.

إسرائيليات المفسرين فى مواجهة إسرائيليات بنى إسرائيل!

Foto

هل يعنى تجاهل قصص القرآن الكريم لأخطاء الأنبياء كما ترد فى التوراة نفيًا لوجودها أم يعنى عدم ملاءمتها لغاية العظة والعبرة التى توخاها الخطاب القرآنى؟


"وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21) إِذْ دَخَلُوا عَلَىٰ دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ ۖ قَالُوا لَا تَخَفْ ۖ خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَىٰ سَوَاءِ الصِّرَاطِ (22) إِنَّ هَٰذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (23) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ ۖ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ ۗ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (24) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَٰلِكَ ۖ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَآبٍ (25)" "ص: 21– 25".

 

تتفق النسبة الغالبة من أخبار الرواة وآراء المفسرين الأوائل بشأن تفسير آيات سورة "ص" مع الخط العام لقصة داود و"بتشبع بنت أليعام" امرأة "أوريا الحثى" كما ترد فى الإصحاح 11 من سفر صموئيل الثانى فى التوراة، لكنه اتفاق يكتنفه خلاف أكبر يتعلق بقضية عصمة الأنبياء وتنزيه القرآن لهم عن ارتكاب الأخطاء أو على الأقل ارتكاب الكبائر دون الصغائر منها، مما قد يعنى أن تجاهل القرآن الكريم عن ذكر أخطاء الأنبياء كما وردت فى التوراة المقدسة قد لا يعنى رفضًا أو نفيًا لها، أو أنها نتيجة تحريف الأحبار والكهنة حسب الاتهام الذى يهوى الأصوليون المتشددون الغلو فيه، وإنما يرجح أن يكون هذا التجاهل ناجمًا عن سبب أهم وهو خلو ذكر أخطائهم من العبرة والعظة حسب نظرة القرآن وفلسفته لمعنى العبرة والعظة، وهما هدف القرآن الأول والأخير والوحيد من سرد القصص.

 

الخطوط العامة لقصة داود -وهو فى القرآن نبى وفى التوراة ملك- كما تأتى فى التوراة تدور حول إعجابه بامرأة "أوريا الحثى" الذى كان جنديًّا مؤمنًا مخلصًا فى جيش الرب: "وكان فى وقت المساء أن داود قام عن سريره وتمشى على سطح بيت الملك فرأى من على السطح امرأة تستحم وكانت المرأة جميلة المنظر جدًّا"- صموئيل الثاني: 2. ثم يدعو المرأة ويدخل بها: "فأرسل داود رسلًا وأخذها، فدخلت إليه، فاضطجع معها وهى مطهرة من طمثها. ثم رجعت إلى بيتها، وحبلت المرأة، فأرسلت وأخبرت داود، وقالت: إنى حبلى"- صموئيل الثاني: 4 و5. وعشقه للمرأة وحبلها دفعا داود إلى التآمر لقتل زوجها خلال الحرب: "وفى الصباح كتب داود مكتوبًا إلى يوآب وأرسله بيد أوريا، وكتب فى المكتوب يقول: اجعلوا أوريا فى وجه الحرب الشديدة وارجعوا من ورائه فيضرب ويموت"- صموئيل الثاني: 14 و15. وبعد مقتل "أوريا" وندب زوجته له يضمها "داود" إلى نسائه وهو ما يقبح فى عين الرب.

 

وهى نفس ملامح القصة العامة كما يوردها الرواة والمفسرون الأوائل فى تفسير الخصومة الرمزية التى عُرضت على "داود" وتتحدث عنها الآيات، ولا يفوتنا هنا اكتفاء الآيات بهذا التلميح الرمزى لجريمة "داود"، مما يتفق مع منحى إحجام القرآن عن التصريح بأخطاء الأنبياء على غير الطريقة الصريحة التى ترد بها فى التوراة، وهو منحى يؤكد خلو قصص هذه الأخطاء من العبرات والعظات التى يهدف القرآن لتأكيدها، ولا بأس قطعًا لو أضفنا إلى ذلك غاية سامية مثل صون ذكر الأنبياء وتبجيلهم عما شاب سلوكهم من أخطاء محتومة مصدرها بشريتهم، وإن كان تعدى هذا الحد والذهاب إلى أن صمت السرد القرآنى عن أخطاء الأنبياء دليل على عصمتهم وعلى تحريف التوراة فى نفس الآن لابد أن يعد من قبيل التأويل المفرط الذى لم يقل به القرآن نفسه والذى يفتقر فى نفس الوقت إلى أى دليل.

 

لكن الخلاف الأعمق الذى لا يلتفت إليه عادة بين القصتَين كما تردان فى القرآن والتوراة يتمثل فى المدخل الإطارى الذى يحد قصة داود وبتشبع، أقصد "الخصم" الذين تسوروا محراب "داود" كما يقول القرآن الكريم، ويحل محله النبى "ناثان" فى الإصحاح 12 من سفر صموئيل الثانى، أو يحل محلهما حسب قول المفسرين أن المقصود بالخصم ملاكان مرسلان وقالوا جبريل وميكائيل. وهو خلاف دال على مستويين: خارجى وداخلى، أى من خارج أحداث القصة ومن داخلها: الخارجى يخص اختلاف وضع "داود"، فلأنه فى القرآن نبى أرسل الله له ملاكين ولأنه فى التوراة ملك أرسل الله له نبيًّا. والداخلى ينبع من التسلسل الحدثى وبنية القصة كما تتمثل فى رمزيتها التى عمد القرآن إلى جعلها رمزية تامة كاملة تغطى على الحدث الأصلى فيها ويستشف منها داود وحده ملامح جريمته دون التصريح بها، بينما جعلتها التوراة المقدسة رمزية غير تامة أو تمثيلية كمحض مقدمة تكشف الغطاء صراحة وبسرعة عن القصد منها وهو تعرية جريمة داود أمامه لتأنيبه من أجلها.

 

ويحسن لنتبين أبعاد المستوى الداخلى المقترن باختلاف المرسل: فى حالة التوراة نبى وفى حالة القرآن خصم ملاك، أن نثبت القصة التوراتية بحذافيرها وتقول: "فأرسل الرب ناثان إلى داود. فجاء إليه وقال له: كان رجلان فى مدينة واحدة، واحد منهما غنى والآخر فقير. وكان للغنى غنم وبقر كثيرة جدًّا. وأما الفقير فلم يكن له شىء إلا نعجة واحدة صغيرة قد اقتناها ورباها وكبرت معه ومع بنيه جميعًا. تأكل من لقمته وتشرب من كأسه وتنام فى حضنه، وكانت له كابنة. فجاء ضيف إلى الرجل الغنى، فعفا أن يأخذ من غنمه ومن بقره ليهيئ للضيف الذى جاء إليه، فأخذ نعجة الرجل الفقير وهيأ للرجل الذى جاء إليه. فحمى غضب داود على الرجل جدًّا، وقال لناثان: حى هو الرب، إنه يقتل الرجل الفاعل ذلك. ويرد النعجة أربعة أضعاف لأنه فعل هذا الأمر ولأنه لم يشفق. فقال ناثان لداود: أنت هو الرجل.. لماذا احتقرت كلام الرب لتعمل الشر فى عينيه؟ قد قتلت أوريا الحثى بالسيف، وأخذت امرأته لك امرأة، وإياه قتلت بسيف بنى عمون"- صموئيل الثاني: 1-10.

 

اختلافات أخرى كثيرة هامشية -ولنا أن نقول إنها طريفة أيضًا- بين القصتين فى القرآن والتوراة ابتدعها خيال الرواة والتفاسير القرآنية، منها مثلًا ما اقتضاه فهمهم لقوله تعالى: "إنما فتناه" عن سبب الفتنة وقيل سؤال داود لله أن يعطيه منزلة إبراهيم وإسحق ويعقوب، وما اقتضاه ذلك أيضًا من ابتكار حمامة من ذهب تقمص صورتها الشيطان وقادت داود عبر مطاردتها إلى كوة تطل على جنينة رأى فيها "بتشبع" تستحم، ومنها تصورات توبة داود وندمه ودمعته التى تملأ كأس شرابه ونحبته التى تزيل مفاصله وخطيئة المكتوبة بكفه، ثم ما أثارته إشكالية تتمثل فى مسؤولية داود عن دم أوريا الحثى الذى قتل بتعمد، وإشكالية أخرى تتعلق بقدرة الملائكة على الكذب الأبيض، وكلها إشكاليات أغرى بها الرواة أسلوب القص القرآنى الموجز البعيد عن التفصيل والسابح فى غلالات غموض تجعل من السهل تأويله على مختلف الوجوه وشحنه بمختلف النقائض.

 

غير أنه يمكن القول إن إنكارًا ونفيًا صريحًا لمجمل القصة التوراتية بخطوطها ومفاصلها وأحداثها، وأن تكون هى المعنية من الأساس من وراء الآيات القرآنية، بدأ يسود مع التفاسير المتأخرة ولم يكن من الممكن أن يلحظ بوضوح فى التفاسير الأولى التى جمع الطبرى الكثير منها فى تفسيره الموسوعى. ففى تفسير القرطبى المتوفى 671هـ يعزى للمفسرين الأوائل هذا الإنكار حيث يورد على لسان ابن عباس وابن مسعود وغيرهما أنهم قالوا: "ما زاد داود صلى الله على نبينا وعليه على أن قال للرجل انزل لى عن امرأتك"! ومن ثَمَّ يبدأ التشديد على ضرورة إنكار القصة التوراتية برمتها ووصمها بالبطلان والتحريف والاجتراء، وصولًا إلى صياغتها صياغة مغايرة كليًّا بما يتفق مع التصور الذى ساد حول عصمة الأنبياء، من هذه الصياغة الجديدة للقصة كما يوردها القرطبى ما يقول: "داود -عليه السلام- كان قد أقدم على خطبة امرأة قد خطبها غيره، يقال: هو أوريا، فمال القوم إلى تزويجها من داود راغبين فيه، وزاهدين فى الخاطب الأول، ولم يكن بذلك داود عارفًا، وقد كان يمكنه أن يعرف ذلك فيعدل عن هذه الرغبة، وعن الخطبة بها، فلم يفعل ذلك، من حيث أعجب بها إما وصفًا أو مشاهدة على غير تعمد، وقد كان لداود -عليه السلام- من النساء العدد الكثير، وذلك الخاطب لا امرأة له، فنبهه الله تعالى على ما فعل بما كان من تسور الملكين، وما أورداه من التمثيل على وجه التعريض، لكى يفهم من ذلك موقع العتب فيعدل عن هذه الطريقة، ويستغفر ربه من هذه الصغيرة". ولا شك أن هذه الصياغة لا تبرِّئ داود من ذنبه الذى يبلغ مع القصة الأصلية حد الجريمة/ الكبيرة، لكنه يكاد يجعل من الصعب تصور أن يلام داود على ذلك بأى شكل، وتجعل من استغفاره وندمه محل تساؤل بالطبع.

 

ثم يأتى التأكيد فى النهاية على كون خطأ النبى زلة صغيرة وليس ذنبًا وكبيرة ليعكس الضرورة التى دعت إلى إعادة تفسير الآيات طبقًا لما اعترى فكرة النبوة من صقل وتطوير عبر القرون، لم يكن تجاهل القرآن الكريم لأخطاء الأنبياء غير محض ضربة البداية فى الوصول إليها.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات