.

إحباط العقل والتسويف وتمييع الأمور فى قولنا «إن شاء الله»

Foto

لماذا لا يمكننا الإقلال من المبالغة فى القول «إن شاء الله»؟! ما التصور الرجعى لكيفية عمل مشيئة الله تعالى؟


تتسلط على لساننا فى المحادثات اليومية تعبيرات وكليشيهات دينية ثابتة صارت جزءًا أصيلًا من بنية الكلام لا يمكننا الإقلاع عنها مهما حاولنا كأنها وسواس قهرى جماعى، أبرزها كثرة بالغة فى «الحلفان» والدعاء وتقديم المشيئة، وفى هذا المقال نتأمل ما وراء مبالغتنا فى القول: «إن شاء الله».

 

من أساسيات العقل الرجعى الاعتقاد فى شرط يتحكم فى الواقع من خارجه، هذا الشرط يتجلى فى مقولة مثل «المكتوب ع الجبين»، ويقال لوفاة طبيعية أو فى حادثة لشخص ما: «عمره كده»، و«النصيب»، و«ربنا عايز كده»، هذا وذاك قد يسمى فى التفكير غير الدينى الحظ والمصادفة، وربما نُسب الشر إلى الحسد والسحر والجن، وقد يطلق عليه كلمات مثل القضاء والقدر والمشيئة الإلهية.
وحين يُصاب شخص بمرض فكان التفسير هو بالسحر أو الحسد وما إليه مما هو تغييب للعقل وتغليب للخيال والخرافة، ولولا أن هناك مَن لم يستسلموا لتلك الرؤى لما اكتُشِفت الجراثيم مثلًا كبعض أسباب المرض، حيث القابلية للعدوى مشروطة بعوامل مختلفة فى جسم الشخص وبيئته، وقد يلتقط العدوى من غيره فى مكان جمعهما بعوامل أخرى، وهكذا بالمثل، إن قلّ محصول القطن عما ينبغى فهذا نتيجة عوامل هنا فى الأرض لعلها فى نوع التربة، فى التقاوى، فى طريقة الرى، فى دودة القطن، فى تغيُّرات مناخية احتمالية، كلها شروط قد نجهل بعضها، ووراء كل منها مجموعة عوامل أخرى، نحن دائمًا فى شبكة شروط تنتج الواقع وينبغى بحثُها بدلًا عن استغلال جهلنا بها ضمن متاجرة الرجعية الدينية بكل شىء حتى آلام الإنسان وإشكالات وجوده، حيث لا يزال العقل الرجعى متجمدًا عند تصوراته القديمة رغم تطور العقل البشرى وكشف العلم عن علل ظواهر كثيرة.

 

وتؤدى التصورات الرجعية حول المشيئة إلى التبرير بمثل القول الابتلاء أو تخليص الذنوب، والقول: لا تدرى لعل الله يريد الخير مما نراه شرًّا بعقلنا «القاصر المحدود» حسب الرؤية الرجعية لمثل قوله تعالى: «وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم». والله تعالى هو العادل، مثلًا حين تخطط لشىء وتفشل، فالسبب فى الواقع، لا يمكن تصور تدخُّل مشيئة الله بالشر من خارج الواقع، أو بما يجعل الحياة غير عادلة، فإن يكن التصور الرجعى فى ذلك وفى ما يُقال له فلسفيًّا معضلة الشر إن الفقر ابتلاء والغنى ابتلاء والمرض ابتلاء، والحياة كلها ابتلاء، فماذا عن معاناة طفل من مرض عضال أو تشوه خلقى؟ ما الذنوب التى يخلصها؟ وما العدل فى أن يسقط عاملًا من فوق سقالة فيصير قعيدًا وهو العائل الوحيد لأسرته؟ مثل هذه الأطروحات ليست غير مسبوقة، قدَّم لها الفكر والفلسفة مقترحات مختلفة فى التاريخ البشرى عمومًا والإسلامى خصوصًا، من ذلك نفى غيلان الدمشقى للجبرية وقوله بحرية الإنسان ومسؤوليته عن اختياراته، ربما كالوجودية.
 

وواقعًا يحدث التمزُّق بين التأسيس الرجعى للعقل من جهة وما تمليه اللحظة وإرادة الحياة من جهة أخرى، لهذا مثلًا الأطباء المصريون يدرسون الطب ويعالجون الناس بالعقل المستعار من الحضارة الغربية، طبقًا لشروط الواقع، لكنهم إن فشلوا قالوا: «إرادة الله»، والمريض بالعقل الرجعى ذاته يقول: «الشفاء ليس بالطب ولكن من عند الله»، وظنه أن ذلك الشفاء كالمرض تدخل من المشيئة دون اعتبار لشروط الواقع، فلا تنتظر الإتقان والإبداع من مثل هذا الطبيب، ولا تتوقع من ذلك المريض الالتزام الجدى والدقيق بالعلاج والتعليمات، بالمثل يضعف التزام العمال بتعليمات الأمن الصناعى، والتزام السائقين باشتراطات القيادة الآمنة كحزام الأمان، ومثل هذا الموقف من عمال المزلقانات وسائقى القطارات ينتج حوادث السكك الحديدية.
 

وهكذا، ما دمنا بالعقل الرجعى منتهى الصلاحية، ويدافع عنه البعض جهلًا، وغفلةً، وغرضًا، وجمودًا دينيًّا، فنحن متخلفون. تلك هى خطورة الرؤى الرجعية التى تحبط العقل وتقعد به عن بحث شروط الواقع، وتيسر له الهرب من المسؤولية، حتى ظهور السيارات تحمل مقولات، مثل: «ليس لك من الأمر شىء»، «مش هيصيبك إلا نصيبك»، «وتجرى يا ابن آدم جرى الوحوش غير رزقك لم تحوش»، وما أكثر ما يماثل ذلك من نصوص تراثية خاطبت الناس على قدر عقولهم وقت ظهورها، وأهدر الخطاب الدينى الرجعى تاريخيتها متوقفًا بتطور العقل عند مرحلة إنتاجها.
 

هناك قواعد للعملية الجراحية مثلًا، وإن فشلت فلا يصح للجراح أن يقول لغير نفسه: «هذا أجل المريض المكتوب عند الله» أو «تلك إرادة الله»، مهما آمن الجميع بذلك، ينبغى أن لا يقال خارج الذوات الفردية وفى ما بين الناس تعبير دينى، أى إيمانى غيبى، أى ذاتى، يجب أن لا يتداولوا فى ما بينهم يعنى خارج ذات كل منهم إلا شروط الواقع، يعنى ينبغى تحديد سبب الفشل، فإن لم نستطع فلا نردد مقولات دينية، بل نقول: «لم نتوصل إلى السبب». كذلك حادثة السيارة لابد لها من علَّة أو أكثر، وعلى مَن يعبر الطريق أن يأخذ السيارات فى اعتباره، ومَن يُشَيِّد عمارة لابد أن يلتزم بالشروط الهندسية.
 

ومن الفصامية المميزة للرجعية الدينية وآليات تحصينها الزعم بالجمع بين تصوراتها عن المشيئة وما يُقال له رجعيًّا أيضًا «الأخذ بالأسباب»، والتشدق بالحديث «اعقلها وتوكل» الذى أنتجه العقل المصرى فى مقولات، مثل «اسعَ يا عبد وأنا أسعى معاك". المتحقق واقعًا وراء كل النصوص والمقولات الرجعية بهذا الشأن جملة مفاهيم محصلتها الفاعلة هى التسليم بتدخل المشيئة الإلهية من خارج الواقع، لفرض مسارات لا تبالى بشروطه. ولا يجدينا انتظار جودو تجديد الخطاب الدينى ليشيع بين الناس الاقتناع مثلًا بأن الله وضع القوانين الكونية والواقعية، وأن كل ما تجرى به قوانين الواقع هو مشيئته من داخل ذلك الواقع لا تدخل من خارجه وضد شروطه، الوقت لا ينتظر، وفى كل حال لن ينجح طالب فى الامتحان أو يرسب إلا حسب تلك الشروط، ولو كان منها احتمالات ظرفية كتعرضه لحادث طريق، أو التهاب فى الزائدة يوم الامتحان، إن كان المهندس قد راعى الاعتبارات الهندسية وسقطت العمارة التى بناها، فهناك مشكلة، هناك شرط أو أكثر فى الواقع، وعلينا تشغيل العقل لمنع تكرار سقوط العمارات مستقبلًا، بدلًا من الاستغلال الرجعى لمشيئة الله فى تبرير الجهل والخطأ والتقصير والإهمال.
 

لسنا هنا بالأرض فى مكان ولا مكانة يسمحان لنا بإدراك مشيئة الله، كأن يقول أحدهم: «شاء الله لزواجى الفشل» هذا الشخص فوق أنه يكف عقله عن بحث أسباب الفشل، يتوهم العلم بما لا يمكن إدراكه، ينبغى أن لا ندَّعى الإحاطة بالما وراء، نحن فى هذا الشأن بحاجة إلى التواضع والإقلاع عن تداول الغيبيات الإيمانية، كتلك التى تعتقد بتدخل المشيئة الإلهية فى الواقع من خارجه وضد شروطه، علينا أن لا نحملها مساوئنا وأن لا نجعلها وسيلة لإحباط عمل العقل، هذا يعنى أن نقلع عن الخضوع للرؤى الرجعية لمثل قوله تعالى: «ولا تقولن لشىء إنى فاعل ذلك غدًا إلا أن يشاء الله»، «وإن من شىء إلا بإذنه»، «وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين». علينا الكف عن استغلال «المشيئة الإلهية» فى أغراض منحازة إلى الذات أو الجماعة، كالقول إن المشيئة هى التى جعلت الفريق الفلانى يخسر مباراة كرة قدم وكان هو الأفضل فيها، وقد علمنا أن من شروط واقع كرة القدم احتمالات إصابة الهدف من هجمة وحيدة على المرمى أو أن تخطئه هجمات عديدة، والذى يحدث على مدى بعيد أن الفريق الأفضل، الأكثر توافقًا مع شروط الواقع، يفوز بالبطولة.
 

المبالغات المهووسة كالوسواس القهرى فى القول المنطوق «إن شاء الله» بين كل جملة وأخرى تليق بمجتمع بدوى قديم قائم على الخرافة يجهل العوامل المؤدية إلى كل شىء تقريبًا فى الطبيعة، هذا زمن انقضى، تلك طبيعة مرحلة فى العقل علينا تجاوزها، وبمثل ما قد صار قولنا «إن شاء الله» تحصيلَ حاصل، فقد صار طريقة للتسويف وتمييع الأمور، حتى إن مَن ينوى التهرب من وعوده يقول: «إن شاء الله». تبلغ الوسوسة حد القول «إن شاء الله» على أشياء حدثت بالفعل، واخترع السلفيون القول: «بإذن الله» للماضى، وقد تسأل أحدهم عن اسمه فيقول: فلان إن شاء الله. وفى هذا خضوع مرضى لسلطة الرجعية الدينية المطلقة المحبطة للعقل والتفكير، المهدرة لقيم العمل والوقت، والجالبة للتخلُّف.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات