الهمجى يرفع إيده.. هيه.. ويغنى فى عيدنا وعيده.. هيه

Foto

وعندها يصبح الحديث عن قيم مثل الحرية والعدالة الاجتماعية حديثًا عبثيًّا من منطلق أنه حرية إيه اللى بتتكلموا عنها إذا كان الشعب أصلاً مش لاقى ياكل


 
تحكيم العقل والإحساس بالقيم.. صفتان رئيسيتان هما اللتان ترتكز عليهما أى مدنية راقية، تلك هى النتيجة التى توصل إليها «كلايف بل» فى كتابه البحثى الممتع، وهما الصفتان اللتان تؤدى كل منهما للأخرى بشكل تلقائى، فبعد أن يبدأ الإنسان الهمجى فى اكتساب شعوره بذاته سوف يجد نفسه دون أن يشعر ينحو إلى التأمل.. التأمل فى كل شىء، فى خبايا نفسه البشرية وفى تفاصيل الكون من حوله وفى السبب الحقيقى لوجوده على هذا الكوكب؛ مما سوف يقوده دون أن يشعر وبشكل تلقائى تمامًا إلى تحكيم عقله وتدريب حاسة النقد الذاتى لديه ليبدأ فى إدراك أن تلك الكتلة الهلامية الأشبه بالبالوظة والمحفوظة بعناية بداخل جمجمته والتى اتفقنا على تسميتها «العقل» هى المعيار الرئيسى للحكم على الأمور، وهو ما يقوده بالتالى إلى الإحساس بالقيم الحقيقية للأشياء ليبدأ فهمه الحقيقى لتلك الحياة المعقدة التى تكتنفنا بداخلها، حيث يبدأ الإنسان فى إيثار الخير الخفى الآجل على الخير الواضح العاجل وإيثار التربية التى تعلمنا كيف نعيش على التربية التى تعلمنا كيف نكسب. هذا الإيثار يعتبره «بل» ظاهرة أخرى من ظواهر الحس المتمدن الرفيع. إلا أنه ينبغى فى الوقت نفسه أن نعرف أن إعلاء العقل ليصبح هو الحكم طوال الوقت يعد دربًا من دروب المستحيل، خصوصًا فى المجتمعات التى تعانى من مشكلات حياتية أساسية لها علاقة بغريزة الاستمرار على قيد الحياة. وفى هذا الصدد يقول «بل»: 
«إن الهمجى الذى يتعرض لخطر يهدد حياته ثم يقف ليفكر أولاً يتعرض بدرجة قصوى إلى خطر الوقوف الأبدى. لذلك فإنه شأنه شأن الطيور يعمل بإملاء الغريزة ويعتمد عليها إلى الحد الذى لا يجعل لعقله سوى فرصة يسيرة جدا كى يكون ذا أثر فعال، فإعلاء الغرائز قاتل للعقل، كما أنه لا يمكن للمتوحشين والهمج أن يتصفوا بإحساس رقيق للقيم، حيث إنك لن تجد رجلاً من الإسكيمو مثلاً يمكنه أن يدرك أن القيمة البعيدة للأنشودة أكبر من القيمة القريبة للبيضة المحمرة، فالقيمة المباشرة عنده للبيضة المحمرة محسوسة جدا وضرورة ماسّة»!
ربما الآن نستطيع أن نفهم السر الحقيقى وراء كل تلك الأزمات الحياتية الكوكبية التى تخص رغيف الخبز والسولار وارتفاع الأسعار وانخفاض الأجور وأبسط تفاصيل الحياة والتى يحرص الحكام عمومًا -أيًّا كانت الدولة- على استمرار معاناة الشعوب منها طوال الوقت، فتلك الأزمات هى ضمانتهم الوحيدة -اللى همه الحكام- لاستمرار المواطن المطحون مشدودًا طوال الوقت إلى ساقية محاولاته اليومية للاستمرار على قيد الحياة. تلك المحاولات التى تتسبب بدورها فى إعلاء الغريزة على العقل لتعطله عن التفكير السليم أو الإحساس بالقيم، وبالتالى الابتعاد عن نموذج المدنية الراقية. وعندها يصبح الحديث عن قيم مثل الحرية والعدالة الاجتماعية حديثًا عبثيًّا من منطلق أنه حرية إيه اللى بتتكلموا عنها إذا كان الشعب أصلاً مش لاقى ياكل، ويصبح الحديث عن الفن والجمال ترفًا ومبالغة وفرفرة وكلام ناس رايقة كما أسلفنا فى مثال الرجل بتاع الإسكيمو الذى تعد عنده البيضة المحمرة أهم مليون مرة من الأغنية الجميلة، كما يصبح الحديث عن النهوض بالتعليم مدعاة للسخرية فى دولة تفككت فيها العلاقات بين الطلبة والأساتذة سواء فى المدرسة أو فى الجامعة، كما يصبح الحديث عن الأخلاق دربًا من دروب الهرتلة فى ظل أنظمة الحكم اللا أخلاقى للكوكب. 
لهذا.. قبل أى حديث عن أى مدنية، هناك صفتان ينبغى عليكم التحلى بهما أولاً.. تحكيم العقل والإحساس بالقيم. والآن اسألوا أنفسكم وأجيبوا بصراحة.. هل ترون أنكم تتحلون بهاتين الصفتين؟!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات