.

الإخوان يجددون الإسلام فى مكتبة الأسرة!

Foto

لماذا تروج هيئة الكتاب لكتاب عن الإخوان؟ لماذا تصدر مكتبة الأسرة كتابًا يعادى مفهوم الدولة الوطنية ويصف المثقفين بالتغريب ويبدأ تاريخ التجديد الدينى بإنشاء جماعة الإخوان الإرهابية؟


قد تكون العبثية والفوضوية والتناقض بوصفها النتاج الطبيعى للعشوائية والفهلوة وغياب الإتقان من المعالم الطبيعية للحياة فى مصر فى نظر كثير من المصريين، لكن قد لا تتجه أسوأ الظنون وفى أسوأ الظروف أيضًا إلى أنه يمكن أن يحدث بعد أقل من خمسة أعوام على ثورة شعبية عارمة ضد الإخوان أن تقوم الدولة المصرية بالإنفاق من أموال دافعى الضرائب على طباعة كتب تروج لجماعة الإخوان، كتب لا يمكن وصفها بأقل من الدعائية والتهافت والتفانى فى خدمة أفكار الجماعة، وتاريخ الجماعة، ورموز الجماعة، وإصدارات الجماعة، كتب تتخذ من الموضوع -أى موضوع- مناسبة لتكريس دينى وسياسى وتدشين عملى ورمزى لجماعة الإخوان المسلمين الإرهابية بعد أن تلطخت أيدى أعضائها بدماء المصريين، وتلطخت عقول وقلوب أنصارها بدعم الإرهاب والإرهابيين. ليس هذا فقط بل إنها كتب تطمع إلى تقديم الجماعة لقارئها على أنها الصوت الإسلامى الشرعى المعبر عن التجديد الدينى! وهذا كله وأكثر منه بكثير -ولو كان صعب التصديق حقًّا- ينطبق على كتاب «تجديد الخطاب الإسلامى»، وهو من باكورة إصدارات مكتبة الأسرة لسنة 2017!

وليس الغريب فقط أن تبدأ مكتبة الأسرة لسنة 2017 إصداراتها بهذا الكتاب الذى سيشرك «المقال» القارئ فى بعض أفكاره الغريبة الصادمة، ولكن الغريب أكثر أن تأتى مقدمته بقلم د.«فوزى فهمى» رئيس اللجنة العليا لمشروع القراءة للجميع «مكتبة الأسرة» خالية من كلمة واحدة عن أى دور للمشروع -وللثقافة بعامة- فى مواجهة الإرهاب، فى تجاهل ملغز غير مفهوم للظرف القاتم الذى يمر به المجتمع المصرى حاليًّا، ويفرض عليه مواجهة يومية دموية مسلحة مع الإرهاب، وكأن التواطؤ على استبعاد الثقافة من معركة مواجهة الإرهاب أصبح خيارًا مشتركًا بين رموز الدولة ورموز المؤسسة الثقافية معًا، ولا شك أنه أمر محزن للغاية، فنحن لا يمكننا التعويل على حسم عسكرى فى مواجهة الإرهاب، وكم من معارك ضد جماعات إرهابية حسمت لصالح الأمن فى الخمسين عامًا الماضية، دون أن يؤدى ذلك إلى حسم قضية الإرهاب، فما دامت الذهنية الأصولية المنتجة له فاعلة وسائدة ومهيمنة على العقل المصرى ستظل رحى المواجهات العسكرية تدور فى حلقات تلو حلقات، وكلها مفرغة ومكررة للأسف.
على كل حال نبدأ من مقدمة كتاب الصدمة «تجديد الخطاب الإسلامى» الصادر عن مكتبة الأسرة 2017 من تأليف د.محمد يونس، والذى يكتشف قارئه منذ المقدمة أنه إما كُتب قبل وقوع ثورة يونيو 2013 أو أنه يتجاهل ذكرها عامدًا باعتبارها من وجهة النظر الإخوانية -والمجددة حسب الكتاب- انقلابًا على نظام الحكم الإسلامى، يقول المؤلف عن تجديد الخطاب الدينى فى أعقاب ثورة 25 يناير «ص11»: «إنه يقوم على إرهاصات لخطاب إسلامى نشأت من أرض الواقع، من أفواه الجماهير المسلمة متزامنًا مع الربيع العربى وثورات 2011 وبإرادتها وليس مفروضًا عليها أو مطلوبًا منها كما حدث فى أعقاب أحداث الحادى عشر من سبتمبر، ففى الربيع العربى كانت الجماعات والتيارات والحركات الإسلامية فى صدارة المشهد السياسى والمجتمعى والإعلامى، فجاء خطابها من قلب الحدث، ومتخففًا من الظروف السابقة التى فرضت عليها الحظر والتقييد والمطاردات الأمنية..». والمقدمة والكتاب يدينان بقوة كل خطوات وأفكار الإصلاح الدينى من خارج معسكر الجماعات والتيارات والحركات التى يصفها بالإسلامية، إذ يرى أنها «أمركة» للخطاب الدينى للمسلمين وأنها تأتى تنفيذًا لخطط ودعوات أمريكية ومرهونة باستمرار المعونات الأمريكية، وصولًا إلى القول فى الفصل الثانى «ص85»: «هنا ينبغى وضع توجه وآليات تجديد الخطاب الدينى فى موضعه الصحيح ليكون ضمن عمليات تجديد الأمة لا مجرد تجديد الخطاب الدينى كما يراد لنا ضمن الحملة الأمريكية الراهنة على الأمة»!
يناقش الكتاب تحت عنوان «معالم الخطاب الإسلامى الجديد» تصنيفًا للخطاب الإسلامى للدكتور عبد الوهاب المسيرى إلى خطاب إسلامى قديم وخطاب إسلامى جديد، والخطاب الإسلامى الجديد عند المسيرى يبدأ من منتصف الستينيات، لكن الكتاب يرى أنه يمكن أن يبدأ من تاريخ تأسيس جماعة الإخوان ويضيف «ص 65»: «خاصة وأن هناك تواريخ أخرى أكثر دلالة... محطات بديلة لتصنيف الخطاب الإسلامى تاريخيا غير ذلك التاريخ الذى طرحه المسيرى ومنها العام 1928م حيث بدأ حسن البنا دعوته التى ترفض الغرب وتندد بمن دعا إلى أخذ الحضارة الغربية بحلوها ومرها وخيرها وشرها..»! نحن إذن فى مواجهة رؤى لتجديد الخطاب الإسلامى الذى هو نفسه خطاب الإسلام السياسى والأصولية الدينية بعد أن تلوث بالدم بوقوفه وراء عمليات الإرهاب محليا وإقليميا ودوليا. وليس هذا بغريب فالمجدد كما يقول يوسف القرضاوى (وهو مرجع يعود إليه الكتاب مرات عديدة بالإضافة إلى سيف عبد الفتاح وعصام العريان): «وقد يكون المجدد جماعة متعددة فى قطر واحد أو جملة أقطار فى مجال واحد أو عدة مجالات»، دون أن يخفى المؤلف رفضه لمفهوم الدولة الوطنية وفاء لدولة الخلافة الإسلامية، بل ويعتبر الدولة الوطنية الحديثة أحد الأسباب التى عوقت تجديد الخطاب الإسلامى! يقول «ص32» فى نبرة عدائية واضحة: «إن ظهور الدولة العربية الحديثة ساهم فى تراجع وركود الفكر الإسلامى وذلك حين قطعت هذه الدولة صلتها الثقافية والمعنوية والمرجعية بالإسلام والمنظومة الإسلامية، وارتبطت فى المقابل بمرجعية الفكر الأوروبى، هذه الدولة العربية الحديثة عملت على إهمال كل ما يرتبط بالثقافة الإسلامية من مؤسسات ومعاهد وجامعات وأوقاف (!!) وضيقت عليها إلى أن تحولت إلى مجرد آثار وذكريات تاريخية». وهو نفس النقد الذى يوجهه للمثقفين والنخب الفكرية عندما يقول: «ففى الوقت الذى اندفع فيه هؤلاء نحو الأفكار والمعارف الحديثة وتمكنوا منها معرفيا ومنهجيا والتى كانت ترجع فى مصادرها إلى مرجعيات الفكر الأوروبى قابل هذا الاندفاع انقطاع عن الأفكار والمعارف الإسلامية، وهذا هو منشأ الخلل والضعف». ولسنا فى حاجة بعد ذلك إلى تأكيد أن المنطلق الفكرى للكتاب هو نفسه منطلق تيار الإسلام السياسى فى الخلط بين الدين والسياسة والإسلام والدولة، يقول «ص127»: «الإسلام لا يعرف التناقض بين الدين والدولة وإنما اتخذ المنهج الإسلامى الموقف الوسط فأقام العلاقة التى ميزت -فلم توحد ولم تفصل- بين المقدس والبشرى على النحو الذى جعل الإسلام دينا ودولة».
أما مواصفات هذا الخطاب الإسلامى الجديد أو المجدد طبقًا للكتاب فهى نفسها مواصفات الخطاب الدينى الأصولى المتطرف، خطاب لا يقف عند حدود الحلال والحرام ولكن يتخطاها إلى نظرة تأثيمية شاملة، يقول «ص68»: «يدرك الخطاب الدينى الجديد المكون الحضارى فى الظواهر، فالخطاب القديم يقف عند حدود التمييز بين الحلال والحرام، فالسيارة والبورجر لا شك حلال وهكذا. أما البعد الحضارى الكامن فى السيارة على سبيل المثال، حينما يدير المرء مفتاح سيارته، فهو لا يتعامل مع مجرد آلة توصله من مكان لآخر، بل يتعامل مع رؤية كاملة للكون يتطلب تسييرها البحث عن البترول وشق باطن الأرض، الأمر الذى يتسبب فى تلويث الجو والبر والبحر..!»، ومن هنا يصل الكاتب إلى أن: «المكون الحضارى الكامن فى هذه السلع التى تبدو بريئة تماما وحلالا بشكل قاطع ولا غبار عليها من الناحية الدينية المباشرة، مرتبط برؤية للكون تقف على طرف النقيض من رؤية الكون الإسلامية..!». هذا التقدير العجيب شديد الصلة باضطراب الذهنية الأصولية وتهويماتها اللا معرفية لا غرابة فيه طبقا للكتاب الذى يؤكد أن: «الخطاب الجديد خطاب جذرى توليدى استكشافى لا يحاول التوفيق بين الحداثة الغربية والإسلام، ولا يشغل باله بالبحث عن نقط التقابل بين المنظومة الغربية الحديثة والمنظومة الإسلامية، فهو يبدأ من نقد جذرى للحضارة الغربية الحديثة»، وليس هناك بالطبع جذرية أصولية أهم من نقد السيارة وساندوتش البورجر، ولا أكثر تجديدا من اقتراح الكتاب استخدام الخرائط والرسوم والجداول ومقاطع الفيديو والصوتيات فى خطبة الجمعة التى يجب أن يشارك عدد من علماء الأمة ومن تخصصات مختلفة فى صياغتها، بل ومؤكد أن قارئ الكتاب سيمارس تداعيا حول اللجان الإلكترونية للإخوان التى ظهرت بالمواكبة مع توليهم للسلطة وتوحشت خلال ثورة المصريين ضدهم فى حديث الكتاب عن «التعبئة الإنترنتية من خلال الخطاب الإسلامى»، وفى حديثه عن موقع «إخوان بوك» الذى أطلقته جماعة الإخوان لتوفير شبكة اجتماعية خاصة بالمسلمين وتتفق مع «أحكام الشريعة الإسلامية» فى مواجهة لموقع الفيسبوك الذى يستفيض الكاتب فى شرح خططه التآمرية ضد الإسلام والمسلمين، وحقا فإن شر البلية ما يضحك.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات