.

أس الداء الذى قامت من أجله ثورة يوليو

Foto

لماذا يحاول كثير من الكتاب تشويه ثورة يوليو بخلق صورة وردية عن ما قبلها؟ كيف يشرح محمد مندور فى كتابه الأوضاع السياسية والاجتماعية فى مصر والوطن العربى؟ لماذا لم تختلف أسباب وأهداف وأساليب ونتائج الاستعمار حتى الآن؟


تحولت ذكرى قيام ثورة 23 يوليو منذ منتصف سبعينيات القرن الماضى، من مناسبة للاحتفال بالحدث الأبرز فى تاريخنا المعاصر، إلى منافسة فى تشويه الثورة وإهالة التراب على جمال عبد الناصر. ولم يكن هذا التحول وليد قراءة نقدية للثورة أو مراجعة فكرية لسياسات قائدها بقدر ما كان نتيجة لصعود ممثل تحالف اجتماعى معادٍ للتوجهات الناصرية إلى سدة الحكم، وسعى هذا التحالف إلى نزع الشرعية الأخلاقية لهذه التوجهات لتبرير تبنى سياسات اجتماعية- اقتصادية معادية لمصالح غالبية الطبقة الوسطى والفئات الشعبية وسياسات خارجية وإقليمية تابعة للولايات المتحدة ومتصالحة مع الصهيونية.

واُتبعت لتشويه 23 يوليو، أكثر من استراتيجية، من أهمها محاولة نزع صفة الثورة عنها وتصويرها على أنها انقلاب، بحجة أن من قام بها هو الجيش، مستشهدين بأن الثورة فى أيامها الأولى كان يتم الإشارة إليها بالحركة المباركة وليس بالثورة، وهى حجة واهية قائمة على مغالطة تاريخية يتم فيها الخلط بين تنظيم الضباط الأحرار كحركة تضم صغار الضباط من أصحاب الخلفيات الاجتماعية المختلفة، والجيش كمؤسسة رسمية كانت تشكل -نظريًّا- الأداة القمعية للملك، وتُقاد بواسطة كبار الضباط من ذوى الخلفية الأرستقراطية أو من المنتمين إلى الشريحة العليا من الطبقة الوسطى. ويشكل قيام الضباط الأحرار باقتحام مقر القيادة العامة للجيش وإلقاء القبض على قيادات الجيش، واضطرارهم للاستعانة بمحمد نجيب كواجهة -وهو ما استخدم فى ما بعد فى محاولات التقليل من دور عبد الناصر فى الثورة- دليلا واضحًا على حجم هذه المغالطة، وتقوم هذه الحجة كذلك على خطأ منهجى، من وجهة نظر الكاتب، وهو إصرار البعض بناءً على خبرة الثورتين الفرنسية والبلشفية، على حصر مفهوم الثورة فى التغيير الاجتماعى- السياسى الناتج عن تحركات جماهيرية، وهى رؤية لا تأخذ فى الاعتبار الاختلافات المجتمعية والتاريخية بين فرنسا فى القرن الثامن عشر، وروسيا القيصرية من جانب، ومصر، وغيرها من الدول المحتلة والمستعمرات فى النصف الثانى من القرن العشرين، من جانب آخر، كما أنها لا تركز على جوهر العملية الثورية وهو التغيير الاجتماعى- السياسى التقدمى، والذى لا يمكن لأى منصف إنكار حدوثه فى مصر نتيجة لثورة يوليو. ومن المفارقة أن بعض المنتسبين للماركسية اليوم يلعبون دورًا كبيرًا فى الترويج لهذا التعريف الضيق للثورة، ولوصف يوليو بالانقلاب، على الرغم من أن التنظيمات الماركسية السابقة على يوليو كانت تجتهد لتجنيد صغار الضباط فى صفوفها واحتفاء الماركسيين المصريين وغيرهم من الماركسيين العرب بالاستيلاء أو بمحاولات الاستيلاء على السلطة من قبل عسكريين ماركسيين فى دول أخرى؛ مثل محاولة هاشم العطا فى السودان.
ومن أهم الأساليب الأخرى المستخدمة لنزع صفة الثورة عن يوليو، ووصفها بالانقلاب، هو نفى ضرورتها من خلال اختلاق صورة وردية عن مجتمع ما قبل يوليو، عبر إخراج الاحتلال الإنجليزى والظلم الاجتماعى من تلك الصورة، فالكثيرون من الليبراليين اليوم، بل وبعض الماركسيين، يتجاهلون عن عمد، الاحتلال واستبداد القصر وامتيازات الأجانب والظلم الطبقى والتزوير الممنهج للانتخابات البرلمانية، وإغلاق الصحف، وسجن الكُتاب المعارضين وحظر قيام أحزاب يسارية وحرمان النساء المصريات من المشاركة السياسية من أجل تصوير مجتمع ما قبل يوليو على أنه فردوس الحريات والتنوع المفقود حتى يبرروا وصفهم لـ23 يوليو بالانقلاب، غير عابئين بما يمكن أن يترتب على صبيانيتهم تلك من إنتاج وترسيخ لوعى مزيف بالتاريخ السياسى والاجتماعى لمصر لدى الأجيال الشابة بكل ما يحمله ذلك من مخاطر سياسية آنية ومستقبلية. وإذا كان هذا الأسلوب هشًّا من الناحية النظرية، حيث تتناقض هذه الصورة المختلقة مع الواقع السياسى والاجتماعى الذى تعكسه الكثير من الوثائق الخاصة بهذه المرحلة التاريخية، فإنه فعال؛ نظرًا لاتساع المسافة الزمنية الفاصلة بين ثورة يوليو، والحاضر، حيث إن أغلبية المواطنين المصريين اليوم لم يعاصروا مرحلة الثورة، وبالطبع، لا يملكون أية ذكريات عن مرحلة الاحتلال والمَلكية، ومعظم المعلومات عن المرحلتين التى تحصل عليها، تأتى عبر وسائل إعلامية تخضع لمصالح مالية مصرية وسعودية معارضة لكل ما دعت إليه الثورة ويرمز له جمال عبد الناصر؛ لذلك ليس من المستغرب أن تعمل على نشر هذه الرؤية المختلقة عن مرحلة الاحتلال والملكية، خصوصًا من خلال إنتاج وإذاعة أعمال درامية مليئة بالمغالطات التاريخية التى لا يستطيع المشاهد كشفها وتفنيدها بسهولة، حيث لا تتاح له مصادر أخرى عن تلك المرحلة.
من هنا تنبع أهمية كتاب «صفحات من تاريخ مصر المعاصرة» الصادر عن دار المستقبل العربى، منذ ما يزيد على عشرين عامًا. ويضم الكتاب عشرات المقالات لمحمد مندور، نشرها فى الصحف المصرية بين عامى 1941 و1948، وترجع أهمية هذا الكتاب إلى أن هذه المقالات تعد وثائق تاريخية تعكس الأوضاع السياسية والاجتماعية فى مصر خصوصا، والوطن العربى عامة، وجانبا من النقاشات الدائرة حولها فى العقد السابق مباشرة على قيام الثورة، بعد أن صار واضحا أن المشروع الليبرالى -بشقيه السياسى والفكرى- الذى قام فى أعقاب ثورة 1919 قد أوشك، إن لم يكن قد وصل بالفعل إلى طريق مسدود نتيجة فشل الأحزاب المصرية، بما فيها الوفد، فى تحقيق الجلاء أو فى وضع حد لاستبداد الملك أو الظلم الاجتماعى، وهو ما انعكس فى انجذاب الكثير من شباب الطبقة الوسطى إلى حركات سياسية غير ليبرالية؛ مثل الإخوان المسلمين والتنظيمات الشيوعية ومصر الفتاة. والمصدر الثانى لأهمية هذه المقالات الوثائق هو أنها بقلم محمد مندور، أحد أهم الأصوات النقدية، سواء الأدبية أو الاجتماعية، فى تلك الفترة. وإذا كان مندور الناقد الأدبى قد حصل على بعض الاهتمام الذى يستحقه، فإن مندور الناقد الاجتماعى والكاتب السياسى قد طواه النسيان حتى فى وقتنا الحاضر المفعم بالحنين إلى الفردوس المزعوم. ولعل السر فى ذلك هو أن محمد مندور، وعلى العكس من الكثير من الليبراليين المعاصرين الذين يعطون الأولوية لحرية رؤوس الأموال والحرية الفردية على ما عداهما، لم يكن يرى للأخيرة معنى فى غياب الاستقلال الوطنى، وكان يطالب بوضع قيود على الأولى، بل وبتدخل الدولة فى المجالات الاقتصادية والاجتماعية، وأيضا الثقافية، وهو فى نقده واقتراحاته كان يتجاوز المشاريع الإصلاحية لبعض المجموعات النخبوية، كجماعة النهضة القومية أو حتى القيادات الوفدية، والتى كانت تخشى من نتائج كتاباته، كما نقل له مصطفى النحاس الذى كان يحظى بتقدير مندور. بعبارة أخرى، إن مقالات مندور تفضح زيف ادّعاءات الليبراليين اليوم عن مرحلة الاحتلال والملكية وعدم ضرورة الثورة، وهى فى ذلك أشبه بكتاب «المعذبون فى الأرض» لطه حسين، والذى يشكل وثيقة إدانة أخرى لهذا العصر؛ ولعل ذلك ما يدفع الليبراليين إلى تجاهل الإشارة إلى هذا النص، على الرغم من احتفائهم بكتابات أخرى لعميد الأدب العربى، والذى كان من أول من تبنوا موهبة محمد مندور.
ويعد الاستعمار وأهدافه وأساليبه ونتائجه، الموضوع الرئيسى لهذه المقالات، حيث اعتبره مندور «أس الداء» الذى تعانى منه مصر وباقى العرب. ووفقًا لمندور، فإن هدف الاستعمار، سواءً قواه القديمة أو الولايات المتحدة، القوة الاستعمارية الجديدة الصاعدة فى ذلك الوقت، هو فى الجوهر هدف اقتصادى وليس عسكريا. ويناقش مندور فى أكثر من مقال موضوع الديون الإنجليزية لمصر والقيود التى يفرضها الاحتلال على الاقتصاد المصرى للتدليل على ذلك. والديون الإنجليزية، أحد أهم الموضوعات التى أثارها أعداء يوليو، لإيهام الرأى العام فى مصر بقوة الاقتصاد المصرى فى مرحلة الاحتلال والملكية، وتأثير الثورة السلبى فيه، ولكن القارئ لمقالات مندور سرعان ما يتضح له زيف هذا الادّعاء، فهذه الديون لم تكن نتيجة لتفوق الاقتصاد المصرى على نظيره الإنجليزى، وإنما نتيجة لسيطرة الإنجليز على البنك الأهلى الذى كان فى ذلك الوقت بمثابة البنك المركزى، وقد جعلت سيطرة الإنجليز على البنك منه حصنًا للاستعباد فى رأى مندور، ومكنتهم منذ 1916، من إصدار ما يرغبون فيه من كميات من العملة المصرية، لشراء ما تحتاجه قواتهم فى مصر من منتجات مقابل سندات تصدرها الخزانة البريطانية. ويضج مندور بالشكوى لفشل الحكومات المصرية فى منع الإنجليز من القيام بذلك، أو فى إجبارهم على سداد ديونهم، ويوجه نقدا لاذعا لحكومة محمود النقراشى لعقدها اتفاقا مع الإنجليز قضى بتجميد هذه الديون، ولإدراكه بعدم جدوى المفاوضات لإجبار الإنجليز على تسديد ديونهم؛ فقد طالب مندور، دون طائل، الحكومة المصرية بمصادرة الأملاك الإنجليزية فى مصر، وهو ما قام به جمال عبد الناصر فى أعقاب العدوان الثلاثى.
ولا يملك القارئ لتحليل مندور للأساليب التى كانت تستخدمها القوى الاستعمارية فى الأربعينيات من القرن الماضى للحفاظ على مواقعها فى مصر وغيرها من الدول العربية، إلا أن يلاحظ التشابه بينها وبين ما تقوم به الولايات المتحدة اليوم، خصوصًا فى ما يتعلق بخلق أعداء وهميين للعرب -الاتحاد السوفييتى فى الأربعينيات، وإيران اليوم- أو تأليب العرب ضد بعضهم بعضًا -فى الماضى حاكم ضد آخر، واليوم بمساندة بعض الحكام من خلال نشر الفتنة المذهبية- لصرف نظرهم عن أعدائهم الحقيقيين: الاستعمار والصهيونية، ولخلق شعور بعدم الأمان لدى العرب يدفعهم للقبول بالدخول فى أحلاف عسكرية غربية القيادة، وإقامة قواعد عسكرية غربية فى أراضيهم. ويطالب مندور فى مقالاته العرب بعدم الدخول فى أية اتفاقيات جديدة، بل وبإلغاء القائم منها؛ مثل اتفاقية 1936، لما تضعه من قيود على سيادتهم، وهى قيود شبيهة بالتى تفرضها الاتفاقيات التى وقعتها كل من مصر والأردن مع الكيان الصهيونى على سيادتيهما. ويحذر مندور من أن دعوات الشراكة التى يوجهها الإنجليز للعرب -كما هى الدعوات الأمريكية اليوم- هى محاولات لترسيخ سيطرتهم. ومن الملفت أن مندور يشدد على الروابط بين نضال الشعوب فى مختلف الدول العربية ووحدة مصالح ومصائر العرب، فيحتفى بتمكن الجماهير فى العراق من إسقاط مشروع معاهدة عسكرية مع الإنجليز، ويحذر من مغبة اتفاقية شبيهة وقعها حكام الأردن على مصالح العرب، وهو ما يدل على أن التوجهات العروبية لعبد الناصر وسياسة مقاومة الأحلاف التى انتهجها، لم تكن وليدة طموحات شخصية كما يروج البعض، وإنما تعبير عن رؤية سياسية كانت قد بدأت فى التبلور قبل الثورة، وإن كانت غير متبناة من الطبقة السياسية فى ذلك الوقت.
ويدحض تناول مندور لجوانب من الأوضاع الاجتماعية والحياة الحزبية فى مصر الصورة المختلقة عن مرحلة الاحتلال والملكية، خصوصًا فى ما يتعلق بالحريات وفى مقدمتها حرية الصحافة، ويعد اهتمام مندور بالأخيرة أمرًا مفهوما، حيث عانى من الحبس الاحتياطى بسبب كتاباته ما يقرب من العشرين مرة. ولا يتسع المجال هنا لعرض كل الموضوعات المتعلقة بالحريات التى أثارها مندور، ولكن تجدر الإشارة إلى نقده لمجلس الشيوخ لرفضه تعديل أحد القوانين لتوفير بعض الضمانات للمتهمين، وهذه الضمانات كانت ضرورية رغم محدوديتها، حيث أصبح البوليس السياسى هو الذى يوجه التحقيقات، بل يضلل النيابة فى أغلب الأحيان؛ لظنه العجيب بأن وظيفته الأولى هى إرضاء الحكومات القائمة بمحاولة التنكيل بخصومها. والمفاجأة أن بين المصوِّتين ضد الضمانات المقترحة رمزين من أكبر رموز الليبرالية المصرية: لطفى السيد ومحمد حسين هيكل، ويتهم مندور الأخير باستغلال رئاسته لمجلس الشيوخ لإجهاض هذه التعديلات، كما يتهمه فى مقال آخر بالانحياز لمصالح الأقلية الغنية على حساب أغلبية الشعب من الفقراء، وهو ما كان ينطبق على معظم السياسيين من «بشوات الشركات والإقطاعيات» فى ذلك الوقت على اختلاف أحزابهم والذين أدت سياساتهم إلى «تحكم أقلية من المصريين فى حياة وأرزاق جمهرة الشعب العظمى» فى بلد كان، وفقًا لمندور، مهددا بالمجاعة. ومن الأمثلة على هذه السياسات المنحازة للأغنياء التى يوردها مندور فى هذه المقالات، تخفيض ضريبة الأرباح الاستثنائية ثم إلغاؤها بعد انتهاء الحرب نتيجة ضغوط رجال الأعمال، بينما تم الاحتفاظ بالضرائب غير المباشرة والرسوم التى كانت فرضت على «بؤساء الشعب» فى أثناء الحرب، كذلك يناقش مندور محاولة إصدار قانون يتيح لمُلاك العقارات طرد السكان متى أرادوا، وهى كلها أمور مسكوت عنها فى الصورة المختلقة عن هذه المرحلة.
قد يدفع التشابه الشديد بين الوضع ما قبل ثورة يوليو وأوضاعنا اليوم، القارئ إلى الاعتقاد بأن الثورة كانت حدثا عابرا محدود التأثير، وهو تصور خاطئ لا يأخذ فى الاعتبار ثمار الثورة فى مصر والوطن العربى خلال ثمانى عشرة سنة هى كل عمرها فى الحكم، خصوصًا فى ما يتعلق بمقاومة الاستعمار وتحقيق العدالة الاجتماعية، والتى لا يتسع المجال لتناولها هنا. أما التشابه الذى سيلحظه القارئ فهو نتاج السياسات التى يتبعها التحالف الاجتماعى الحاكم منذ منتصف سبعينيات القرن الماضى، والتى تمثل انقلابا على توجهات الثورة، وهو ما يجعل إحدى صرخات مندور ملائمة لنا اليوم كما كانت فى الأمس: «جبان نذل أى مصرى أو عربى يجرؤ بعد اليوم أن يرفع صوتا بل أن يهمس بصوت يدعو إلى محالفة هؤلاء الاستعماريين أو صداقتهم... اليقظة! اليقظة! أيتها الشعوب! وإلا فالاستعباد والجوع لك بالمرصاد».

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات