.

ليلى مراد سندريلا ما قبل السندريلا

Foto

ليلى مراد أول نجمة عربية تسيطر على شباك تذاكر السينما تفوَّقت على أم كلثوم وأسمهان.. ولحَّن لها أهم ملحنى عصرها


«أنا ابنة الحظَّين: الحظ الباسم والحظ العاثر، الحظ الضاحك والحظ العابث»، هكذا وصفت ليلى مراد نفسها ولخَّصت مسيرتها الفنية والحياتية، فسندريلا السينما ليلى كما لقبها جمهورها (كان ذلك قبل ظهور سعاد حسنى) كانت لا تتمنى أن تكون مطربة ولا ممثلة بل كانت تحلم بأن تصبح مُدرسة أو زوجة، لكنها فشلت بسبب ضيق الرزق الذى أجبرها ووالدها على الغناء فى الأفراح بالقرى والمدن، فتركت التعليم وبدأت رحلة غنائية سينمائية لم تكن تتمناها، ولكنها أدركت أن الفن والغناء طريقها المحتوم.

كتاب «الوثائق السرية لليلى مراد» الصادر عن دار الشروق للكاتب الكبير أشرف غريب، رصد وحلَّل فى مئتى وثلاث وعشرين صفحة كل كبيرة وصغيرة فى حياة ليلى مراد، من سنة ميلادها المختلف فيها، مرورًا بتعليمها وغنائها فى الأفراح، وبدايتها فى الإذاعة ثم السينما، وكواليس إجبارها على الاعتزال حتى لحظة تراشق التصريحات بينها وبين فريد شوقى، ثم وفاتها، إلا أن الشق الأهم فى هذا الكتاب بالنسبة إلينا هو تفاصيل رحلة صعود ليلى مراد سينمائيًّا.

بداية

الحياة السينمائية لـ«السندريلا»، كما أُطلق عليها فى الأربعينيات، ليست بالطويلة ولا القصيرة، فهى شاركت فى 28 فيلمًا بدأت فى عام 1935 بفيلم «الضحايا» الذى قامت بالغناء فيه ولم تكن أحد إبطاله، لكن سرعان ما لفت صوتها آذان الموسيقار الكبير محمد عبد الوهاب الباحث فى ذلك الوقت على نجمة جديدة لتكون بطلة فيلمه «يحيا الحب» عام 1938، خصوصًا بعدما فشل فى اختيار بطلات فيلمَيه السابقين «الوردة البيضاء» و«دموع الحب»، فراهن عبد الوهاب على صوت ليلى ونجاحه، والتى كانت فى ذلك الوقت لم تتجاوز العشرين من عمرها، لكن هذا لم يشفع لها من أن تسلم من نقد وقسوة مخرج الفيلم محمد كريم، عندما وصفها بالضعيفة فى التمثيل وأن خجلها يدمر أداءها، فضلاً عن عدم معرفتها كيف تضحك، مع تسليمه بجمال صوتها، لذلك كان أكثر المخرجين تعنيفًا وهجومًا على الشابة الصغيرة، وكان يضغط من أجل الاستغناء عنها، لدرجة أن ليلى اقتنعت بفشلها وأرادت أن تنسحب من العمل بالفيلم، لكن عبد الوهاب صمَّم على استمرارها.

 

مزراحى يبحث عن نجمة يهودية

وبعد نجاح التجربة السينمائية الأولى لـ«السندريلا» كاد هذا النجاح أن يتبخَّر لولا تدخُّل المخرج توجو مزراحى، الذى آمن بموهبة ليلى ورأى امتلاكها كل مقومات النجاح، وفى الوقت الذى كان يبحث فيه عن نجم يهودى يقدّمه إلى السينما بعدما فشل مع نجمه الكوميدى شالوم، فأخرج لها فيلم «ليلى ممطرة» عام 1939، ثم اتبعها بأربعة أفلام متتالية، تحمل جميعها اسمها «ليلى» عام 1942، و«ليلى بنت الريف» عام 1941، و«بنت مدارس» عام 1941، و«ليلى فى الظلام» عام 1944، وللعلم لم يكن مزراحى مخرجًا مشهورًا بل كانت له تسعة عشر عملاً سينمائيًّا قبل أن يتعاون مع ليلى مراد، لكن تلك الأعمال لم تلقَ النجاح الذى وجده فى التعاون مع ليلى، مما كان سببًا رئيسيًّا فى جعل مزراحى من مخرج للأفلام خفيفة إلى أن أصبح من أهم مخرجى تلك الفترة.

مزراحى رد الجميل لليلى مراد فمكَّنها من تطوير أدائها الصوتى، وجلب لها أفضل الملحنين، ورسم لها ملامح شخصياتها السينمائية، وجعلها أكثر حرفية فى قدرتها التمثيلية، ونجح وبشكل ملحوظ فى إزالة الخجل وإن كنا يجب أن نتوقف أمام الضحكات الممنتجة التى تحدَّث عنها كريم فى فيلم «يحيا الحب» عندما أتى بكومبارس من أجل أن تضحك بدلاً من ضحكات ليلى الضعيفة.. لكن بعد عشرة أعوام فقط وفى فيلم «غزل البنات» يجب أن ننظر إلى حجم التغيُّر الذى حدث فى الأداء والضحكات، لقد تحوَّلت الشابة الضعيفة الهزيلة إلى فنانة متمكنة تعلم حجم ومساحة صوتها وأدائها.

 

نضوج سينمائى وسيطرة على شباك التذاكر

كان النجاح السينمائى لليلى مراد بعد التعاون مع مزراحى ملحوظًا، ولكن كان النجاح الأكبر عند التعاون مع المخرج والمنتج والممثل أنور وجدى، وتأثيره بشكل واضح فى شخصية ليلى مراد، فجعلها أكثر قدرة على الوصول إلى شرائح أكبر من الجمهور، مما جعلها تصبح أول نجمة شباك تذاكر فى تاريخ السينما العربية، واستفاد وجدى كثيرًا من شهرة ونجومية السندريلا.

فكان المشهد الأخير فى فيلم «ليلى بنت الفقراء» عام 1945خير دليل على قدرة وإمكانيات أنور وجدى على جلب الأضواء واستغلال نجومية ليلى، فصنع من زواج البطلة والبطل فى نهاية الفيلم مشهدًا حقيقيًّا، فأعلن زواجه بالفعل من ليلى مراد، فباتت الصورة تنطق، وكانت لهذه الزيجة أثر صادم فى الأوساط الفنية فى ذلك الوقت، فكان التساؤل دومًا: لماذا النجمة المتصدرة شباك التذاكر تتزوج من نجم صاعد؟ ولكن سرعان ما ازدادت النجاحات وصنع أنور وجدى وليلى مراد سينما غنائية استعراضية من خلال أفلامهما التى ما زالت تعيش حتى الآن، ولقد كان سر سيطرة ليلى مراد على شباك التذاكر هو تطورها المستمر وصوتها الرقيق، فهى لم تصل إلى صوت أم كلثوم التى اعتزلت السينما عام 1947، ولا أسمهان، ولكنها تفوَّقت عليهما سينمائيًّا، فباتت الشاشة لها منفردة بصوتها وتمثيلها.

ولم تمر سنوات السندريلا العشر وهى متربعة على عرش الإيرادات والشباك دون أن تحدث هزات كبيرة فى حياتها الشخصية والزوجية، فإشهار إسلامها بشكل رسمى عام 1949 ثم طلاقها من أنور وجدى لثالث مرة مما جعل حياتهما الزوجية ضبابية يستحيل معها رجعة، وكانت الخلافات بشكل واضح بسبب الفن والأزمات الإنتاجية، فوجدى كان يملك شركة الأفلام المتحدة «أنور وجدى وشركاه»، وكان من شروط ليلى مراد أن لا يقتصر عملها على شركة وجدى، بل تعمل مع شركات أخرى، ووافق وجدى على هذا الشرط فى بداية الزواج، لكنه تراجع عن تلك الموافقة بعد سنوات، لتبدأ خلافات فى العمل تؤثّر على حياتهما الشخصية وتطيح بأهم الزيجات التى حدثت فى تاريخ السينما المصرية فى الأربعينيات بين نجمة الشباك الأولى والشاب صاحب الفكر الهوليوودى الذى حقق نجاحات إخراجية وإنتاجية فى فترة وجيزة.

ولم يكن مزراحى وأنور وجدى هما المستفيدين فقط من شهرة ونجومية ليلى مراد، بل ساعدت السندريلا فى ظهور عدد من المخرجين الآخريين، أبرزهم بركات الذى أخرج لها «شاطئ الغرام» عام 1950، و«من القلب للقلب» عام 1952، ويوسف شاهين فى «سيدة القطار» عام 1952.

كان اسم ليلى هو أيقونة أهم أفلامها التى امتازت بالحدوتة التقليدية وانحصار أكثر أدوارها بين الفتاة الأرستقراطية والبنت الفقيرة، لكن تلك الأدوار مع رقة وأنوثة وصوت ليلى مراد جذبت قطاعًا كبيرًا من الجمهور إليها، فباتت بطلة قريبة من القلوب وإن كانت السندريلا ترى أن أفضل أدوراها وأهمها على الإطلاق كان فى  فيلم «يحيا الحب»، وفيلم «ليلى فى الظلام» الذى كانت تجسد فيه دور فتاة فقدت بصرها وتخفى ذلك عن الرجل الذى أحبته، وكان تأثير هذا الدور عليها كبيرًا مما جعلها تعيش فى بيتها وكأنها عمياء.

 

الفيلم الأخير

ودعت ليلى مراد السينما بفيلم «الحبيب المجهول»، وكأنها أرادت أن تترك لنا علامات الاستفهام وأسباب اعتزالها المجهولة، ومن المفارقات أن المخرج حسن الصيفى صرَّح بأن السندريلا كانت تشعر أن هذا الفيلم هو آخر أفلامها، وشعرت بانقباض حقيقى صرَّحت به إليه وإلى حسين رياض الذى حاول تهدئتها، والثابت أن ليلى مراد لم تفكِّر فى الاعتزال بل سعت للعودة إلى السينما فى أكثر من محاولة، وزارت المؤسسة العامة للسينما التى كان يرأسها فى ذلك الوقت عبد الحميد جودة السحار، الذى وعدها مرارًا بأنه سوف يوفِّر لها فرصًا، لكنها لم تأتِ أبدًا، مما يؤكد الظنون التى باتت ترقى لتكون حقائق بأن الأسباب الرئيسية فى انحصار ليلى مراد يرجع إلى ظهور تأييدها العلنى للرئيس الأول للجمهورية الأسبق محمد نجيب، بعدما غنَّت له السندريلا عقب اندلاع الثورة فى الوقت الذى كانت فيه نجومية وزعامة عبد الناصر تتصدَّر المشهد، ولم تكن ليلى مراد الوحيدة التى تتعرَّض لذلك، بل تعرَّض له الفنان محمد فوزى، إذ إنهما كانا من مؤيدى اللواء نجيب، وفشل كل منهما فى أن يفهما طبيعة المرحلة ولم يتأقلما معها، لذلك جاء انحصارهما وتراجعهما، ففوزى دُمِّر ماليًّا وفنيًّا وأرهقه المرض إلى حين رحيله، وليلى التزمت بيتها بعدما تأكَّدت أنه لا أمل فى العودة.

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات