.

عقيدة التقرب إلى الله بالدم

Foto

كيف شكَّل القربان ظاهرة أصلية وسياقًا دينيًّا عامًّا وجوهريًّا لمعنى العلاقة بالله؟ هل تحوَّلت عقيدة القرابين البشرية فى العبادات الأولى إلى عقائد الجهاد والخلاص والفداء فى الأديان السماوية؟


فى معجم «لسان العرب»: «يقرب حاجة أى يطلبها والأصل فيه طلب الماء ومنه ليلة القرب وهى الليلة التى يصبحون منها -أى الرُّحّل- على الماء ثم اتسع فيه فقيل: فلان يقرب حاجته أى يطلبها، وعن الليث بن سعد: القربان ما قربت إلى الله تبتغى بذلك قربة ووسيلة، وفى الحديث صفة هذه الأمة فى التوراة قربانهم دماؤهم. والقربان مصدر قرب يقرب، أى: يتقربون إلى الله بإراقة دمائهم فى الجهاد».
 
وفى القرآن الكريم آيتان صريحتان عن القربان بمعناه المباشر أى التقدمة التى تقدم إلى الله إرضاءً له، الأولى خاصة بقربان هابيل وقابيل ولدَى آدم وتقطع بمحورية التقدمة لله كممارسة دينية مهيمنة بقوله تعالى: «وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ‫» «المائدة: 27». والثانية تتحدث عن أسطورة قرابين اليهود التى تُرسل لها نار تأكلها علامة القبول، واستخدمها اليهود كحجة وذريعة رئيسية لرفض رسالة محمد، وهو قوله تعالى: «‬الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ‫» «آل عمران: 183».‬
 
ولنتفهم الطريقة التى تعاملت بها الأديان الكتابية مع القربان الذى كان ظاهرة أصلية وسياقًا عامًّا ومعنًى جوهريًّا يلخص الدين وتتمحور من حوله علاقة الإيمان بالله ذاتها، يجب العودة إلى ما يتوفر من التواريخ الموثقة عبر الحفائر والأدلة والتنقيبات الأثرية، إلى هذا الوقت الذى سيطرت فيه الخرافة على العقل البشرى قبل ولادة السببية ومعها قدرة الإنسان على تفهُّم الأسباب المادية لظواهر الطبيعة. فى تلك الآونة لم يكن حاضرًا فى العقل البشرى أى مبرر منطقى يفهم به ما يقع له من ظواهر الطبيعة المؤثرة على حياته بشدة غير المبرر الدينى الغيبى، فكانت ظاهرة المرض والأوبئة تعنى عدم رضا الإله، وكانت المحاصيل الزراعية غير المثمرة تدل الناس على لعنة الإله، وكان سر فشل غزوة أو التعرض لاعتداء تجسيم غضب الإله وسخطه، وهلم جرا. ولذلك كان الإنسان كما تخبرنا قصة هابيل وقابيل يقدم باكورة الحيوانات من ولادات قطعانه مع باكورة الثمر من الغلال الزراعية فى بدايات مواسم الحصاد وقطف الثمار للإله الذى يتعبد له، ولهذا السبب أيضًا كان ينذر النذور التى ترافقها الأدعية والصلوات يحفز بها رضا الآلهة عنه واجتهادها فى تحقيق طلبه.
 
على ذلك كانت للقربان فى هذه المرحلة فلسفته الشاملة التى يمكن تجزئتها إلى معنيين أساسيين: إيجابى وسلبى، الإيجابى ضمان استمرار تدفق نعم الحياة التى يستجلبها استمرار رضا الإله عن البشر، والسلبى تطهير هذه النعم والخيرات والثمرات عبر تقديم نصيب واجب منها كقربان، وفى حالة القرابين البشرية -التى تهمنا فى هذا المقال تحديدًا- كان المستهدف تطهير المجموعة البشرية لتستحق وتتهيأ لرضا الله بالتقرب إليه. ولعل فكرة الأضحية البشرية صارت بالنسبة إلينا اليوم من أغرب الأفكار والممارسات التى عرفها الإنسان عبر تاريخه ومن أفظعها وأكثرها رعبًا فى التصوُّر، لكن تأمل كلمات «لسان العرب» حول تقرب الإنسان إلى الله بإراقة دمائه فى الجهاد تقرب الفكرة والممارسة كما كانت عليه فى أصلها الأول إلى أكبر حد ممكن.
 
ببساطة، كان الإنسان القديم يستطيع تقديم نفسه طواعية وجبرًا روحًا وجسدًا عن طيب خاطر قربانًا للإله وبكل المعانى المباشرة لهذه الكلمة، وللحد الذى تسبب فى حضارة الأزتك التى عانت بشكل استثنائى من كوارث الزلازل والبراكين والفيضانات فى مقتل ما يقدر بـ200 ألف إنسان سنويًّا، بعضهم إرضاءً لإله الشمس الذى احتاج إلى الأضاحى البشرية بشكل يومى، ليستمر فى الشروق والغروب والوجود، وكان يجرى نزع قلب الأضحية أو إغراقها أو قطع رأسها أو حرقها أو إلقاؤها من المرتفعات. كذلك كان لإله المطر حاجته من القربان حتى يستمر إغداقه على الإنسان والحيوان والمزروعات، وكانت الممارسة التقليدية بخصوص ذلك هى ذبح الأطفال فى أثناء بكائهم بصوت عالٍ فى عدة أماكن، أما إله الذرة فكان يتطلب التضحية بالعذراوات، واقتضت حفلات التنصيب الملكى المقدسة التضحية لله بالسجناء، حتى يؤثر أن أحد ملوك الأزتك قتل 80 ألف سجين فى حفل تنصيبه ملكًا على أرض الآلهة.
 
ولعل أول ما يحضر إلى الذهن جواب فى موضوع القربان البشرى طقس التضحية بعروس النيل فى مصر القديمة، وطقس دفن الزوجات مع أزواجهن عند الهندوس، وكانا معًا ممارسة منتشرة بشكل أوسع وعلى نطاق عالمى فى العصور القديمة، إذ كانا جزءَين مهمَّين من طقوس الدفن عند عائلات النبلاء والأُسر الحاكمة فى حضارات الرافدين بالعراق وفى الحضارة الفرعونية على الأرجح، وكان يجرى دفن رواد القصور وزوارها والمحاربين والخادمات وعبيد الملوك، بغرض مرافقة أسيادهم فى الدار الآخرة، وبعد ذلك كان يجرى دفنهم بشكل مرتب ومزخرف بصحبة أدواتهم وأسلحتهم التى يتوقع استخدامها بعد الموت. وقد اقترن القربان البشرى عند بعض قبائل شرق آسيا بظاهرة أكل لحوم البشر التى عرفتها معظم الأجناس البشرية فى أصولها الأولى، حيث كان يجرى تقديم السجناء من أسرى القبائل الأخرى بطرق طقسية تثير اشمئزازنا اليوم، لكنها كانت طرقًا أكثر من معقولة فى نظرهم، لإرضاء الآلهة. كان الصينيون يقدمون ثلاثة أنواع من أضحيات البشر: الشباب والأطفال والفتيات، ودلَّت الحفائر المتعلقة بهم على طرق وفاة عنيفة. أما الأتروسكيون والسلتيون واليونانيون فى أوروبا فاشتملت قائمة الأضاحى لديهم على أبناء القبائل الأخرى والأجانب والعبيد إلى جانب الأطفال والرضع.
 
وبقدر ما يمكن أن تقودنا هذه الجولة الأنثرولوجية القاسية نحو مقولة فولتير عن تصوُّر البشر المحسوس لله كما يخلقونه فى مخيلتهم ويتعاملون معه كباشا أو سلطان يخشون غضبه ويجاملونه، لابد أن تقودنا فكرة فولتير إلى الحديث عن الطرق التى تعاملت بها الأديان الكتابية مع هذا الميراث الدينى الجوهرى للقربان عمومًا والقربان البشرى منه بالذات. وبإيجاز يمكن القول إن هناك طرقًا مختلفة وتداعيات متشعبة تعاملت بها الأديان الثلاث التوحيدية مع ميراث القربان، وبإيجاز يمكن الإشارة إلى طرق ثلاث رئيسية سلكتها اليهودية والمسيحية والإسلام، الأول كان تحويل القربان البشرى إلى قربان جهادى على الطريقة التى ذكرها «لسان العرب» وهو ما أدَّى من جهة أخرى إلى استحلال دماء الكافرين وقتلهم عن بكرة أبيهم فى حروب الجهاد، كما يذكر سفر اللاويين التوراتى: «لأن نفس الجسد هى فى الدم، فأنا أعطيتكم إياه على المذبح للتكفير عن نفوسكم، لأن الدم يكفر عن النفس»، الطريق الثانى كان اعتبار الإيمان نفسه قربان خلاص للإنسان وهو ما بلغ ذروته مع استغناء المسيحية عن الكفارة البشرية بتقديم السيد المسيح جسده كفارة لكل إنسان فى مختلف العصور كما يتمثل فى طقس القربان الذى ينوب فيه تناول الخبز والنبيذ فى أثناء القداس عن جسد المسيح ودمه، الطريق الثالث كان تقديم قربان الحيوان كفارة للإنسان، وهو ما تجسد فى أعلى مستوياته رمزية فى طقس الأضحية الإسلامى القائم على إنقاذ الإنسان بكبش فداء، والطرق الثلاثة يمكن أن يوجز فلسفتها قوله تعالى: «لَن يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ‫» «الحج: 37».‬
 
ليس هذا فحسب بل إن مأثورًا إسلاميًّا يمكن أن يجسم تشعُّب الطرق التى تمكن بها الإسلام -والأديان الكتابية عمومًا- من تحويل معنى القربان المقدم لإرضاء الله، ويقول: «كانت بنو إسرائيل إذا قربت القربان تخرج نار فتأكل القربان من قبل منه وإن الله تبارك وتعالى جعل الإحرام مكان القربان»، والإحرام يعنى أن يحرم الإنسان على نفسه كل ما هو محرم فى الشرع. كما يأتى فى أثر آخر بخصوص الحج: «إن أعظم الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم القر»، والنحر من شعائر الحج، والقر الاستقرار فى منى. وهو ما نفهمه أيضًا من جعل الذبائح قرابين تكفيرية عن الآثام، ومن استحباب التقرب بها فى المناسبات الدينية والاجتماعية المختلفة، بل ويمكننا بيُسر استنباط كمون شكل من أشكال تحويل القربان وراء عقوبات التطهير البدنى المستخدمة فى الحدود الشرعية من قتل وجلد ورجم وحلق وقطع أطراف ونفى.
 
هذا الإعلاء والسمو بممارسة القربان الذى ذهب بهيئتها المادية وأبقى الصلوات والشعائر المصاحبة لها لم يجرد فكرة القربان كما كانت فى نشأتها من معناها المادى الملموس فقط، ولكنه ألغى الأساس المعتقدى الكامن وراءه، وهو أن الله يمكن أن يعمل وَفق إرادة البشر ومشيئتهم وليس وَفق إرادته ومشيئته وقوانينه التى خلقها هو ذاته. لم يعد القربان يعنى أن بوسع الإنسان التأثير على توجهات وقرارات الله المحكومة بقوانين طبيعية ومبادئ سببية ونواميس كونية خلقها، وصار التصور الراسخ أن الله يصاحب الإنسان أينما وُجد وأنه يكفى أن يناديه البشر ويبتهلوه ليكون معهم. وهو تحول وسمو مؤكد أن الأديان كلها -ومن بينها الإسلام- لا تزال تستهدف استمراره وتنبذ التوقف عن الارتقاء فيه وترفض الجمود عند الحد الذى نزلت به مما كان يلائم ثقافة ومعارف العصور التى نزلت فيها.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات