.

الحروب الصليبية ضد المسيحيين فى أوروبا والشرق

Foto

وصلت حملة "الناسك" على الأثر إلى "مالفيلا" حيث جرت موقعة جيش "والتر" ورأت آثارها المحزنة، ويقول "الآيكسى" أن "بطرس" رفض تماما أن يصدق أن هذه الجريمة الشنعاء يمكن أن تكون من فعل المجريين والبلغاريين لأنهم إخوة فى المسيحية!


الفكرة السائدة هى أن الحروب الصليبية حروب مسيحية شنَّها مسيحيو أوروبا خلال القرون الوسطى على المسلمين لأهداف معلنة، مثل استعادة مهد المسيح والمقدسات المسيحية والرد على غزوات الأتراك السلاجقة وتوسعهم فى أملاك الإمبراطورية الرومانية الشرقية (البيزنطية). لكن الحقيقة التاريخية تؤكد أن الحروب الصليبية لم تكن كذلك إلا على النحو المعلن فقط، بينما كانت عمليًّا حروبًا ذات طابع دينى وطبقى شنها الفرنجة الغربيون ضد المختلفين من أبناء الأديان الإبراهيمية الثلاثة، أى ضد المسلمين الذين بدأت الحرب ضدهم بإعلان البابا "أوروبان الثانى" فى مجمع "كليرمون" بفرنسا سنة 1095م، وضد اليهود المقيمين فى أوروبا الذين قامت الجيوش الصليبية بعدة مذابح ضدهم فى طريقها إلى أورشليم (بيت المقدس)، وضد المسيحيين أنفسهم: سواء المسيحيين البلغار والمجريين الذين استهدفتهم الحملة الشعبية الأولى فى أثناء مسيرها شرقًا، أو المسيحيين البيزنطيين الذين استهدفت احتلال عاصمتهم "القسطنطينية" الحملة الصليبية الرابعة (1021-1024م).

 

كانت هذه الحملة الأخيرة تجمعت فى مدينة البندقية بنية غزو مصر لكن مؤامرة جمعت بين دوق البندقية "إنريكو داندولو" وقائد الحملة "بونيفاس دى مونفيرات" غيرت وجهتها لاحتلال عاصمة الإمبراطورية المسيحية الشرقية، ورغم أن كرسى روما البابوى أعرب عن غضبه لهذا التغيير المشين فى وجهة "جيش الرب"، فإنه لم يتخذ اجراء عمليا مضادا، فقد اتفقت على احتلال العاصمة الشرقية مصالح تجار مدينة "البندقية" التى اتجهت لتحطيم منافس بحرى مهم لها، ومصالح أمراء الحملة الذين سيطروا على عاصمة كبرى وحكموا أراضيها بأنفسهم، ومصالح الكرسى البابوى فى تقليص سلطة الكنيسة اليونانية الأرثوذكسية وتوحيد مسيحيى العالم تحت سيطرة بابا روما الكاثوليكى.

 

لكن المدهش أنه منذ الخطوة الأولى فى الحملات الصليبية -ورغم هدفها المعلن وعدوها المعروف- كان الأوروبيون المسيحيون هم أول مَن عانوا من ويلات هذه الحملات وواجه عنفها وتعصبها وتطرفها وأعمالها العدوانية العسكرية، إذ يخبرنا مؤرخو الحملة الأولى -وهم من رهبان الحملات- أنها انقسمت إلى قسمين: قسم يطلق عليه "الحملة الشعبية" وتشكل من جموع المتطوعين من سكان القرى وفقراء المدن المتحمسين، وقسم يتكون من خمسة جيوش قوامها فرسان الإقطاعيات الأوروبية: الفرنسيون (الفرنجة) بشكل غالب ثم الإيطاليون والألمان وغيرهم.

 

تواكب انطلاق الحملة الأولى التى تسميها المدونات بالحملة الشعبية إلى أورشليم مع تخوف أبدته قيادات الكنيسة الكاثوليكية من الفوضى التى يمكن أن تنتج عن انطلاق غرائز العنف من عقالها والهياج الملتهب للحساسية الدينية عند الجموع، لكن ذلك لا ينفى مسؤوليتها عن ذلك إذ نقرأ فى تأريخ "فوشيه الشارترى" الذى كتب بين عامَى (1100-1106م) عبارات من خطبة البابا "أوروبان الثانى" التى دعا فيها لأول مرة للحرب الصليبية، وقال: "فليبادر أولئك الذين اعتادوا شن الحرب الخاصة ضد المؤمنين بالمسير ضد الكفار فى حرب يجب أن تبدأ لتنتهى بالنصر، وأولئك الذين ظلوا لصوصا لفترة طويلة ينبغى أن يتحولوا الآن إلى جنود للمسيح، وليبادر الذين حاربوا ذات مرة ضد الإخوة والأقارب فيحاربون الآن بحق ضد البرابرة (الأتراك)، وأولئك الذين كانوا مرتزقة مأجورين من أجل حفنة من النقود الفضية يجب أن يسرعوا للحصول على مكافأة خالدة"! والسؤال بالطبع عما يُنتظر من لصوص مرتزقة مأجورين يقتلون إخوتهم وأقاربهم وهم يشنون حربا من أجل الله؟!

 

نفس المعنى يرد بصيغة أخرى كاشفة فى رواية ثانية لخطبة البابا "أوروبان" يقول فيها: "فحتى الآن خضتم حروبا غير عادلة، غالبا ما وجهتم حرابكم فى وحشية ضد بعضكم البعض فى مجازر متبادلة بسبب الطمع والكبرياء فقط، وهو الأمر الذى تستحقون بسببه الدمار الأبدى واللعنة الأبدية، والآن نقترح عليكم أن تشنوا الحرب التى تجلب مجد الشهادة"! والسؤال بالتالى عن جدوى ومعنى قيام أقوام لم ينههم تدينهم عن شن الحروب العدوانية والتظالم والاحتكام للسيف فى ما بينهم بالمشاركة فى حرب ضد غيرهم المفروض أنها حرب دينية ونبيلة الغايات؟!

 

الحملات الصليبية التى تسببت فى إفناء أرواح عشرات الآلاف من المسيحيين واليهود فى أوروبا وكذلك من المشاركين فيها من قبل أن تضع أقدامها فى أراضى السلاجقة المسلمين (تركيا وشمال سوريا الآن) تجيب بوضوح عن الأسئلة، فأولى الحروب والغزوات الصليبية لم تكن موجهة ضد الأتراك السلاجقة فى الشام ولا ضد الخلفاء العباسيين فى بغداد ولا الفاطميين فى القاهرة وإنما ضد المجريين والبلغار فى عمق أوروبا المسيحية ذاتها، وهى وقائع تسمها مذكرات مؤرخى الحملة بالعار وتقول إنها وجهت ضد "إخوة فى المسيحية"!

 

الحملة الصليبية الشعبية (1096م) تسمت جيوشها -إلى جانب "جيوش الرب"- بجيوش "الحجاج الذين ينفذون الأوامر الإلهية"، بدأت تحركها خلال مارس من هذا العام بقوام من جموع هائجة من سكان القرى وفقراء المدن الباحثين عن مغفرة الرب وكنوز الشرق. تذكر المصادر التاريخية من قادتها شخصية "بطرس الناسك"، وهو راهب تشكك الأبحاث الحديثة فى كثير من الأساطير التى ارتبطت بوجوده فى الحملة وسبقتها، يصفه المؤرخ "جيوبرت النوجنتى" بأن: "كل ما يقوله أو يفعله كان يبدو وكأنه شىء مقدس لا سيما حينما كانت الشعيرات تنتزع من حماره للتبرك"! وشخصية "والتر المفلس" ويوصف بأنه "جندى شجاع معروف"، و"الكونت إميكو" الذى كان "رجلًا ذا سمعة سيئة"!

 

كما يذكر المؤرخ "آلبرت الآيكسى" فإن ستة عشر رجلًا من أتباع "والتر" تخلفوا فى بلدة "مالفيلا" التى كانت تنتمى فى هذا الوقت لمملكة المجر وخاضوا شجارا مع أهل البلدة ترتب عليه قتلهم، وبلغت الواقعة "والتر" بعد أن بلغ مدينة "بلجراد"، فخاضت قواته معركة ضد البلغار تبدد خلالها جيش الحجاج وانفصل جزء منه لائذا بإحدى الكنائس، لكن البلغاريين الذين هبوا للقتال من كل اتجاه لم يترددوا فى حرق الكنيسة بمن فيها ويقدر عددهم بستين شخصا. ولم يجد "والتر المفلس" بعد الهزيمة الساحقة وتشتت جيشه مفرا سوى الهرب إلى غابات بلغاريا، وبعد ثمانية أيام استطاع جمع ما تبقى من شراذم الحجاج والرحيل باتجاه القسطنطينة حيث عسكر خارج أسوارها بانتظار وصول جيش "بطرس الناسك".

 

وصلت حملة "الناسك" على الأثر إلى "مالفيلا" حيث جرت موقعة جيش "والتر" ورأت آثارها المحزنة، ويقول "الآيكسى" أن "بطرس" رفض تماما أن يصدق أن هذه الجريمة الشنعاء يمكن أن تكون من فعل المجريين والبلغاريين لأنهم إخوة فى المسيحية! ولم يكن ذلك إلا مجازًا بالطبع لأنه لا أحد كان يسكن أوروبا فى هذه الآونة غير إخوة فى المسيحية، كما أن "بطرس" لم يتمالك نفسه عندما رأى أسلحة ومتاع رفاق "والتر" معلقة على الأسوار للتفاخر بالانتصار عليهم فحرض جيشه على الانتقام، ودق هؤلاء الطبول واندفعوا وبيارقهم تخفق عاليًا صوب الأسوار وهاجموا العدو، سقطت المدينة سريعًا ولم يستطع سكانها الهرب، ومن حاول الفرار منهم باتجاه الجبال استأصل الحجاج شأفتهم، ويقدر المؤرخ "وليم الصورى" عدد من سقطوا فى هذا اليوم بأربعة آلاف مجرى بخلاف الجرحى، ثم استمر جيش الحجاج يتسكع بعد ذلك فى المدينة المقهورة مدة خمسة أيام حتى بلغ "بطرس الناسك" غضب ملك المجر الشديد بسبب المذبحة فجمع قواته للرحيل وعسكر بالقرب من بلجراد، عاصمة صربيا اليوم، لكنها كانت فى تلك الآونة جزء من مملكة المجر.

 

ورغم أن حاكم بلجراد سمح للحجاج عندما طلبوا بأدب أن يتزودوا من أسواق المدينة وحقولها بالمؤونة اللازمة إلا أن صنّاع المشكلات فى مؤخرة الجيش ضربوا ضربتهم التالية، انخرط بعضهم -ويبلغون مئة بتقدير بعض المؤرخين!- فى "شجار" فى أثناء عملية شراء من البلغاريين، وترتب على ذلك من جانبهم عنف وحشى وعربدة وإضرام نيران فى طواحين الغلال بالمدينة. وتحرك السكان بالطبع فقاموا بالهجوم على مؤخرة قوات الصليبيين وأعملوا فيهم سيوفهم. عندما بلغت أخبار المذبحة الجديدة "بطرس الناسك" الذى كان يستعد للرحيل فى مقدمة الجيش مال هو ورفاقه إلى التعقل محاولين تهدئة النفوس، حتى لا يتعرض الجيش للإبادة، لكن الإثارة بين الحجاج المقاتلين لم يكن يمكن تهدئتها وبالعكس كانت تزداد شراسة وعنفًا. وأتت شرارة الاشتعال مع اندفاعة لجيش المجريين من بوابات المدينة تسببت فى مقتل خمسمئة من حجاج جيش الرب غرقًا فى النهر بسبب خوفهم وجهلهم بالمكان، فهب الصليبيون إلى سلاحهم وجرت مذبحة أكبر وأوسع من سابقاتها بكثير، يقول "وليم الصوري": "واستمر البلغاريون فى غضب وقتلوا نحو عشرة آلاف مسيحى، واستولوا على العربات وكل البضائع والأمتعة، وسبوا كثيرا من النساء والأطفال، أما أولئك الذين هربوا فقد اختبؤوا فى الغابات الكثيفة".

 

بعد أربعة أيام استطاع "بطرس الناسك" تجميع فلول جيشه وعقد معاهدة سلام تكفل له استمرار المسير بمن بقى إلى مدينة القسطنطينية، لتتبعها الموجة الثالثة من الحملة الشعبية الصليبية التى اغتصب رئاستها لنفسه -كما يرد فى تأريخ "إيكهارت الأوربى Ekkehard of Aura – رجل يسمى "الكونت إميكو"، وكان رجلًا ذا سمعة سيئة بسبب أسلوب الطغيان الذى عاش به كما يقول المؤرخ. هذه الموجة الصليبية تخصصت فى ما يبدو فى الهجوم على اليهود حيثما وجدوا، وذلك بدافع غيرتهم على المسيح وتعصبهم له، وخلال حصار قلعة قرب مدينة مجرية انشغل جنود حملة "إميكو" بنزاع أخرق فى ما بينهم، وعلى حد وصف المؤرخين فإنه وقعت معجزة!: "بينما هم مشغولون فى الهجوم الأخير وعلى الرغم من أن الأسوار كانت قد تحطمت بالفعل وبدأ سكان القلعة بالهرب وبدأ جيش المدينة المحاصرة يضرم النيران فى مدينته تمهيدًا لهروبه منها، مع ذلك كله فبقدرة الرب العظيم هرب جيش الحجاج (الصليبيون) رغم انتصاره، وخلّف الحجاج وراءهم كل معداتهم، ولم يحمل معه أحد شيئًا سوى حياته الشريرة"!

 

وهو الحادث الذى علّق عليه تاريخ "ألبرت الآيكسى" Albert of Aix  بوصف قاس بقوله: "وهكذا نعتقد أن يد الرب كانت ضد الحجاج الصليبيين، الذين ارتكبوا كثيرًا من الآثام والمعاصى، والذين ذبحوا اليهود المنفيين طمعًا وجشعًا فى المال، وليس من أجل عدالة الرب، رغم أن اليهود أعداء المسيح، لكن الرب قاض عادل..".

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات