرون خطابهم الوسيط جزءًا أصيلاً من الدين!

 

وإذا كان وسطاء القرون الأولى قد أنتجوا ما يتصورون أنها أبحاث فقهية علمية، اجتهدوا فى جمع مادتها حسب ما توفر لهم، وحسب معطيات زمانهم وشكل العلاقات فيه -طبعًا مع اختلافى واختلاف كثيرين مع ما فيها من خرافات- فإن وسطاء اليوم يعيشون عالة على هذا الخطاب القديم، ولا يكلفون أنفسهم حتى عناء تطويره ليتلاءم مع المستجدات، ففى فتاواهم عن أمور لم تكن موجودة قديمًا يستدعون ابن تيمية والمقدسى وابن القيم وغيرهم، يلوون فتاواهم لتناسب الأمر، مثل فتاوى تحريم فوائد البنوك مثلاً التى يعتبرونها ربا، رغم أن الربا يكون بين محتاج لا يجد قوته وميسور لديه فائض، بينما المعاملات البنكية غالبًا تكون بين الميسورين والطامحين، والنتيجة أن المجتمع يدفع ثمن هذا «التراخى» المعرفى والركون إلى النقل، فيتعطّل تقدمه ويغرق فى متاهات لا لزوم لها. وهم لا يستدعون الكلام الذى كتبه الأقدمون فقط، بل يستدعون أشكالهم الخارجية: شكل الملبس والسواك والنعال.. إلخ.

 

وما يزيد الأمر سوءًا تلك التحالفات التى حدثت وتحدث بين الوسطاء والسلطات الحاكمة فى الدول العربية والإسلامية، من تحالف آل سعود مع الوهابيين إلى تحالف المستبدين مع السلفيين، كما حدث زمن أنور السادات وحسنى مبارك، وكما يحدث بعض منه الآن، فالحكام يتصورون أن هذا الخطاب التبريرى الوسيط يمكن -إذا عمل فى معية النظام- أن يجعل الناس تقبل الظلم ولا تثور عليه، والوسطاء يفعلون ذلك بالفعل مقابل بعض المميزات، ويمكن مراجعة الفتاوى التى لا تجيز الخروج على الحاكم وإن كان ظالمًا، فقد أفتى الشيخ عبد العزيز بن باز -على سبيل المثال فقط- بوجوب «طاعة ولاة الأمر فى المعروف؛ لأن بهذه الطاعة تستقيم أمور الأمة ويحصل الأمن والاستقرار ويأمن الناس من الفتنة.

وأوضح فضيلته أن المراد بولاة الأمر هم العلماء والأمراء والحكام وذوو السلطان. وأكد سماحته أن وجوب طاعتهم تكون فى المعروف وليس فى معصية الله عز وجل. وأوضح سماحته أن الحاكم الذى يأمر بالمعصية لا يطاع فى هذه المعصية دون أن يكون للرعية حق الخروج على الإمام بسبب ذلك».

 

ابن باز وغيره من الوسطاء الجدد يستندون فى فتاواهم تلك إلى الحديث الوارد فى صحيح مسلم عن النبى، صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «يكون بعدى أئمة لا يهتدون بهداى، ولا يستنون بسنتى، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين فى جثمان إنس، قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع للأمير وإن ضُرب ظهرك وأُخذ مالك فاسمع وأطع»، رغم أن هذا الحديث نفسه كتبه وسيط متحالف مع السلطان، يضع «العلماء» -بين قوسين- مع السلاطين فى مرتبة واحدة، ويحرم خروج العامة عليهم معًا حتى إن ظلموا ونهبوا وسلبوا، فالمعول فى الحكم عليهم ليس العدل وإنما إقامة الشعائر!

 

ما أريد أن أخلص إليه هو أن الخطاب الوسيط بين النص ومتلقيه، الذى نطلق عليه اسم «الخطاب الدينى»، هو الآفة الكبرى التى نواجهها فى العصر الحديث، لأنه خطاب تبريرى من جهة، ومتشدد متجمد لا إبداع فيه من جهة أخرى، يفترض أن الناس أغبياء لا ينبغى لهم أن يعرفوا كل شىء، وهو يقوم على النقل وكسر عنق الواقع ليتماشى مع الفتاوى القديمة وليس تطويع تلك الفتاوى وتطويرها لتناسب المستجدات، وهو المسؤول الأول عن الإرهاب الذى يقتل الناس ويفجر المنشآت العامة باسم الدين، لأنه لم يقل للناس إن مقاومة المنكر باليد -على سبيل المثال- كانت تصلح لمجتمع صحراوى قليل السكان، ولا تصلح الآن فى مجتمع حديث فيه وسائل مواصلات واتصالات حديثة، نشأت فيه حكومات تستطيع التدخل بسرعة وَفق قوانين تم وضعها لتنظيم المجتمع وضبط العلاقات بين أفرده.

 

كما أن الوسطاء -الذين وضعوا أنفسهم والسلاطين فى مرتبة واحدة ومنعوا الناس من محاسبتهم والخروج عليهم- ينتقون ما يوافق هواهم من المادة الواسعة الواردة فى كتب التراث، فيتشددون حين يريدون وَفق فتاوى يحفظونها، ويتهاونون مرات أخرى وَفق فتاوى أخرى، ولا يبيحون لأحد أن يسألهم عن التفاوت والتناقض والشجار الذى ينشأ بينهم، لأننا فى ظنّهم جهلاء لا يجب أن نتحدث فى ما نجهل، ولأنهم يحتكرون تفسير كلام الله دون غيرهم، وسنة رسوله، ولأنهم إرهابيون: يجزون الرؤوس ويمثلون بالجثث ويفجرون العربات المفخخة عن بُعد ويفرقون بين المرء وزوجه ويستخدمون كلام الله بغير معانيه.. هذه السلسلة الممتدة من الوسطاء التى تبدأ قبل ابن تيمية، ولن تنتهى بعد أبى بكر البغدادى.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات