.

النبى يونس.. بين الحوت الحقيقى والقارب المعنوى

Foto

لم يحدد القرآن مدة بقاء يونس فى بطن الحوت، قد يكون يومًا أو ثلاثة أيام أو دقيقة، ولكنّ المفسرين المسلمين تأثّروا بما ورد فى التوراة والإنجيل فحدَّدوا مدة الأيام الثلاثة، وحددوا المكان والزمان


نعتقد جازمين ونؤمن بمعجزات الأنبياء جميعهم عليهم السلام، وفى نفس الوقت نعتقد أن بعض المعجزات لا تخرج عن نطاق التدبير الإلهى من خلال السنن الكونية الثابتة، فلا تتوقف الشمس مثلًا لأى مخلوق، ولا يسقط قانون الجاذبية، ولا غيرها من السنن الربّانية، والنبى محمد، صلى الله عليه وسلم، قال لأصحابه عند موت ابنه إبراهيم: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا تنكسفان لموت أحد من البشر ولا لحياته"، وهو قول فصل فى هذه الأحاديث الإعجازية، ومن هنا نكتب عن معجزة كونية حدثت للنبى يونس عليه السلام.

 

جاء ذكر يونس فى الكتاب المقدس باسم "يونان"، ففى العهد القديم فى "سفر يونان 17": "وأما الرب فأعد حوتًا عظيمًا ليبتلع يونان، فكان يونان فى جوف الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال، وأمر الرب الحوت فقذف يونان إلى البر"، وجاء ذكره فى العهد الجديد على لسان المسيح فى "إنجيل متى 39– 40": "جيل شرير وفاسق يطلب آية، ولا تعطى له آية إلا آية يونان النبى، لأنه كما كان يونان فى بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال، هكذا يكون ابن الإنسان فى قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال"، فقول السيد المسيح لا يؤكد فقط حقيقة يونان، بل حقيقة دخوله إلى جوف الحوت كرمز لدفنه وقيامته، وذكره المسيح مرة أخرى فى لومه لليهود فى إنجيل "متى 41": "رجال نينوى سيقومون فى الدين مع هذا الجيل ويدينونه؛ لأنهم تابوا بمناداة يونان"، والقصة كما نرى مرتبطة بموت المسيح وقيامته من بين الأموات بعد ثلاث ليال أو ثلاثة أيام، كما ذكر اسم مدينة "نينوى"، التى شهدت دعوة وإيمان قوم "يونان".

 

وفى القرآن العظيم وردت القصة مختلفة بعض الشىء عما ورد فى "الكتاب المقدس"، فالقرآن لم يحدد اسم المدينة التى حدثت فيها دعوة يونس، خصوصًا أن "نينوى" ليس بها بحر وسفن وحوت، ولكن اسم "يونان" أو "يونس" يدل على أنه "يونانى" الأصل، فتكون مدينته على ساحل البحر التوسط سواء فى الشام أو قرب شواطئ اليونان القديمة، خصوصًا أن اليونان/ الإغريق عرفوا الألوهية مبكرًا عند فلاسفتهم القدماء، ولا نعرف شعبًا من شعوب العالم القديم آمن بسرعة بالأنبياء إلا قوم "يونس"، فربما كانوا هم قومه، وبالتالى تكون معرفة الإغريق بالإله أو "السبب الأول" كما قال "آرسطو" دليلًا على أن لهم أصولًا إلهية المصدر، ربما ضاعت أو شُوّهت.

كما لم يحدد القرآن مدة بقاء يونس فى بطن الحوت، قد يكون يومًا أو ثلاثة أيام أو دقيقة، ولكنّ المفسرين المسلمين تأثّروا بما ورد فى التوراة والإنجيل فحدَّدوا مدة الأيام الثلاثة، وحددوا المكان والزمان، ولكن الله قال فى سورة "الأنبياء 87": "وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِى الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّى كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِى الْمُؤْمِنِينَ"، الله أطلق عليه لقب "ذا النون"، وقال المفسرون إن النون هو الحوت، ولكن يمكن تعريف النون بسورة "نون" أو "القلم" بمعنى العلم، فيكون صاحب العلم، وليس بالضرورة صاحب الحوت، لأن الله ذكره أيضًا بـ"صاحب الحوت"، ونلاحظ عدة ملاحظات:

 

1 - غضب "النبى يونس" لم يكن غضبًا من الذات الإلهية، حاشاه من ذلك، ولكنه غضب من قومه بسبب عدم استجابتهم له بسرعة متوقعة، فدخل فى بطن الحوت بعد أن التقمه، وبسرعة متوقعة أن يستغفر الله، فأخرجه الحوت من بطنه سريعًا، وبالتالى خاطب الله الرسول محمد، عليه السلام، طالبًا منه الصبر على الكفّار، قال تعالى فى سورة "القلم 48– 50": "فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ. لَوْلا أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاء وَهُوَ مَذْمُومٌ. فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ"، فالنبى يونس أدركته نعمة الله بعد دعائه الحار، ولولا هذا الدعاء لتُرك فى العراء بجوار البحر، ثم يحدد القرآن مصير قوم يونس، الذين آمنوا بسرعة، قال تعالى فى سورة "يونس 98": "فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزى فى الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين"، أى أن قوم موسى كانوا أسرع الناس إيمانًا بالتوحيد ودعوة نبيهم، وأن عدم صبره لم يمنعهم من الإيمان، وطلب الله من الأنبياء الصبر على المشركين، وهو ما حدث فى السيرة النبوية المحمدية، كما صبر المسيح أيضًا على قومه من اليهود.

2- فى سورة الصافات قال تعالى "139- 148": "وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ.إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ. فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ. فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ. فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ. لَلَبِثَ فِى بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ. فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاء وَهُوَ سَقِيمٌ. وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ. وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ. فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حينٍ"، وفى تلك الآية نلاحظ أن يونس ترك قومه غاضبًا عليهم، وركب فى سفينة مشحونة ممتلئة بالبشر، والمتوقع أن هؤلاء البشر المكدسين كانوا من قومه، وأن يدعوهم مجددًا، وعندما رفضوه أولًا هبط من السفينة إلى البحر، وليس بالضرورة أن يكون سبب خروجه من السفينة الاقتراع بسبب حمولتها، ولكن بسبب ضيقه واستعجاله وعدم صبره.

 

3– قال الله "والتقمه الحوت"، ولم يقل "لم يبتلعه الحوت"، وأن دعاءه الحار جعل الحوت يلفظه قبل البلع، كما أن معنى التهديد الإلهى بأن يونس سيبقى فى بطن الحوت إلى يوم البعث أو القيامة، هو أن يظل الحوت أيضًا حيًّا، ومن غير المعقول أن تظل المعجزة ممتدة إلى ما بعد يونس وكل مَن جاء بعده من الأنبياء، ونفهم أن الحوت لم يبتلعه فى معدته، وأن مدة بقائه لا يمكن تحديدها زمنيًّا.

 

4– قال الله "والتقمه الحوت وهو مُليم"، و"مليم" جاءت فى القرآن مرّتين عند الغرق فقط، فقد ذكرها الله تعالى عند غرق فرعون، قال تعالى فى سورة "الذاريات40": "فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِى الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ"، و"مُليم" من الألم الجسدى ومن اللوم النفسى المعنوى، رغم الفارق بين يونس النبى وفرعون الطاغية، نجّى الله يونس من الغرق ولكنه أغرق فرعون، وكلاهما سقطا فى مياه البحر.

 

5– وهى أهم الملاحظات، أنه يمكن أن نفهم أن الحوت كان حوتًا حقيقيًّا، أى سمكة كبيرة، ويكون النداء الإلهى ليونس "صاحب السمكة"، كما هو مشهور ومتداول، وأيضًا نفهم أن الحوت كان مجرد سفينة أو قارب، وأن يونس هبط فى بطن القارب، وكاد أن يغرق لولا استجابة الله لدعائه، فنجّاه الله، وخرج من القارب/ الحوت إلى البر ضعيفًا متهالكًا، وتكون مدة بقائه فى بطن القارب/ الحوت ثلاثة أيام كما ذكر الكتاب المقدس منطقية، والحوت فى القرآن الكريم، يمكن أن يُطلق على السفن أيضًا، قال تعالى فى سورة "الأعراف 163": "واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِى السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ"، تعنى تلك الآية أنه فى اليوم الذى وعدوا الله بأن لا يعملوا، كانت ترى حيتانهم تأتى شرعًا والشراع يوضع على القارب وهو أيضًا بنفس الوقت يدل على أن القوارب كانت تأتى بخير كثير، والأسماك ليس لها شراع، وعند ذكر الحوت فى سورة "الكهف 61": "فلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِى الْبَحْرِ سَرَبًا"، وأيضًا الآية 63 من السورة نفسها "قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّى نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِى الْبَحْرِ عَجَبًا" يدل على أن الحوت قارب وليس سمكة، لأن نسيان السمك قرب الشاطئ يؤدى إلى قفز نفسها فى الماء ولا عجب فى ذلك، أما القارب فلابد أن يتم ربطه حتى لا يدخل فى البحر وحده فيضيع، وربما كان الغداء فى بطن القارب، فغير مقبول أن يتم شَىّ حوت كبير الحجم هكذا.

 

هذا رأينا ومن جاء بأفضل منّا قبلناه، كما قال الإمام الأعظم "أبو حنيفة النعمان"، والله أعلى وأعظم وأعلم.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات