.

«الضيف».. السينما حينما تواجه

Foto

مَن ينتصر على الآخر فى نهاية الفيلم؟ فيمَ نجح هادى الباجورى؟


بدأ مساء «الأربعاء» الماضى فى القاهرة عرض الفيلم المصرى «الضيف»، وذلك بعد شدّ وجذب مع الرقابة، تخوفًا من ردود أفعال إسلاميين أو مؤسسات دينية قد تُسىء تفسيره، لأنه يوغل بعمق فى قراءة صورة الكاتب لدى العقل الدينى المتطرف، سواء أكان إرهابيًّا مباشرًا أم إرهابيًّا مستترًا، يكتفى باللعن والدعاء والتحريض.

 

الفيلم الذى كتبه للسينما الروائى والإعلامى إبراهيم عيسى، وأخرجه هادى الباجورى، نموذج لعمل فنى عميق الدلالة والتأثير بإمكانيات مادية بسيطة قد لا تتجاوز نصف ميزانية أى من الأفلام الكوميدية سطحية التناول، والتى صارت ثيمة شائعة فى السينما المصرية مؤخرًا.
 

إبراهيم عيسى قدَّم للسينما سنة 2017 فيلم «مولانا»، من إخراج مجدى أحمد علِى، وبطولة عمرو سعد ودرة، لرصد ظاهرة صعود دعاة الدين وسيطرة الأجهزة الأمنية عليهم وتوظيفهم سياسيًّا لصالح الأنظمة الحاكمة.
 

وبعيدًا عن السينما، فالرجل يملك مشروعًا فكريًّا على مدى 30 عامًا فى مواجهة الإرهاب الدينى والتطرف، يقوم على الانتصار للعقل والتعامل مع رجال الدين باعتبارهم بشرًا غير مقدسين، وضرورة فصل الدين عن السياسة.

 

تجسيد حقيقى
فى «الضيف» لا يتجاوز عدد الممثلين جميعًا العشرة، بعضهم لا يظهر إلا فى مشهد واحد، بينما يدور الفيلم كله فى مكان واحد هو بيت الكاتب يحيى التيجانى، الذى يُجسده خالد الصاوى.
ويبدو التيجانى فى الفيلم قريب الشبه فى الحياة العملية من إبراهيم عيسى نفسه، وهو يشبهه فى مشاوير الحياة، فهو كاتب علمانى مُستنير يفضح التطرف ويهاجم تُجار الدين ويعتبرهم أصل البلاء، هو ضيف دائم على ساحات القضاء بتهمة ازدراء الأديان، ومُخصَّص له حراسة شرطية نظرًا إلى كونه مستهدفًا من الجماعات الإرهابية، ويحاول الفنان خالد الصاوى تأكيد ذلك الشبه بتقديم أداء جسدى مقارب لأداء إبراهيم عيسى نفسه، وطريقة حديث مشابهة.

 

وتؤكد كلمات التيجانى نفسه المعنى عندما يتحدَّث باعتباره كاتبًا يراه البعض عميلًا للدولة ضد أهل الدين، بينما يراه آخرون معول هدم للدولة لصالح جهات بعيدة، بالإضافة إلى ترديده الكثير من أفكار عيسى، مثل رأيه فى أحاديث البخارى بأنها تضم الكثير من الأحاديث الكاذبة، واحتفائه بالحضارة الغربية ونوابغها، وتكراره بأن الصحابة غير مقدسين، والعقل الحَكم الأول فى فهم نصوص الدين.
 

يعيش يحيى التيجانى فى أسرة بسيطة سعيدة تضم زوجته الخمسينية «ميمى»، والتى تقدم دورها الممثلة شيرين رضا، وابنته «فريدة» التى تؤدى دورها الفنانة جميلة عوض، ويوحى ديكور البيت بحُبّ الثقافة والفكر وغلبة روح التسامح فى التصاوير والديكور ومدى اهتمام الأسرة بالفن والجمال.
 

تكشف محاورات الأسرة، سواء الكاتب وزوجته، أو الكاتب وابنته، عن مناخ حرية ولطف واحترام مُتبادل بين أفراد الأسرة، وحتى مع الخادمة أو الحارس، تبدو الألفة طاغية.
 

نقطة التحول تبدأ عندما تُبلغ ميمى زوجها يحيى التيجانى بأن أحد زملاء ابنتهما فى الجامعة الأمريكية سيزورهم فى المساء على العشاء، ويفهم يحيى من زوجته إعجاب الابنة، التى تمت تربيتها على الحرية الكاملة فى القرار والاختيار، بالزائر، الذى يعمل معيدًا فى الجامعة، مُتخصصًا فى مادة التكنولوجيا الحديثة.
 

ورغم ولع يحيى التيجانى بمباريات كرة القدم، وترقبه لمباراة برشلونة وريال مدريد التى تُقام فى نفس ليلة الزيارة، فإنه يقبل تحت إلحاح ابنته فريدة، بالتفريط فى المشاهدة لاستقبال الزائر، ويعتبره عريس المستقبل.
 

تأتى اللحظة المنتظرة ويصل أسامة، الشاب الوسيم، الأنيق، صاحب الابتسامة الهادئة، ويقوم بدوره الفنان الشاب أحمد مالك، أول مفاجأة تتجلَّى فى هدية الزائر للأسرة، والتى يفض يحيى غلافها ليجد لوحة كبيرة عليها الآية القرآنية «قُم فأنذر».
 

على العشاء تبدأ المُناقشات حول الكثير من الأفكار التى يبثّها فى الكتب والصحف والبرامج، ليُفاجأ رب البيت بقول العريس المنتظر بأنه يُحب فريدة فى الله.
 

يستغرب الكاتب العبارة ويسأله عن المعنى، ليجد الشاب الأنيق، الذى تعلم فى أمريكا، وينتمى إلى عائلة برجوازية مثقفة، أنه تعلم أن يحب فى الله ويكره فى الله.
 

ويمتد الحوار ليكتشف الكاتب المستنير أن الزائر سلفى التوجهات، عندما يخبره بأن علماء المسلمين علَّموا العالم كله معارف الدنيا، فيُحاول استفزازه بالحديث عن ابن تيمية وتكفيره لجابر بن حيان وتحريمه علم الكيمياء، كما يعرج على ما قاله ابن قيم الجوزية عن ابن سينا بأنه إمام الملحدين.
 

بعد العشاء يتحدث الزائر مع فريدة، حديثًا جانبيًّا يعكس إعجابها الشديد به، وسيطرته الكاملة على رأسها، عندما يقول لها إنه سيخبر أهلها باتفاقهما على تحجُّبها. تبدأ الصدمات تنفجر فى وجه الوالدين، فور سماعهما قول العريس العصرى بأنه اتفق مع فريدة على أن ترتدى الحجاب، ليتكرر الحوار بين الكاتب الذى قضى عمره فى تفكيك مقولة المتطرفين بأن الحجاب فريضة إسلامية وبين الفتى هادئ الملامح مُدّعى التبسُّم، الذى يُصر على أنه ركن من أركان الدين.
 

يبدو الزائر سعيدًا، وهو يؤكد للكاتب أن تسليمه بالحرية لابنته يعنى أن من حقها أن ترتدى الحجاب والنقاب لو أرادت.

 

عائلة كانت سعيدة
صدمة الكاتب تدفعه أن يترك الزائر ويذهب لمشاهدة المباراة، غير أنه لا يلبث أن يلحق به فى غرفة المكتب ليناقشه بشكل أوسع فى أمور الدين، ويسأله إن كان يشعر بتأنيب الضمير أم لا، لأنه حرض على الداعية حامد عبد الصمد الذى مات تحت تعذيب أجهزة الأمن له.

 

ورد يحيى بأنه واجهه بالكلمة، ورد على سبّه للأقباط وتحريضه عليهم بالفكر، وأنه غير راضٍ بتعذيب أى شخص لأى سبب، وموته تحت التعذيب جريمة مثلما هى جريمة لو مات يسارى أو ليبرالى أو حتى لص تحت التعذيب.
 

محاورات الرجلين، تفيض بالجرأة والعمق، وتعكس ثقافة مُتأصلة وحججًا قوية لكلا الجانبَين، غير أن ارتكاز يحيى التيجانى على العقل والمنطق يثير غضب المهندس أسامة تدريجيًّا، ويصدم يحيى زائره عندما يُسمعه أسطوانة لصوت أم كلثوم وهى تُرتل القرآن، ثُم يُسمعه أسطوانة للمطربة فيروز، وهى تترنم بترانيم مسيحية.
 

ويسأل العريس غاضبًا: كيف تسمعون ترانيم مسيحية فى بيت أسرة مسلمة؟! ويفاجئ يحيى زائره بأن زوجته ميمى «شيرين رضا» مسيحية.
 

يقول يحيى لزائره إنه يتوقع منه صرف نظره عن خطبة ابنته، لكن العريس يراوغ ويؤكد احترامه للأسرة ويعتذر عن أى سوء فهم.
 

يقطع المشهد قدوم هانى (ماجد الكدوانى) شقيق الزوجة، ويحتضن فريدة بمودة وصداقة، ويفهم من الجلسة أن أسامة عريس، ويضحك معه، ثُم يأكل فى نهم ويغادر، لكنه يختلى بيحيى ويقول له إن هذا العريس لا يحب فريدة، وجاء من أجلك أنت، لأن عينه لم تفارقك.

 

ذروة الحبكة الدرامية
مشروع إبراهيم عيسى يقوم على الانتصار للعقل والتعامل مع رجال الدين باعتبارهم بشرًا غير مقدسين، وضرورة فصل الدين عن السياسة.

 

تصل القصة إلى ذروتها عندما ينقلب الوجه الهادئ للفنان أحمد مالك إلى شعلة غضب ويُخرج من الهدية «اللوحة» مُسدسًا مزوَّدًا بكاتم صوت، ويحتجز الأسرة كلها فى غرفة المكتب صارخًا بجنون أنه سيقتلهم جميعًا إن لم يمتثلوا.
 

تبدأ محاكمة الكاتب أمام زوجته وابنته المذعورتَين، ويطلب منه يحيى أن يهدأ، لكنه يرد بشرر من عينَيه، ويخبره أن موته نصر للإسلام وعبرة لكل مَن تسوِّل له نفسه الطعن فى السُّنة، ويفتح له كاميرا هاتفه ليتحدَّث عن رفضه ورجوعه عن كل ما كتب ونشر وأذاع، ويمتثل الكاتب تحت التهديد بقتل ابنته.
 

يدق جرس المنزل فيزداد هياج الإرهابى المتخفِّى فى هيئة عريس متديِّن، ويطلب من يحيى أن يصرف الزائر المفاجئ وإلا قتل ابنته وزوجته، ويمتثل يحيى، ليجد ضابط الحراسات فى المنطقة «محمد ممدوح» يستأذنه للسلام عليه.
 

يتحدث معه على الباب قليلًا طالبًا منه بدعوى محبته عدم الطعن فى البخارى وأن يخفف من غلواء نقده وكلامه، لأن ما يقوله ضد الدين يمنح الإرهابيين حق التخريب، ثُم يقول له إنه يحبه، لكنه يراه متجاوزًا بعض الشىء، ويعاتبه على تصوّره بمواجهة الإرهاب فكريًّا، ويقول له إنه يرى نسف الإرهابى أولًا ثم محاورته بعد ذلك، ولا يرد التيجانى ويشكر الضابط ويعود إلى الداخل.
هُنا يقرِّر أحمد مالك التغيير فى الخطة ويخرج سكينًا يضعها على رقبة الابنة -الحبيبة السابقة- ويقول للكاتب إنه لو قتله سيجعله رمزًا للحرية والوطنية، وإنه قرر أن الأفضل أن يجبره على الانتحار.

 

يعطيه المسدس طالبًا منه إطلاق الرصاص على رأسه بينما يُهدد بسكينه رقبة الابنة فريدة النحيلة، ويبكى الكاتب خوفًا على ابنته وزوجته ويسأل الإرهابى عن ضمان عدم قتل زوجته وابنته حال انتحاره، فيرد الإرهابى بأنه لا يوجد ضمان لشىء، وأن أعداء الدين يجب أن يذلُّوا.
بحركة مفاجئة يُطلق الكاتب رصاص المسدس على زائره قبل أن يتمكّن من سحب سكينته المرفوعة على رقبة فريدة، ويسقط الإرهابى لكنه يقوم طاعنًا يحيى بسكينته، ليردّ يحيى بالرصاص ممزقًا جسد غريمه.

 

الكاتب يُصاب فى نهاية الفيلم ويخرج محتضنًا زوجته وابنته، بينما تسقط مكتبة مليئة بالكتب فوق جسد الإرهابى القتيل، وكأن الكاتب يقول إن الفكر انتصر على الإرهاب، غير أن مشهد لجوء يحيى إلى السلاح لحسم المعركة يرمز كذلك إلى صحة مقولة ضابط الحراسات «محمد ممدوح» بأنه لا حوار مع الإرهابيين ويجب محوهم أولًا.

 

تحدِّى الإخراج.. دلال الأب يجابه بتعنُّت الابنة
مُخرج الفيلم هادى الباجورى، كان أمام تحدٍّ كبير حول كيفية صناعة التشويق والانتقال مع الحوار من الكوميديا إلى المناقشات الفكرية الرصينة، ثم إلى الفزع والاضطراب.

 

كما أن حصر أماكن التصوير فى فيلا يحيى التيجانى مثَّل تحديًا أكبر لكسر ملل المشاهد، ونجح الباجورى فى تخطيه، لدخوله تجارب سابقة من هذه الثيمة، خصوصًا فى فيلم وردة المنتج سنة 2014، واعتمد فيه على إمكانات بسيطة جدًّا فى التصوير والإنتاج.
 

بدورها عبرت الموسيقى التصويرية للفيلم التى أبدعها الموسيقار هشام نزيه بشكل مثالى عن تطور الأحداث من البداية الهادئة إلى المناقشات المتصاعدة رويدًا حتى ذروة الأحداث وانقلاب الكوميديا إلى لحظات رعب، كذلك، فإن تصميم الملابس الذى أشرفت عليه ريم العدل جاء مُعبِّرًا بشكل عن أسرة فوق المتوسطة، منفتحة، لكنها مرتبطة بقيم أخلاقية نبيلة، أما ملابس الإرهابى فجاءت غاية فى الأناقة للدلالة على خداع المظاهر.
 

بشكل عام يندهش المُشاهد كيف أمكن لهذا العمل الجرىء الخروج من مقصلة الرقيب دون خسائر تؤثر على سياقه العام وحواره العميق.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات