.

جيفارا أحمد خالد توفيق

Foto

كيف تم ترجمة حياة جيفارا فى أكثر من 600 كادر مرسوم بدقة وبراعة؟ وما سر تعلق د.أحمد خالد توفيق بسيرة المناضل الأرجنتينى؟ كيف كانت قصة حب فاشلة سببًا فى تغيير نظرة جيفارا للعالم؟ وكيف أدَّت لاحقًا إلى أن يصبح «أيقونة» الثورة فى الكرة الأرضية؟ هل كان جيفارا عنصريًّا فى شبابه؟ وهل ذهب للقتال فى الكونغو ليكفِّر عن نظرته الخاطئة إلى السود؟


سيرة الثائر الأرجنتينى «الكونى» الأشهر تشى جيفار، فى قصة مصورة طويلة «كوميكس»، بترجمة (ذواقة الترجمات الممتعة المخضرم) الكاتب العربى الشهير د.أحمد خالد توفيق، ورسومات الفنان الأمريكى البارز سبين رودريجرز، الأمر يستحق القراءة باهتمام بكل تأكيد، فكيف كانت النتيجة؟

 

نحن بكل تأكيد أمام عمل استثنائى ممتع، ذلك أن «تشى جيفارا» -الصادرة فى ترجمة عربية أولى عن دار الشروق فى معرض القاهرة الدولى للكتاب فى يوبيله الذهبى- لا تتبع سيرة جيفارا بشكل تقليدى فى السرد، وإنما تعمد إلى رواية جانب من نضال أيقونة الثورة فى العالم، وقبس من حياته الشخصية التى لم تقل مغامرة وثورية، عبر رسومات متقنة تنبض بالحياة وسيناريو مشدود يتابعه القارئ بشغف رغم أنه فى الأغلب يعرف يقينًا أنه كلما اقترب من الصحفات الأخيرة باتت نهاية جيفارا وشيكة.

 

فى العموم، يبدو أن هناك ولعًا من د.أحمد خالد توفيق، بتشى جيفارا، إذ إن هذا هو العمل الثالث الذى يقترن فيه اسم كاتبنا الكبير باسم «الثورجى» الأهم فى القرن العشرين، فقد أصدر د.أحمد خالد توفيق، من قبل عامى 2008 و2009، روايتَى «تشى» و«الحالم الأخير» فى سلسلة فانتازيا، وتتبع فيهما روائيًّا سيرة جيفارا، ثم أقبل على ترجمة السيرة المصورة لجيفارا عام 2010، أى فى العام التالى مباشرة لصدور الجزء الثانى من الرواية التى كتبها عنه، وللمفارقة فإن كل ذلك جرى قبل عام واحد فقط من اندلاع ثورة يناير عام 2011، وكأنه -كعادته- كان يُبشر بأمر ما قادم.
 

استغرق الأمر تسع سنوات كاملة لتصدر الرواية عن دار الشروق مؤخرًا، لكن الأكيد أن د.أحمد خالد توفيق، لم يكن فقط مولعًا بتشى جيفارا، وإنما أيضًا كان مواكبًا لحركة الأدب العالمية، وبخاصة فى ما يتعلق بـ«كوميكس الكبار»، إذ إن الطبعة الأولى من سيرة تشى جيفارا المصورة صدرت بـ«الإنجليزية» فى بريطانيا وأمريكا عام 2008، أى أنه أنجز ترجمتها بعد عامين فقط من صدورها فى بلدها الأم.
تضم الرواية المصورة أكثر من 600 كادر رسمها بإتقان مذهل الفنان سبين رودريجز، الذى وصفه رسام كوميكس شهير آخر هو جون ساكو، بأنه «واحد من أعظم فنانى الكوميكس على الإطلاق».

 

وتتجلى براعة رودريجرز فى تلك الكادرات المتعلقة بالاشتباكات وحروب العصابات التى خاضها جيفارا فى كوبا والكونغو وبوليفيا، أو خلال أزمة «خليج الخنازير» الشهيرة التى حاولت فيها الولايات المتحدة غزو كوبا وتغيير نظام كاسترو بالقوة عام 1961، لكن ذلك باء بالفشل.
 

يظهر فى الأحداث المصورة الرئيس جمال عبد الناصر، خلال الزيارة الشهيرة التى قام بها جيفارا إلى مصر، وفى هذا الكادر الوحيد الذى جمعهما معًا، يظهر عبد الناصر ناصحًا بضرورة الاعتماد على الاتحاد السوفييتى، للحصول على دعم لمواجهة الحصار الأمريكى، ويظهر جيفارا مستمعًا باهتمام إلى نصائح الزعيم المصرى، بل وسيطبق نصيحته هذه لاحقًا، وإن سيقول فى ما بعد لأقرانه إنه «لا يجب على أية أمة أن تعتمد على أمة أخرى فى سبيل حريتها». كما سيقول للعالم كله ناصحًا ومبشرًا: «أعتقد أن الثورة يمكن خلقها فى أى بلد على يد طليعة تتحلَّى بالإرادة».
 

لا تقدم «تشى» جيفارا باعتباره شخصية ملائكية لا تخطئ، بل إن الرواية المصورة المكتوبة بروح محبة واضحة لجيفارا وللماركسية والاشتراكية التى اعتنقها، أشارت بوضوح إلى مسؤوليته عن الأزمة الاقتصادية التى ألمَّت بكوبا عام 1964، وأوضحت كم كان حالمًا حينما ذهب إلى أدغال الكونغو متوقعًا انتصارًا للثورة فى بلد غريب، ليكتشف هناك أن ذلك أمر صعب المنال، لكن ربما كان الحلم هو طابع الثوار بطبيعة الحال. ولا تعد هذه «نقيضة» يمكن الإشارة إليها فى مسيرة جيفارا.
 

الرواية أيضًا فى جزئها الأول أشارت إلى رحلة جيفارا الشهيرة على متن دراجة بخارية برفقة صديقه حول العديد من دول أمريكا اللاتينية، وكيف أن هذه الرحلة التى أصدر عنها جيفارا كتابًا ملهمًا بعنوان «يوميات الدراجة البخارية»، جعلته صاحب أفق متسع لا يقف عند حدود وطنه، بل حولته تدريجيًّا إلى «مواطن كونى» يشعر بآلالام البشر مهما كانت بينهم المسافات، لكن الرواية تلمح أيضًا إلى أن جيفارا حينما كان فى رحلته هذه كان له آراء -بمقاييس عصرنا هذا- عنصرية، إذ إنه عندما حل فى كراكاس، عاصمة فنزويلا، رأى فى الشوارع تعاملات الوافدين الأفارقة والبرتغاليين، فكتب يقول: «الأسود كسول حالم. يبدد راتبه الضئيل على الطيش والشراب. بينما الأوروبى اعتاد العمل والادخار وهذا يجعله يتقدم ويتفوق»، هل كان «نضج» جيفارا الذى جاء ممتزجًا بنضال حقيقى وحروب عصابات عنيفة، هو الذى جعله يشد الرحال إلى الكونغو مقاتلًا وساعيًا لأن ينتصر لأهل القارة أصحاب اللون الأسود على الديكتاتورية المدعومة من الرجال البيض الأوروبيين؟ هل كان نضجًا حقًّا أم شعورًا بالذنب أم الاثنين معًا؟
 

الأكيد أن الإنسان يتغير عبر امتداد حياته حتى لو كانت حياة تقليدية روتينية، فما بالنا بحياة صاخبة ثورية مجنونة مغامرة كتلك التى عاشها جيفارا؟!
 

فى الرواية، يقع جيفارا فى حب ثلاث فتيات، الأولى هى «شيشينا» الأرجنتينية ابنة الأسرة الأرستقراطية التى عرفها وهو يدرس الطب، لكن شيشينا ستعطى جيفارا أول صفعة قاسية فى هذا العالم عندما تبتعد عنه مجبرة لأسباب طبقية. وفى سبيله لأن يتعافى من أزمته العاطفية العاصفة تلك، يجد جيفارا نفسه مندفعًا وراء نصيحة صديقه ألبرتو جراندو، بأنه لا سبيل لشىء يمكن فعله الآن سوى أن يستقلا دراجة بخارية وينطلقا فى صحارى أمريكا الجنوبية، لاكتشاف العالم القريب منهما. وفى هذا مفارقة عجيبة، إذ إن هذه الرحلة هى التى شكلت وعى جيفارا الحقيقى، وكانت العنصر الأساسى المكون لشخصيته «الكونية» المتطلعة إلى تغيير العالم بـ«القوة»، ورفع الظلم عن الضعفاء، أى أنه لولا أن هجرت شيشينا جيفارا، لربما لم تكن هناك أسطورة ثورية اسمها «تشى» بالأساس، ولربما تعثرت الثورة الكوبية، ولربما تغير وجه العالم بأسره. قصة حب فاشلة إذن صنعت تاريخًا مغايرًا.
 

لم يكن هذا هو الدور المؤثر للمرأة فى حياة جيفارا فحسب.
 

«هيلدا جاديا» البيروفية المناضلة ضد الديكتاتورية فى بلادها، تعرفت عليه حينما كان يعمل طبيبًا فى المكسيك، وتزوجا، وأنجبا ابنتهما «هيلداتا»، ثم كانت هى تبعًا لعلاقاتها مع القوى المقاومة للديكتاتورية فى أمريكا اللاتينية، حلقة الوصل بين جيفارا وراؤول كاسترو، الذى كان (العامل المساعد) فى تغيير تاريخ العالم، عندما عرَّف جيفارا على شقيقه فيدل كاسترو.
 

تغيَّر عالم جيفارا تمامًا بمعرفته كاسترو، أمسك السلاح لأول مرة، وانضم إلى صفوف المقاتلين الكوبيين ضد الديكتاتورية، ثم أصبح قائدًا عسكريًّا، وفعل كل ذلك بدعم من هيلدا، التى كانت فى ما يبدو متصالحة مع نفسها، لدرجة أنها وافقت على طلاق متحضر من جيفارا، حتى يتزوج من رفيقته الثالثة «أليدا مارش» التى أحبها وسط أصوات الرصاص وأزيز الطائرات، والتى أنجب منها أربعة أبناء، ودَّعهم جميعًا متنكرًا فى هيئة رجل أعمال فى أكتوبر 1966، قبل أن يرحل إلى محطته الأخيرة.. بوليفيا، وهناك انكشف أمره، بفعل الخيانة ربما، وبفعل الإنهاك من طول القتال ربما، أو لتحالف قوى الديكتاتورية والولايات المتحدة من أجل اصطياده، أو لكل ما سبق.
 

وفى الثامن من أكتوبر عام 1967، سقط جريحًا مصابًا بين يدَى قوات الجيش البوليفى، وعندما دخل عليه رجل لتنفيذ حكم الإعدام بالرصاص واجهه جيفارا بشجاعة، قائلًا: «أطلق الرصاص أيها الجبان.. كل ما فى الأمر أنك تقتل رجلًا».
 

هكذا تنقل رواية «تشى» قارئها إلى عالم سحرى، تبدو فيه الثورة نشاطًا يوميًّا، والحب فعلًا إجباريًّا يفرض نفسه على القلوب وسط الرصاص المتطاير والصواريخ المتأهبة، عالم تختلط فيه المثالية مع التهور مع الأحلام الكبرى والانكسارات العظمى، عالم يليق جدًّا ببطل صارت صورته أيقونة لكل فعل متمرد، لما لا وقد حارب وقاتل وناضل وأحب ومات وعمره 39 عامًا فقط، وقد ظل يعانى منذ الصغر نوبات الربو المنهكة، وظل يقاومها بلعب كرة القدم وحمل السلاح ومواجهة الشر وقلب يتسع لكل ضعفاء العالم، ليظفر بلقبه الأسطورى «تشى» وهى لفظة بالإسبانية تعنى «الفتى»، واختار د.أحمد خالد توفيق بفطنته وبراعته المعتادة أن يترجمها إلى لفظة «الجدع»، وكأن رسالته التى أراد نقلها عبر ترجمته لهذا العمل البديع، أنه قد يموت الجدع، لكن -أبدًا- سيرته لا تموت.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات