.

محنة الإمام البخارى

Foto

هل كان البخارى مقدسًا فى زمانه؟ مَن هم قادة حملة تقديس كتاب البخارى؟ وكيف قاد شيخه الذهلى حملة تشويهه وتشريده فى البلدان؟ كيف عاش البخارى ومات مطاردًا مطرودًا للدرجة التى جعلته يتمنى الموت؟


ما زالت تتردد فى أذنى ومنذ طفولتى تلك الكلمات التى يطلقها الناس فى قريتنا، حين يحتدم بينهم النقاش، وينكر طرف من أطراف الجدال أو النزاع على الآخر صدقه ومصداقيته فيما يقول، فيقسم له بالله أو بالمصحف أو بالكعبة الشريفة، مؤكدًا ما يقول، وعندما لا يجد قبولًا أو استجابة من نظيره الآخر يقول له بالحرف: «يعنى أحلفلك على البخارى»، فى إشارة لا يعنى ظاهرة إلا أن البخارى هو القسم الأهم والأخطر وأنه لا شىء قبله ولا شىء بعده.

 

 وبالطبع لم تكن هذه مجرد ظاهرة سلبية فى قريتنا الطيبة، بل هى فى الحقيقة ظاهرة عامة وممتدة فى مجتمعنا المصرى، الذى تحمل فيه الأغلبية المسلمة السنية تقديرًا وتبجيلًا للإمام البخارى، وهو لا شك خليق بهذا التقدير وجدير بذاك التبجيل، وبالطبع يستوى فى هذا وذاك البخارى الشخص والبخارى الكتاب.

 

وإن كنا نرضى بذلك ونسلم به، فإننا فى ذات الوقت نرفض رفضًا تامًا هذه الهالة التقديسية للاثنين معًا - الشخص والكتاب – لأننا نؤمن أن القداسة لله وحده، ولا يليق بأمة تؤمن بذلك أن تجد فيها ولو شخصًا واحدًا بأن البخارى كقسم أولى وأجدر بالتصديق عن القسم بالله أو كتابه، أو بكعبته المشرفة.. مع إثبات أننا لا نحبذ كثرة القسم والأيمان وإن كان لابد فلا قسم إلا بالله، فهو الأعلى والأعز والأجل.

 

وهنا يحق لنا السؤال: متى بدأت هالة التقديس هذه حول الإمام البخارى وصحيحه والتى نزعم أن الرجل نفسه كان ضدها ولو عاش ما يحدث من مبالغات عنه وعن كتابه المهم لرفض كل ذلك وتصدى له بنفسه بكل قوة وبكل حزم؟

 

 ونسأل كذلك سؤالًا قد يكشف كثيرًا من الأمور: هل كان الرجل مقدسًا فى عصره وفى حياته؟

 

 بالنسبة للسؤال الأول، وفيما قرأناه عن البخارى وحياته وآراء العلماء فيه، يمكن أن نقول، إن هناك أقوال صدرت عن كثيرين من علماء السنة أضفت نوعًا من القداسة للبخارى وصحيحه، بدرجة لا تفرقه عن القرآن إلا قليلًا.

 

وفى أمة تلعب اللغة والكلمات دورًا مهمًّا فى صياغة العقول والأفكار، صار لهذه الكلمات ولهذه الأقوال التى صاغها هؤلاء العلماء عن البخارى وكتابه، تسربت حالة من التقديس للكتاب وصاحبه للدرجة التى جعلت كثيرًا من العوام دون قصد أو وعى يعتقدون أن البخارى أهم من القرآن الكريم ذاته.

 

من هذه الأقوال والآراء ما قاله القاسمى فى «قواعد التحديث»: 

«صحيح البخارى عدل القرآن، إذ لو قرئ هذا الكتاب بدار فى زمن شاع فيه الوباء والطاعون لكان أهله فى مأمن من المرض، ولو اختتم أحد هذا الكتاب لنال ما نواه، ومن قرأه فى واقعة أو مصيبة لم يخرج حتى ينجو منها، ولو حمله أحد معه فى سفر البحر لنجا هو والمركب من الغرق».

 

 هل يعنى هذا الكلام إلا التسوية بين القرآن الكريم وكتاب صحيح البخارى؟ وهل يلام عامى فيما يتبناه من اعتقاد فى المسألة بعد ذلك؟!

 

ولعل كلمات القاسمى هذه، وما نتج عنها من ممارسات العوام وقت الشدة والأزمات، هى ما جعلت العلامة محمد فريد وجدى يقول فى «دائرة معارف القرن العشرين»:

«وغلا بعضهم فرأى أن يستأجر رجالًا يقرؤون الأحاديث النبوية فى كتاب الإمام البخارى استجلابًا للبركات السماوية تمامًا كالقرآن».

 

وحتى لا نسترسل فى إيراد الأقوال التى لا حصر لها عن وحول البخارى وصحيحه، نتوقف أيضًا وفقط أمام ما قاله الإمام الجوينى إمام الحرمين:

«لو حلف إنسان بطلاق امرأته أن ما فى كتابى البخارى ومسلم مما حكما بصحته من قول النبى صلى الله عليه وسلم لما ألزمته الطلاق، ولا حنثته، لإجماع علماء المسلمين على صحتهما».

 

وبالطبع صارت هذه الحالة من التقديس سارية وممتدة بين العلماء والعامة على حد سواء.. وهذا كان كفيلًا بإعطاء كل ما جمعه البخارى حصانة، لا تقبل بأن يقترب أى مسلم من البخارى سائلًا ومستفسرًا، أو ناقدًا ومحللًا، وإلا فالتهمة جاهزة دائمًا وأبدًا، إن هذا من عمل الأشرار الذين يكيدون للإسلام وسنته ولا يريدون إلا هدم الدين والمروق من الشريعة، وهى فى مجملها وعلى تنوعها اتهامات بالكفر الصريح.

 

أما عن السؤال الثانى: هل كان البخارى مقدسًا فى عصره وفى حياته؟ فالإجابة بالقطع لا.. ولو كان الأمر على غير ذلك، لما تعرض الإمام البخارى لتلك المحنة والمأساة التى جعلت عقيدته نفسها موضعًا للشك والمساءلة، حين تصدى له جماعة من أهل زمانه وفيهم علماء ثقات، جعلوا من أنفسهم مراقبين على الضمائر ومفتشين فى النوايا وحماة للدين، فترصدوا لرجل فى حجم وقامة البخارى للدرجة التى جعلته يتضرع إلى ربه طالبًا الموت والخلاص.

 

لماذا طلب البخارى الموت وما الذى دفعه إلى ذلك؟

لقد رمى البخارى – ظلمًا وافتراءً – بالقول بخلق القرآن، بنفس الشكل تقريبًا الذى حدث مع الإمام أحمد بن حنبل، وأخرج من بلدته التى ولد ونشأ بها وعاش فى أحضانها، فمات غريبًا مبعدًا مطرودًا عن أهله، ودفن خارج بلده بخارى الحبيبة إلى قلبه ومسقط رأسه ومرتع صباه.

 

ولم تكن محنة البخارى مع أعداء الدين والسنة، بل كانت للأسف مع شيخه محمد بن يحيى الذهلى وهو من أكابر علماء الحديث ومعه جماعة من الفقهاء والمحدثين فى عصره، حيث رمى البخارى بالقول بمسألة اللفظ، أى اعتقاده بأن اللفظ بالقرآن مخلوق.

 

وأصل القضية أنه كما ساد اعتقاد بأن القرآن الكريم قديم «غير مخلوق»؛ لأنه كلام الله القديم، ولكن التلفظ بالقرآن فعل إنسانى محدث، والإنسان مخلوق «حادث» وبالتالى فإن اللفظ بالقرآن يكون مخلوقا.. فإنه فى ذات الوقت قد ساد اعتقاد بأن القرآن ما دام قديمًا، فكل ما بين دفتى المصحف قديم، وحتى التلفظ بالآيات قديم.

 

وقد حدث كما جاء فى «سير أعلام النبلاء للذهبى» و«تقييد المهمل» لابن عساكر، وطبقات السبكى: أنه لما وصل الإمام البخارى إلى نيسابور كزائر، استقبله معظم أهلها بالبشر والترحاب، واجتمعوا حوله؛ ليسمعوا منه الأحاديث النبوية الصحيحة.

حسده بعض العلماء والفقهاء من مشايخ نيسابور.. وبدؤوا فى إعداد حملة لتشويه الرجل واغتياله معنويًّا.. فدسوا فى مجلس الإمام رجلًا، كانت كل مهمته أن يفاجئ البخارى بهذا السؤال فى أثناء حديثه للناس، فقال: يا أبا عبد الله، ما تقول فى اللفظ بالقرآن، مخلوقٌ هو أم غير مخلوق؟ فأعرض عنه البخارى ولم يجبه، فأعاد الرجل السؤال مرات، حتى التفت إليه الإمام البخارى وقال: القرآن كلام الله غير مخلوق، وأفعال العباد مخلوقة، والامتحان بدعة.

 

 وتواصل الرواية «فشغب الرجل، وشغب الناس وتفرقوا عن البخارى، فقعد فى منـزله».

 

وهنا بدأت محنة البخارى ومعاناته فى نيسابور حياة البخارى فى نيسابور، وتزعم الحملة الموجهة ضده: الشيخ ابن حريث والإمام الذهلى، وادعيا على البخارى أنه خالف السنة.. تخيلوا ذلك؟!

 

وحسب ما جاء فى «تاريخ بغداد» فإن الذهلى قد قال: 

«ومن زعم أن لفظى بالقرآن مخلوق فهو مبتدع لا يجالس ولا يكلم، ومن ذهب بعد مجلسنا هذا إلى محمد بن إسماعيل البخارى فاتهموه، فإنه لا يحضر مجلسه إلا من كان على مثل مذهبه».

 

يا خبر أبيض! الجلوس مع البخارى أصبح شبهة وتهمة!!

وإمعانا فى إشعال الفتنة وتصعيد الأمور، هدد بعضهم بأنه لن يبقى فى بلدته، نيسابور، إذا ظل البخارى مقيمًا بها، مما يعنى وجوب طرده.

 

واستمر هؤلاء الفقهاء فى تشنيعهم وتضييقهم على البخارى، حتى دفعوه للخروج إلى بلدته الأصلية «بخارى» دون أن يودعه إلا شخص واحد من أهل نيسابور، وقد ظل البخارى ثلاثة أيام خارج أسوار نيسابور، يرتب أغراضه التى خرج بها على عجل؛ استعدادًا للرجوع إلى موطنه الأول بخارى.

 

وبعد خروج الإمام البخارى من نيسابور، تم توسيع دائرة الاشتباه والاتهام، فتحول هؤلاء الفقهاء والعلماء إلى مطاردة تلاميذ البخارى ومحبيه وكل المتعاطفين معه، وشملت القائمة الإمام مسلم «صاحب الصحيح» الذى أجمع العلماء على فضله وسعة علمه، وصار مع الإمام البخارى أهم اسمين فى تاريخ علم الحديث، حتى إن العلماء إذا وجدوا حديثًا رواه الاثنان معًا، وصفوه بأنه: متفق عليه «أى اتفق على روايته البخارى ومسلم» وبالتالى فهو فى أعلى درجات الصحة.

 

فقد حدث أن وجه الذهلى فى مجلسه، أمام جمهور الناس وفيهم الإمام مسلم، كلامًا مفاده أن الذى يعتقد بأن اللفظ بالقرآن مخلوق، لا يحق له أن يقرب مجلسى.. فقام الإمام مسلم، منصرفًا حتى لا يعرض نفسه للضغط والأذى.

 

وفى ظل هذا الجو الخانق، انتهى الأمر إلى اضطرار البخارى إلى العودة لبلدته «بخارى»؛ وأدًا للفتنة وإيثارًا للسلامة، ولما اقترب منها خرج الناس كلهم يستقبلونه، ونثروا عليه السكر والدراهم والدنانير ترحيبًا به، وإعظامًا لمكانته.

 

ولكن، هل يسكت الذهلى؟ بالطبع لا، فقد أرسل الذهلى إلى أمير بخارى، بريدًا أسود، يؤلب فيه الأمير والناس عليه، مدعيًا فيه أن الإمام البخارى خالف السنة، فأمر الأمير بطرد البخارى من بخارى، وإخراجه منها.

 

وبعد إخراجه من نيسابور وبخارى، توجه البخارى إلى خرتنك - من قرى سمرقند – وكان له بها أقرباء نزل عندهم، وكان يعانى آلام الظلم والاضطهاد وقد بلغ وقتها اثنتين وستين عامًا، وكان يكثر فى هذا الوقت من الدعاء والابتهال إلى الله بتلك الكلمات المليئة بالحزن والأسى: «اللهم إنى قد ضاقت علىَّ الأرض بما رحبت، فاقبضنى إليك».

 

ولم يلبث البخارى بعد ذلك أكثر من شهر حتى استجاب الله لدعائه، فاستراح من تعب الدنيا ومن ملاحقة من يعتقدون أنهم وكلاء الله فى أرضه.. يمنحون من يريدون صكوك الغفران، ويخرجون من يشاءون من حظيرة الإيمان.. لا فرق عندهم بين شخص وآخر، ولا يقيمون وزنًا لأحد أيًّا كان، حتى ولو كان الإمام الذى أفنى عمره فى جمع الأحاديث النبوية.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات