.

تأثير خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى على نجاحها الرياضى

Foto

كيف يعكس البريميرليج القوة الثقافية والاقتصادية للرياضة الإنجليزية؟ كيف يعتقد عديد من لاعبى الدورى الإنجليزى الحق فى العمل داخل إنجلترا يوم 30 مارس؟


 

ترجمة: أميرة جبر عن «سى إن إن»

 

كانت المواجهة الأخيرة بين ليفربول ومانشستر سيتى، الفريقَين الأقوى هذا الموسم فى الدورى الإنجليزى الممتاز، أكثر من مجرد مباراة، كانت تجسيدًا لقيمة عمل جيل على العولمة والانفتاح، وتحذيرًا ضد التعرُّض لهذا التقدم بالمسيرة الخرقاء لبريطانيا نحو ما يعتبر بلغة كرة القدم هدفًا سياسيًّا واقتصاديًّا ذاتيًّا بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى، طلاقها من أوروبا المقرر يوم 29 مارس.

 

ويعكس الدورى الإنجليزى الممتاز، وهو النموذج الأقرب فى الرياضة الأكثر شعبية فى العالم لدورى عالمى زاخر بالنجوم، يعكس القوة الثقافية والاقتصادية للرياضة. فى بعض الحالات يتسرع المحللون فى صرف النظر عن أهمية الرياضة خارج الملاعب، غير أن الجدال الأخير الناجم عن كولين كابرنيك فى الولايات المتحدة حول الاحتجاجات المناهضة للعنصرية للاعبى الدورى الوطنى لكرة القدم الأمريكية تذكرنا بأن الرياضة إنما هى لوحة تتجلَّى فيها بوضوح قضايانا الاجتماعية والثقافية. إن الرياضة طريقة متعمقة لتواصل المشجعين القبليين مع المكان وبعضهم مع بعض، إنها البوصلة التى يحددون على أساسها موقعهم فى العالم.
 

وبذلك، تستطيع الرياضة تقديم بصيص أمل بأن إمكانية عالم أكثر تواصلًا وعولمةً ليست بالخطورة التى تقدمها الموجة الشعبوية شديدة الوطنية الأخيرة فى السياسة. إن الدوريات الأمريكية مثل الدورى الوطنى لكرة القدم الأمريكية «NFL» ودورى كرة القاعدة الرئيسى «MLB» والرابطة الوطنية لكرة السلة «NBA» مستمرة فى توسيع قواعدها الجماهيرية الدولية، ولعب المباريات فى الخارج، والسعى وراء جذب المزيد من اللاعبين الأجانب فى صفوفهم. لكن ما من مكان يتعارض فيه ضيق الأفق فى السياسة مع العولمة المرتبطة الرياضة أكثر من بريطانيا، حيث تغير العولمة اللعبة الوطنية (التى يصفها البعض بالدين الوطنى) بشكل جذرى، وفى المقابل تساعد اللعبة فى إعادة تأكيد القوة الثقافية الإنجليزية فى أرجاء العالم كافة.
 

فعلى سبيل المثال، نُقلت مباراة ليفربول ومانشستر سيتى، الأسبوع الماضى، تليفزيونيًّا فى 175 دولة، لتكون فى متناول مليار أسرة. ومثَّل اللاعبون فى الميدان 13 جنسية بقيادة اثنين من أفضل المدربين (وأكثرهم كاريزما) فى المجال، أحدهما ألمانى والآخر كتالونى. ويعملان لدى اثنين من أكثر حيتان الرياضة طموحًا، وهما الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، من أبوظبى، وجون هنرى الخبير المالى، ابن ولاية بوسطن، الذى يملك فريق بوسطن ريد سوكس لكرة القاعدة.
 

ولأحد آخِر المشرفين على الإمبراطورية البريطانية وهو السير ريتشارد تيرنبول، المفوض السامى فى عدن فى الستينيات، مقولة مشهورة بأنه على كل قوتها وتأثيرها العالمى ستترك الإمبراطورية خلفها موروثَين خالدَين للعالم وهما لعبة كرة القدم وتعبير «F*** off». وصحيح أن أغلب العالم يمارس الرياضة التى عممتها لأول مرة الطبقة الإنجليزية العاملة، لكن فى العقود التالية مباشرة لتعليق تيرنبول بدا أن إنجلترا ستصبح كالمستنقع فى الرياضة التى منحتها للعالم. كانت أهمية الدوريين الإسبانى والإيطالى أكبر كثيرًا، وفى المنافسات الدولية أصبحت إنجلترا مع الوقت بشكل قاطع فى المرتبة الثانية بعد أمثال الأرجنتين والبرازيل وإيطاليا وألمانيا، وحتى هولندا.
 

ولم تبدأ إنجلترا فى إعادة تأكيد أحقيتها فى أن تكون مركزًا عالميًّا لكرة القدم بإعادة تسمية دوريها الممتاز الـ«بريميرليج» كرد فعل على سلسلة من المآسى العنيفة أساءت من سمعة اللعبة. ونتيجة إلى ذلك دفعت الحكومة من أجل بنية تحتية رياضية أفضل واستثمرت فيها، وتزامن ذلك مع تدفق ثروات تليفزيون روبرت موردوك، حيث وجد حوت الإعلام فى الـ«بريميرليج» قوة ينمِّى بها خدمته «سكاى تى فى» فى بريطانيا والخارج.
 

والأكثر من ذلك كان ترك الحرية فجأةً للفرق الإنجليزية، لتنفق تلك الأموال على المواهب الأجنبية عندما ألغت المحاكم الأوروبية الحد الأقصى المفروض سابقًا على عدد اللاعبين الأجانب (على الأقل فى ما يتعلق بالإخوة الأوروبيين). ومع شعور جديد بـ(بريطانيا الروشة) الواثقة من نفسها المفتوحة على العالم المرتبط بسنوات تونى بلير، رفعت لافتات الترحيب بالمستثمرين الأجانب، ليستحوذوا على الأندية الإنجليزية.
 

ويمتلك الأجانب نحو ¾ أندية الـ«بريميرليج»، و5 من بين «الـ6 الكبار» «أى الأندية الأكثر سيطرةً وإنفاقًا»، وفى الشهر الأول من منافسات هذا الموسم كانت نسبة اللاعبين الإنجليز من إجمالى وقت اللعب أقل من الثلث.
 

وعليه، أصبح الدورى الإنجليزى الممتاز رمزًا للعولمة وحالة جديرة بالدراسة وسط متابعة الجمهور فى ذهول، سواء فى الملاعب بأرجاء إنجلترا وعلى شاشات التليفزيون عبر العالم (بما فى ذلك على «إن بى سى» فى أمريكا) لدورى تنافسى يتضمن أفضل لاعبى العالم (وقد أصبح ابن الولايات المتحدة كريستيان بوليسك لتوه أكبر نجم أمريكى يوقع مع نادٍ إنجليزى). وفى الوقت نفسه يبدو أن كون هذه المباريات تُقام فى أماكن أيقونية (بعضها يقرب عمره من الـ100 عام) تملأها جماهير هتفت عائلاتها الأغنيات ذاتها لأجيال تلبِّى رغبة الجماهير فى أصالة «محلية المصدر». إن الملاك من أمثال جون هنرى والشيخ منصور (يمشون على الحبل)، فهم من ناحية يديرون بعضًا من أكثر المؤسسات المتجذرة محليًّا التى ترجع أصولها إلى القرن الـ19، ومن ناحية أخرى هم القائمون على علامات تجارية عالمية تنمو سريعًا.
كما أن الدورى الآن انعكاس لأمة منقسمة بين الموارد متعددة الثقافات والرغبات الانعزالية لبعض مواطنيها. لقد وسَّعت اللعبة من وجهة نظر والتعاطف الثقافى للكثير من الجماهير. إن المهاجم والهداف المصرى «مو صلاح» بطل فى ليفربول هذه الأيام، ويعشق الجماهير الهتاف بأنه إذا أحرز بضعة أهداف إضافية سيصبحون هم أيضًا مسلمين. وعلى نحو مشابه، يصدر الفريق الإنجليزى الوطنى متعدد الأعراق للعالم (وللشباب الإنجليزى) نسخة شديدة التنوع للبلاد. ومع ذلك، وانعكاسًا للسياسات التأصيلية الأغلظ على جانبى الأطلنطى بعض الأندية مثل تشيلسى تعانى لاتخاذ إجراءات صارمة ضد التعبيرات القبيحة التى تصدر عن بعض المشجعين.

 

يقول البعض إن هذا المستوى من الانفتاح على المواهب الخارجية يزاحم اللاعبين المحليين، الأمر الذى ينتقص من فرصهم وبالتالى يؤذى الفريق الوطنى الإنجليزى. وهذا جدال مشابه للجدال حول التصنيع والحمائية فى الولايات المتحدة وغيرها، حيث يدعو البعض لبناء حواجز للتجارة غير المقيدة، لحماية أبناء إنجلترا. غير أن الحجة بأن عدد اللاعبين الأجانب يؤذى إنجلترا قد فقدت قوتها فى السنوات القليلة الماضية (فى واقع الأمر، منذ التصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى) مع فوز الفريق الوطنى الإنجليزى بكأسَى العالم تحت 20 وتحت 17 سنة للمرة الأولى. وخلال الصيف الماضى أصبح الفريق الأول أول فريق إنجليزى يتأهل لنصف نهائى كأس العالم منذ عام 1990.
 

ربما عدد اللاعبين الإنجليز فى الـ«بريميرليج» أقل من أى وقت مضى، ولكن أولئك الذين يلعبون فى الدورى الممتاز يلعبون بجوار أفضل لاعبى العالم، ويدربهم أفضل مدربى العالم، وهذا واضح فى تطور نجوم من أمثال رحيم ستيرلينج وهارى كاين وديل ألى وفيل فودن. لقد أصبح الأسلوب الإنجليزى فى اللعبة أكثر تنوعًا بفضل الانصهار مع الأفضل لعبًا وتفكيرًا من أمريكا اللاتينية وإفريقيا والقارة الأوروبية.
 

وعليه، تقدم لعبة كرة القدم، وهى أهم الصادرات الثقافية هذه الأيام، نموذجًا لمنافع الانفتاح. ومع ذلك، بدءًا من 30 مارس، مع غياب أى تطورات، سيدخل الدورى الإنجليزى الممتاز فى ورطة، حيث سيفقد من الناحية الفنية الكثير من لاعبيه الحق فى العمل داخل المملكة المتحدة. وبالتأكيد يضغط اتحاد كرة القدم، الذى يحكم جميع مستويات الرياضة فى إنجلترا، على الـ«بريميرليج»، لإعادة النظر وفرض حدود أكثر صرامة على عدد اللاعبين الأجانب، اتفاقًا مع روح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى.
 

ولكن حتى الآن، تتجنب الـ«بريميرليج» الحديث فى الموضوع برمته على أمل أن الجمهور الإنجليزى «المصوتين والبرلمانيين» سيعودون إلى صوابهم.
 


 

أندريه مارتينز
أستاذ الممارسات بكلية والتر كرونكايت للصحافة والإعلام بجامعة ولاية أريزونا، ومدير برنامج زملاء مؤسسة أمريكا الجديدة.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات