.

ما بين العنصرية واللا عنصرية.. لماذا تريدون قتل الله فينا؟

Foto

لماذا يقبل الله قرابين هبيل ولا يقبل قرابين قبيل؟ كيف قدمت كل الحضارات الثقافية بلا استثناء الدم فى سبيل إرضاء الآلهة؟


منذ فجر التاريخ أو أبعد بكثير منذ أن خلق الله آدم، وكم من جرائم ارتكبت باسم الله على هذه الأرض! إذ كانت قصة الخلق كما يرويها لنا القرآن الكريم على لسان رب العزة بدأت بسؤال استنكارى من الملائكة «وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّى جَاعِلٌ فِى الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء».

وأغلبنا يعرف أن هناك خلافًا فى تفسير هذه الآية بين المفسرين، ففيهم من ذهب إلى أن الملائكة مأمورة من الله بعلمه فهم يتحدثون بما علّمهم، ومنهم من ذهب إلى أن الملائكة أخذت وحدة قياس على ما كان يحدث من الجن على الأرض، فكما فسدت الجن وقتلت يفعل الإنسان.

والحقيقة كلما نظرت إلى تاريخ الديانات التى اعتنقها الإنسان جميعها، وجدت أن الإنسان يوظّف الدين لخدمة نفسه فقط، وليس لعبادة الله والتقرُّب إليه؛ فعلى سبيل المثال لا الحصر، أول جريمة قتْل كانت على الأرض كانت عنصرية وسببها الكره، كره الإنسان لأخيه الإنسان، فلماذا يقبل الله قرابين هبيل ولا يقبل قرابين قبيل؟ ولماذا زوجته أجمل من زوجتى؟يجب علىَّ قتله كى يخلو لى وجهه وحدى وأفوز بالجميلة وبالله.. هكذا كان تفكير قبيل وليس تفكير الله.

 

وكانت طلبات إله الذرة غريبة قليلًا، فهو لا يرضى بأقل من عذراء ترقص له 24 ساعة متواصلة، وبعدها يتم قتلها وسلخها، بل قيل إن أحد ملوك الآزتك ذبح فى حفل تنصيبه 80 ألف سجين إرضاءً لكل آلهته! كما كان الصينيون يذبحون عذراء، ويشربون دمها احتفالًا بالعام الجديد، والبوذيون أيضًا يذبحون فتاة ويقومون بتوزيع لحمها فى ما بينهم، ويروَى عن الفراعنة أنهم كانوا يزيّنون أجمل الفتيات ويلقونها فى النيل فى احتفال مهيب قربانًا للإله «حابى».

 

قد يكون هناك مبالغات فى التفاصيل والأرقام، كشأن الأساطير دائمًا، لكن لماذا هذا الإلحاح العميق فى الوعى الإنسانى على الدم حتى بعد ما جاء سيدنا إبراهيم وغيّر سُنة التقرّب إلى الله بذبح البشر عندما أمره الله أن يذبح ابنه إسماعيل، عليهما السلام، وافتداه الله بذبح عظيم، وأصبحت الأنعام تذبح بدل الإنسان، وجاءت من بعده الديانات التوحيدية الثلاث محرِّمة القتل والدم؟ لماذا إلى الآن نقتل أنفسنا باسم الدين؟!

 

فكم من جرائم القتل والفساد كانت باسم يهوه عند اليهود عندما فسروا التوراة على مزاجهم البشرى، وجعلوا أنبياءهم قتلة، وقتلوا فى الناس باسم الدين حتى عندما جاءهم المسيح صلبوه رغم أن الإسلام برّأهم من هذا بنص قرآنى «وما قتلوه وما صلبوه ولكن شُبِّه لهم»!

 

ولا أحتاج إلى التعداد، فالعهد القديم ملىء، وما يفعلونه فى فلسطين إلى اليوم شاهد عليهم من قتل وإلباس الدين عباءة السياسة.

كم من الجرائم ارتكبت للتقرب من ابن الرب والصليب فى المسيحية! كالحروب الصليبية التى خرجت من أوروبا باسم الرب ونصرة الصليب فى ظاهرها، ولكن فى الباطن كانت للاستيلاء على الشرق وتقسيم ثرواته، كذلك قصة «هيباتيا» التى نروى قصتها هنا لنظهر إلباس الدين عباءة السياسة فى كل الأزمنة والعصور.

 

كان التفاف جمهور المثقفين حول الفيلسوفة هيباتيا يسبب حرجًا بالغًا للكنيسة المسيحية وراعيها الأسقف كيرلس الأول الذى كان يدرك خطورة هيباتيا على جماعة المسيحيين فى المدينة، خصوصًا أن عدد جمهورها كان يزداد بصورة لافتة للأنظار، بالإضافة إلى أن صداقتها للوالى «أوريستوس» الذى كانت بينه وبين أسقف الإسكندرية كيرلس الأول، المُلقب بـ«عمود الدين» صراع سياسى فى النفوذ والسيطرة على المدينة.

كان أوريستوس مقرَّبًا إلى هيباتيا ويكنّ لها تقديرًا كبيرًا، كما قيل إنه كان أحد تلاميذها؛ وهو ما يفسر لما كان البابا كيرلس مستاءً مما قد يمثله وجود هيباتيا.

وزاد الأمر سوءًا أن الأسقف دخل فى صراع مع اليهود الموجودين بالمدينة، وسعى جاهدًا لإخراجهم منها، ونجح فى ذلك إلى حد كبير، وذلك بمساعدة أعداد كبيرة من الرهبان، الذين شكّلوا ما يمكن تسميته بـ«جيش الكنيسة»، ولم يكن باستطاعة الوالى التصدى لهذه الفوضى، بل وتعرض بدوره للإهانة من جانب بعض الرهبان الذين قاموا بقذفه بالحجارة، بعد أن علموا بالتقرير الذى أرسله للإمبراطور، متضمنًا الفوضى التى جرت بالإسكندرية جراء اشتباكاتهم مع اليهود، ومن ثم تأزمت العلاقة بين المسيحيين والوالى أوريستوس، رغم أنه كان مسيحيًّا أيضًا، وسرَت الشائعات فى المدينة أن سبب هذا العداء بين رجُلى الإسكندرية يعود إلى هيباتيا وتأثيرها فى حاكم المدينة، وهذا لم يكن يعنى -حسب اعتقادهم- أن المدينة لن تعرف الهدوء إلا بالخلاص منها. كان مقتلها مأساويًّا على يد جموع من الغوغاء المسيحيين الذين تتبعوها عقب رجوعها لبيتها بعد إحدى ندواتها، حيث قاموا بجرّها من شعرها، ثم قاموا بنزع ملابسها وجرّها عاريةً تمامًا بحبل ملفوف على يدها فى شوارع الإسكندرية حتى تسلخ جلدها، ثم إمعانًا فى تعذيبها، قاموا بسلخ الباقى من جلدها بالأصداف إلى أن صارت جثة هامدة، ثم ألقوها فوق كومة من الأخشاب وأشعلوا بها النيران.

 

ومن ثم نأتى إلى الإسلام، وكمسلم أمرَنى الله بتدبُّر العقل من بعد الإيمان به. وكان أول أمر سماوى لسيدنا محمد «اقرأ» والقراءة هنا لا تستوجب لغير عاقل كى يعى ما يقال، وكما أمرنا الله أن نتدبر وأن نستخدم العقل، أرانا نعبد الآن أصنامًا جديدة، فبعد أن رحل النبى محمد، صلى الله عليه وسلم، وترك فينا القرآن وما يتفق مع القرآن من السُّنة الحميدة، أرانا نتشبث ببشر جاؤوا بتفاسير للقرآن وجاؤوا بأحاديث مغلوطة ومدسوسة.

 

وكم من الجرائم ارتكبت باسم هذه التفاسير والأحاديث منذ الفتنة الكبرى، مرورًا بالحجاج بن يوسف الثقفى، وصولا إلى عصرنا هذا، حيث الوهابية والشيعة! وداعش يقتلون بها الناس ويهدمون الحضارات ويحللون ويحرّمون ويفسرون كما يحلو لهم، وجميع جرائمهم منسوبة إلى الله وباسم الله، وما هى إلا كما قُلنا أهواء بشرية، يلبسون الدين ثوب السياسة لتنفيذ أغراضهم البشرية.

فإن القرآن لا يحتاج إلى تفسير، فلقد أُنزل بلسان عربى مُبين، ولا مانع أن يقول أى إنسان مهما كانت خواطره حول القرآن، ولكن لا يلزمنا بها، وما ينفع فى عهد مضى ربما لا ينفع اليوم. نحن نلتزم بالنص القرآنى وبالحديث الصحيح الذى ينطبق معه، فلقد قال الله -سبحانه، وما ينطق عن الهوى- «إن هو إلا وحى يوحى»، كما نحترم كل الديانات التى تحثّ على الخير والجمال والإنسانية. لكُم الله الذى تعرفونه ولنا الله الذى نعرفه.

 

إن الله جميل يحب الجمال، الله محبة، الله يحدثنا ونحدثه، يرانا ونراه، فى قصيدة شعر، أو مقطوعة موسيقى، فى رواية، وفى قصة حب، وفى جميع ألوان الفنون، كما نراه فى الطبيعة المطلقة.

 

فبين أهوائكم وأغراضكم، وبين عنصريتكم ولا عنصريتكم، لا تقتلوا الله فينا.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات