.

يا ابن ياسر أبشر.. قتلتك الفئة الباغية

Foto

كيف حسم قتل عمار المعركة لعلِى والانتصار لمعاوية؟ لماذا حُرم عمار من المناصب ولماذا فشل فى الكوفة؟


فى مداولات الصلح بين على ومعاوية قبل الحرب فى «صفين»، سُئل معاوية: هل لو تمكنت من عمار بن ياسر ستقتله فى دم عثمان؟ فقال: نعم أقتله، لكن ليس فى دم عثمان وإنما فى دم مولى عثمان.

وذلك لأن معاوية أحد كُتاب الوحى وخامس خلفاء رسول الله، كان يظن مثله مثل القرشيين والصحابة أن دم عثمان القرشى ابن بنى أمية لا يلائم ولا يليق به دم عمار بن ياسر، حليف بنى مخزوم ومولاهم وابن مولاتهم سمية وعبدهم، ثم عتيقهم فى ما بعد.

صحيح أن الإسلام ساوَى بين المسلمين، حرّهم وعبدهم، ولكن فى الحقيقة، وفى الواقع المعيش بين صحابة رسول الله وفى مدينته المنورة كان العبد عبدًا والحر حرًّا فى المُعاملات والنسب والعمل والتقدير الاجتماعى، ووضْع عمار بن ياسر أفضل كثيرًا من وضْع بلال بن رباح، مؤذن الرسول وأطول الناس عنقًا يوم القيامة، فعمار فى النهاية عربى قحطانى من اليمن، وجارت عليه الأيام فى مكة مثله مثل زيد بن حارثة، ابن ثم مولى رسول الله، بينما بلال عبد حبَشى، وهى صفة كان يذكره بها ويعامله بمقتضاها حتى صحابة رسول الله، ومجتمع المدينة برمّته رفض تزويجه رغم شفاعات رسول الله، وحتى زواجه من أخت عبد الرحمن بن عوف التى قيل إنها كانت كبيرة منعزلة تخطّت سن الزواج، شكّك البعض فيه.

 

وياسر، والد عمار بن ياسر، أصلا من اليمن، من عرب قحطان، وجاء إلى مكة هو وأخواه، للبحث عن أخيهم الرابع الفارّ أو التائه أو الضائع بأى شكل من الأشكال، وعاد أخواه وبقى هو فى مكة، ولأنه كان لابد له من حامٍ أو وكيل أو مسؤول فى مكة؛ تحالف مع أبى حذيفة بن المغيرة بن مخزوم، عم خالد بن الوليد، وتزوج جارية له تسمى «سمية»، ويبدو أنه تزوجها دون أن يشتريها أو يعتقها، فقد وُلد عمار عبدًا مملوكا لأبى حذيفة الذى أعتقه وظل حليفًا ومولى له كوالده.

 

وحينما نزل الوحى على رسول الله، كانت أسرة عمار فى هذا الوضع، الأصل العربى القحطانى اليمنى، الأأصل قبليًّا من أشرف قرشى والمعاملة كعبيد، وكانوا من أوائل مَن آمنوا بالإسلام.

ويروى أن عمار أسلم ورسول الله فى دار الأرقم، هو وصهيب بن سنان فى وقت واحد، قال عمار: لقيت صهيب بن سنان على باب دار الأرقم ورسول الله فيها فقلت: أردت أن أدخل على محمد وأسمع كلامه.

فقال: وأنا أريد ذلك. فدخلنا عليه فعرض علينا الإسلام فأسلمنا.

وكان إسلامهما بعد بضعة وثلاثين رجلا.

 

وروى يحيى بن معين عن إسماعيل بن مجالد عن مجالد عن بيان عن وبرة عن همام، قال: سمعت عمّارًا يقول: رأيت رسول الله وما معه إلا خمسة أعبُدٍ وامرأتان وأبو بكر.

وقال مجاهد: أول من أظهر إسلامه سبعة: رسول الله وأبو بكر وبلال وخباب وصهيب وعمار وأمه سمية. وعذبتهم قريش، ووكز أبو جهل سمية برمحه فقتلها، ولحقها وقيل سبقها ياسر، فكانا أول شهداء الإسلام، وعمار عُذب وحرّق بالنار حتى أشرف على الموت، وروى عن أبى بلج عن عمرو بن ميمون قال: عذب المشركون عمارًا بالنار فكان النبى يمر به فيمر يده على رأسه ويقول: «يا نار كونى بردًا وسلامًا على عمار كما كنتِ على إبراهيم»، لكن فى النهاية استسلم، وهادَن القرشيين وردد هجومهم وشتْمهم للنبى حتى ينجو من العذاب. وروى عن أبى عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، قال: أخذ المشركون عمارًا، فلم يتركوه حتى نال من رسول الله وذكر آلهتهم بخير، فلما أتى النبى قال: ما وراءك؟ قال: شر يا رسول الله، والله ما تُركت حتى نلت منك، وذكرت آلهتهم بخير. فقال: فكيف تجد قلبك؟ قال: مطمئن بالإيمان. قال: فإن عادوا فعُد. أى قُل لهم نفس الكلام.

 

وعمار لم يهاجر إلى الحبشة، وهاجر إلى المدينة، وشهد «بدر» و«أحد»، والمَشاهد كلها جنبًا إلى جنب مع رسول الله، وكان حينما يأتى إليه يقول: «أهلا بالطيب ابن المطيب»، وعمار هو أول من بنى مسجدًا فى الإسلام، عن عبد الرحمن بن عبد الله عن الحكم بن عتيبة، قال: قدم رسول الله المدينة أول ما قدمها ضحى فقال عمار: ما لرسول الله بد أن نجعل له مكانا إذا استظل من قائلته ليستظل فيه ويصلى فيه، فجمع حجارة فبنى مسجد قباء فهو أول مسجد بنى.

 

وطول حياته ومسيرته وإيمانه كان عمار مجاهدًا، جنديا شجاعًا مُمتلئًا بالإيمان بالله ورسوله، ورغم أنه من المسلمين السريين الأوائل فى دار الأرقم بن أبى الأرقم وشهد الرسالة من منشئها إلى مستقرها لم ينقل عنه إلا قرابة الستين حديثا صحح البخارى منها خمسة فقط، وأغرب ما روى عنه مصارعته الجن الشيطان مع رسول الله؛ عن جرير بن حازم،  عن الحسن، عن عمار قال: قاتلت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الجن والإنس، قيل: وكيف؟ قال: كنا مع النبى، صلى الله عليه وسلم، فنزلنا منزلا، فأخذت قربتى ودلوى لأستقى، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: أما إنه سيأتيك على الماء آت يمنعك منه فلما كنت على رأس البئر إذا برجل أسود كأنه مرس، فقال: والله لا تستقى اليوم منها، فأخذنى وأخذته فصرعته، ثم أخذت حجرًا فكسرت وجهه وأنفه، ثم ملأت قربتى وأتيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال:  هل أتاك على الماء أحد؟ قلت: نعم، فقصصت عليه القصة، فقال: أتدرى من هو؟ قلت: لا. قال: ذاك الشيطان. 

 

ويبدو أن وضع عمار الاجتماعى كمولى لبنى مخزوم حرمه من المناصب وقيادة حتى السرايا الصغيرة فى عهد رسول الله رغم إجلاله وتقدير صبره وسبقه، وهذا ما حاول عمر بن الخطاب معالجته وعيّن «عمار» واليًا على الكوفة، ولكنه فشل وشكاه أهل الكوفة إلى عمر وقالوا: لا يحتمل ما هو فيه وغير كافٍ وعالم بالسياسة ولا يدرى على ما استعملته.

وعزله عمر، وقال له: أساءك العزل؟ قال: ما سرنى حين استعملت ولقد ساءنى حين عزلت.

فقال له: قد علمت ما أنت بصاحب عمل ولكنى تأولت «ونريد أن نمن على الذين استضعفوا فى الأرض ونجعلهم أئمةً ونجعلهم الوارثين». «القصص: 5».

 

وفى فتنة عثمان انضم عمار بن ياسر إلى الثوار، ويروى أنه كان يجاهر بقتل عثمان كحق لخروجه على كتاب الله وسُنة رسوله، وأعتقد أن انضمامه إلى سيدنا على ضد معاوية كما رفضه لعثمان، نابع من كراهيته لقريش التى أذلته جاهليًّا واحتقرته مسلمًا.

 

وفى صفين، قاتل عمار قريشا كالمقدم على الجنة وهو يهتف: اليوم ألقى الأحبة محمدًا وحزبه، والله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمت أنّا على حق وأنهم على الباطل.

 

وروى أبو البخترى أن عمار بن ياسر لما طعن طعنة الموت، قال: ائتونى بشربة. فأتى بشربة لبن فقال: إن رسول الله قال: «آخر شربة تشربها من الدنيا شربة لبن» وشربها ثم قاتل حتى قُتل. وكان عمره يومئذ أربعًا وتسعين سنة، وقيل ثلاث وتسعون، وقيل إحدى وتسعون.

 

وكان مقتل عمار سببًا فى انتصار علِى وهزيمة معاوية، وشكك أقرب المقربين له وقلبهم عليه بسبب ما روى عن الرسول أنه قال عن عمار: «تقتلك الفئة الباغية»، وروى عمارة بن خزيمة بن ثابت، قال: شهد خزيمة بن ثابت الجمل وهو لا يسل سيفًا، وشهد صفين ولم يقاتل، وقال: لا أقاتل حتى يقتل عمار فأنظر من يقتله فإنى سمعت رسول الله يقول: «تقتله الفئة الباغية».

فلما قُتل عمار قال خزيمة: ظهرت لى الضلالة، ثم تقدم فقاتل حتى قُتل.

 

ولما قُتل عمار قال: «ادفنونى فى ثيابى فإنى مخاصم».

وقد اختلف فى قاتله، فقيل: قتله أبو الغادية المزنى، وقيل: الجهنى طعنه طعنة فقط فلما وقع أكب عليه آخر فاحتز رأسه فأقبلا يختصمان كل منهما يقول: «أنا قتلته».

فقال عمرو بن العاص: والله إن يختصمان إلا فى النار والله لوددت أنى مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة.

وقيل: حمل عليه عقبة بن عامر الجهنى وعمرو بن حارث الخولانى وشريك بن سلمة المرادى فقتلوه.

وكان قتله فى ربيع الأول أو الآخر من سنة سبع وثلاثين، ودفنه سيدنا على فى ثيابه.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات