.

موسيقى راجح داود.. نبذة عن آلام السعادة

Foto

كيف يستطيع ذلك الرجل صاحب الملامح الجامدة كالصخر أن يزعزعنا بهذه القوة؟ كيف لعصاه الباردة كالثلج أن تتحرك فى يديه فتضرم فينا النيران؟


إذا كنت ممن يحبون موسيقى راجح داود وأسعدهم الحظ بحضور حفل من حفلاته النادرة، أو كنت مثلى ممن يشاهدونها على "يوتيوب"، فربما جال بذهنك ما خطر على بالى ذات مرة: كيف يستطيع ذلك الرجل صاحب الملامح الجامدة كالصخر أن يزعزعنا بهذه القوة؟ كيف لعصاه الباردة كالثلج أن تتحرك فى يديه فتضرم فينا النيران؟ التساؤل بلاغى لا يحتاج إلى إجابة، هو مجرد خاطر قد تكون انفعلت به مع المايسترو الكبير وهو يحرث أحوال النغم التى تتقاطع فيها علوم اللذة مع مهارات عازفيه.

 

موسيقى راجح داود بالذات لن تستطع أن تنفعل بها كما المصريون، أو مَن عاشوا فى أجواء موسيقاه السينمائية، حيث هناك طبقات للتذوق، طبقة ترتبط بالموسيقى المجردة، وطبقة متعلقة ببلاغة النغم فى التعبير عن المادة الفيلمية، وطبقة تتطلب أن تكون عشت بأجواء الحارة المصرية مع الشيخ حسنى ودهست قسوة الحياة ببلدنا آمالك وطموحاتك كما فعلت بابنه يوسف فأصبح كل همه وهمك أن ترحل عن البلد، أو أن تجبرك الفوضى القيمية التى عصفت بالمجتمع أن تحيا بشخصيتَين، أن تبتعد شيئًا فشيئًا عن كل ما تؤمن به، لتغترب عن ذاتك مثل يحيى أبو دبورة فى "أرض الخوف"، أو أن تكونى قد عانيتِ من الحرمان كما بطلات "الراعى والنساء"، أو أن تتوق نفوسكم بعد أن تشبعت بحكايات "هوانم جاردن سيتى" أن تعيش فى زمنهم الجميل هروبًا من زمن تكدس فيه القبح وتكومت به المرارت.

 

الكيت كات
احتضنت الموسيقى فى "الكيت كات" مشاهد وأحداث الفيلم بحيث تخطت دورها "التصويرى" وطمحت إلى أن تكون نطفة التكوين ومنتهاه، فبدت كأنها تنثر المشاهد والأحداث على امتداد ساعتين مدة الفيلم، طغت على كل شىء: القصة، التصوير، الإخراج، ومن ورائها عصا المايسترو تخضع الجميع لحركاتها ووقفاتها فى صرامة لا هوادة فيها.

 

تنويعات النغم وعطاياه غير المحدودة ختمت الموسيقى بخاتم الأبدية فلا يداخلك الملل لو سمعتها للمرة المئة بعد الألف، وجاءت تسمية راجح لتيمة الفيلم الرئيسية موفقة حد الخلق من عدم فـ"بسكاليا" هو قالب موسيقى إسبانى الهوية، مكون من شطرين "باس" ومعناها سائر و"كاليا" ومعناها الشارع، أى السائر فى الشارع، فجاءت كما أراد مبدعها تحذو حذو بطل العمل الشيخ حسنى "السائر فى الشارع" فهى ساحرة، متفجرة بالعواطف، مليئة بالمفاجآت، فرحة وحزينة، ساخرة، واثقة، جريئة لا تهاب شيئًا ولا أحدًا، وجرى هذا الاتفاق بعد أن استبعد داود الكمنجات المتعارف على استعمالها فى القالب الموسيقى بجانب الأرغن، ليُسكن عود الشيخ حسنى بدلًا منها.

 

أرض الخوف
فى "أرض الخوف" لا ملجأ لك سوى نفسك، إذا لم تستطع أن تسبر أغوارها لتعرف وتلزم فهو التيه، لهذا كان على الموسيقى الفيلمية فى ذلك العالم الفوضوى أن تصل إلى أعمق نقطة فى النفس المضطربة لتخاطبها، وهى المهمة التى تصدت لها موسيقى داود بنجاح، فجاءت كما وصفها شوبنهاور "أكثر اختراقًا لذواتنا من كل الفنون الأخرى، لأن كل تلك الفنون تخاطب الظلال فقط، بينما تخاطب الموسيقى الجوهر".

 

وفى مخاطبة الجوهر اعتمد راجح على فكرة لحنية مكررة بتنويعات مختلفة، كأنه أراد أن يحاكى قصة داود عبد السيد فى بعدها الدلالى المتعلق بحكاية النبى آدم وطرده من الجنة، وأننا نحيا أحداثها منذ البدء وحتى اليوم. جعلنا راجح داود "نحدق فى الوجود المرعب ونقبل عليه".

 

الراعى والنساء
تقول نظرية الأوتار الفائقة كما تقدمها الفيزياء الحديثة أن الكون ليس إلا سيمفونية أوتار متذبذبة، وعندما تستمتع إلى موسيقى "الراعى والنساء" تستشعر هذا المعنى، فكأنما الموسيقى فى تكرار الجملة اللحنية مرة بعد الأخرى ممتدة إلى ما لا نهاية، ليقع المستمع فى حالة من السكينة تقترب إلى حد التنويم المغناطيسى.

 

حوت المقطوعة فى جوفها الصحراء، وعبرت عن العزلة، وخلّقت الحرمان فى النفوس، فاستبقت المستمع على جوعه، ليشارك بطلات الفيلم معاناتهن، وحرضته فى الوقت ذاته على الاشتياق والإشباع كما حال النسوة الثلاث، لكنها لم تعده بذلك.

 

هوانم جاردن سيتى
الحنين هو العنوان الرئيسى لموسيقى داود فى "هوانم جاردن سيتى"، فكانت "استرجاعًا للفصل الأجمل فى الحكاية". ملأت الموسيقى فراغ المعنى فى حلقات المسلسل، واستبقت إحساس الحنين المشتعل على امتداد حلقاته، غير أنها أهاجت فى الوقت ذاته مشاعر الرثاء، كعرض جانبى، على ما صارت إليه الحال.

 

امتزجت موسيقى داود بكلمات سيد حجاب وصوت هدى عمار فى تتر البداية والنهاية، ليحرض المزيج الإبداعى عالى المقام المعنى على أن يتسلط بلا رحمة على الجمهور، وهذا ما جعل استعادة الموسيقى أو الأغنيتين يشق على نفس البعض، حيث حمولة المعنى تثقل الروح، بعد أن "رفرفت القلوب فوق اللى فات" لكنها لم تستطع أن تنظر "للى جاى"، لأنه لم يبشر بمثل هذا الجمال.

 

رسائل البحر
عندما تستمع إلى الموسيقى فى فيلم "رسائل البحر" قد يرد على الذهن أن الرسالة التى تلقاها يحيى لم يحملها له البحر بل موسيقى راجح، فجاءت متموجة فى نعومة ورقة بالغة كأنها تخشى أن تهدر ولو قليلًا فتقذف بالرسالة إلى الصخر لتنكسر زجاجتها أو يبتلعها البحر فلا تصل إلى يحيى.

 

ارتضت موسيقى داود هذه المرة أن تكون فى الخلفية، وأفسحت برضا نفس مجالًا أكبر للصورة كى ترشدنا إلى المعنى، مكتفية ربما بدورها فى أحداث الفيلم كفاعل جمع بين بطل الفيلم وفتاته، واستبدلت حضورًا وادعًا بآخر متسلط باذخ.

 

يستشعر المستمع لموسيقى راجح داود أن مكونات التأليف الموسيقى: اللحن، الإيقاع، الهارمونى، الطابع الصوتى قد استحالت إلى عناصر الحياة الأربع: الماء والتراب والهواء والنار، فشكل بها حيوات تفرح وتحزن، تبكى بأسى وتضحك مقهقهة، تتحرك لتُحرك الأشياء والأشخاص. تمردت الموسيقى السينمائية، بعد أن دربها داود، على دورها كحاشية، وتقدمت لتلعب فى أحيان كثيرة دور البطولة المطلقة.

 

هى أكثر من موسيقى سينمائية أو تليفزيونية، فوجودها يزدحم بالتفاصيل الصغيرة والقضايا الكبيرة، محملة بشحنات وجدانية كفيلة بأن تحيلنا إلى خرقات بالية، ومثقلة بمعان باتت أجيال درج وجدانها عليها تعزف عن سماعها، فتجربة الاستماع تجربة أكثر من جدية لموسيقى هى الأكثر مصرية.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات