.

كيف انتقل تبجيل صياح الديكة إلى الإسلام؟

Foto

لماذا قدست شعوب آسيا وأوروبا صياح الديكة وعزته إلى أسباب غيبية واعتبرته فعالًا فى جلب الملائكة وطرد الأشباح؟


الناظر فى أدبيات فروع الأنثروبولوجيا التى تهتم بدراسة الثقافات الأصلية والأزمنة القديمة يستطيع أن يتبين الأصول الحفرية والجذور المنسية لكثير من مواقف الحظر أو التحبيذ التى تقترن فى المأثور الدينى ببعض الكائنات والرموز الحيوانية والنباتية والجمادية. هذه الأصول تختفى وراء طبقات تصنعها أزمنة الصمت والنسيان، بعد أن تُهمل أسباب الحظر والكراهة أو أسباب التحبيذ والاحتفاء الأصلية إهمالًا تامًّا، ثم يعاد تبرير الحظر أو تفسير التحبيذ على خلفية معتقدات وطقوس الدين المستجدة. لكن يبقى بعد ذلك لمثل هذا التبرير الدينى -مهما بلغت براعة حبكته- من الطرافة والانحراف عن البديهة مثلما يبقى لملامح وجه أجريت له جراحة تجميل شاملة ومتقنة من انحراف خفى فى النسب يدل على أثر التدخل الجراحى، فمهما بدت هذه الطرافة مجهولة المنبع أو بدا هذا الانحراف خفيًّا فإنه يكشف فى النهاية للمتفحص المدقق عن حضور هذا الأصل القديم المخفى وراء طبقات من الطلاء التبريرى.

 

المثال النموذجى الذى يصلح دليلًا جيدًا لعمليات التبرير التجميلية النشطة هو مثال النهى عن سب الديك الذى يرد بغزارة فى تراث مدونة الحديث المنسوبة إلى النبى. إذ يروى عن الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجة، والنسائى، والبزار، وابن حبان، والطبرانى: أن ديكًا صرخ عند رسول الله فسبّه رجل فنهى النبى عن سب الديك، وفى بعض الروايات أنه قال: لا تلعنه ولا تسبه فإنه يدعو إلى الصلاة. ولعل أطرف وأغرب ما فى مثل هذا النهى هو محاولة تبريره بدعوة الديك إلى الصلاة، فالمؤكد أن الديوك وسائر جنس الدجاج وأجناس الحيوان خلا الإنسان لا تعرف كلها ماهية الصلاة ولا زمنها، ولا يمكنها أن تفرق بين إنسانًا نائمًا أو إنسانًا يصلى، ومن ثَمَّ فإن دعوتها للصلاة لابد أن تكون مستبعدة، خصوصًا أنها دعوة يفترض أنها موجهة إلى جنس المصلين وهم البشر وليس لأفراد جنسها من الديوك والدجاجات، وهو أمر بديهى.

 

ولابد أن القدماء أنفسهم استشعروا ما فى مأثور النهى عن سب الديك من غرابة فحاولوا حبك تبريره على خلفية منطقية بشكل أكثر إحكامًا، فيؤثر عن "عبد الله الحليمى" البخارى الشافعى (338-403هـ) قوله فى تفسير دعوة الديك للصلاة: "معناه أن العادة قد جرت بأنه يصرخ صرخات متتابعة عند طلوع الفجر وعند الزوال، فطرة فطره الله عليها فيتذكر الناس بصراخه الصلاة"، وحيلة العادة التى رجا "الحليمى" من ورائها تبرير الدعوة للصلاة مقرونة بفطرة الله ومحيلًا فضل تذكر الصلاة -وليس الدعوة إليها- إلى الناس بدلًا من الديك، تكشفها الثغرة الناتجة عن تحديده زمن الصياح عند الفجر والزوال، وهو ما يؤيد تذكير الديك للناس عند صلاة الفجر والمغرب فقط، مما لابد وأن يعزو له الغفلة عن التذكير بثلات صلوات أخرى هى الظهر والعصر والعشاء، وهنا لابد أن يتساءل المرء إن كان الديك الذى لا يستحق السب لدعوته للصلاة مرتين يمكن أن يستحقه لغفلته عنها ثلاثًا أم لا! وربما يُذكر هذا التساؤل على طرافته بلعنة "سعيد بن جبير" الذى كان له ديك يقوم فى الليل بصياحه، فلم يصح الديك ليلة حتى أصبح، فلم يصل سعيد تلك الليلة، فشق ذلك عليه فقال: ما له قطع الله صوته، فلم يسمع للديك صوت بعد ذلك!

 

وربما لم يكن خلو تبرير النهى عن سب الديكة من التضارب على هذا النحو هو ما ألجأ رواة الحديث إلى الغيب مرة أخرى فى بحث جديد عن تبرير لا يُرد، فيأتى فى كتاب البخارى حديث رقم 3127 عن أبى هريرة أنه قال إن النبى قال: "إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله فإنها رأت ملكًا"! وتبرير صياح الديكة بأنها رأت ملائكة ليس بأكثر سلاسة من تبريره بأنها تدعو للصلاة، رغم ذلك فإن ما يحتاج إلى تبرير أكثر من هذا النبأ عن الغيب اللا منظور والتساؤل عن الأسباب التى تجعل الديكة تخص بها، هو الربط بين وجود الملائكة وبين سؤال الله من فضله، فالمؤمن كما يفترض يسأل فضل الله فى كل وقت، ويرجوه من الله وحده وليس من ملائكته، الأمر الذى دعا "القاضى عياض" (476-544هـ) إلى تبريره بقوله: "كان السبب فيه رجاء تأمين الملائكة على دعائه واستغفارهم له وشهادتهم له بالإخلاص"! غير أن هذا الكلام ليس بأقل دعوة للتساؤل مما أراد أن يبرره، فالمؤمن يرجو العلم والإثابة على إخلاصه ليس بشهادة كائن مَن كان ولو كان ملاكًا، لكنه يرجوه بعلم عالم السر وأخفى، علام الغيوب الأقرب للإنسان من حبل الوريد ومن كل الملائكة!

 

ولا يستبعد كاتب هذه السطور قصدية السخرية الماثلة فى سؤال بخصوص "النهى عن سب المنبه" بحكم أنه يوقظ بدوره للصلاة، وكان السؤال موجهًا إلى واحد من أكبر مواقع الفتوى وأكثرها استخدامًا على الإنترنت وهو موقع "إسلام ويب"، وجاء فى الفتوى رقم (63128) ردًّا على ذلك وبعد الحديث عن حكم سب الديك هذا الكلام الطريف المرتبك: "إلا أن سب المنبه لا يقاس على سب الديك، فسب الديك منهى عنه فى كل حال، أما سب المنبه فإنه يقيد بما ذكرناه، لأن المنبه يوقظ للصلاة ولغيرها، بخلاف الديك"! ولا يدرى أحد كيف افترض مفتى الموقع أن صياح الديك -بخلاف صوت المنبه- لا يمكن أن يوقظ لشىء آخر غير الصلاة!

 

وبعد أن تلمسنا مواطن الطرافة والغرابة فى مأثورات النهى عن سب الديك ومحاولة تبريرها من جانب السلف الذين لم يكونوا غافلين -كما يبدو من محاولات التبرير ذاتها- عما فيها من طرافة وغرابة، نعود إلى بعض ما حشده باحثو الأنثروبولوجيا من أدلة مستمدة من البيئة الجغرافية الآسيوية والتاريخية الأقدم التى ولدت فيها ثقافة التبجيل لهذا الكائن الجميل. إذ يذكر الأنثروبولوجى الأمريكى "رالف لينتون" فى كتابه الموسوعى "شجرة الحضارة" أن الديكة والدجاج عمومًا كانت من الحيوانات التى دُجنت لأسباب دينية وليست اقتصادية، بل ويشير إلى الارتباط الذى انعقد فى ثقافة الشعوب الآسيوية القديمة بين صياح الديكة وبين الوقت الذى كان يتحتم فيه على جميع الأرواح المتجولة في أثناء نومها أن تسارع فيه بالعودة إلى الأرض. ويقول لينتون: "كان القرويون من سكان جنوب شرق آسيا يربون الدجاج لإخافة الأشباح والأرواح الشريرة إذ لم تكن تربية الدجاج من العمليات الاقتصادية ذات الربح وإلى يومنا هذا لا يأكل كثير من شعوب آسيا الجنوبية الشرقية بيض الدجاج ونادرًا ما يذبحونها إلا فى بعض الطقوس الدينية غير المهمة".

 

وبالتأكيد لا يُستصعب انتقال هذا التقليد التقديسى تجاه الديكة من شرق إلى غرب آسيا حيث نشأت وتأسست الثقافة العربية الأولى، وحيث تسلل هذا التقليد مع غيره من ثقافة العرب إلى دين الإسلام من خلال بوابة العنعنة الحديثية، خصوصًا أن الأنثروبولوجى الأمريكى ذاته يرصد انتقال تقليد تبجيل الدجاج وصياح الديكة من آسيا إلى أوروبا بقوله: "وبالرغم من أن الشعوب الغربية قد استخدمت الدجاج فى أغراض اقتصادية أكثر من إخوانهم من شعوب جنوب شرق آسيا، فإن الدجاج حمل معه عند انتشاره تلك الأسطورة القديمة الخاصة بفائدة الديوك فى تخويف الأشباح، وما زال ذلك ماثلًا يتردد بين الكثيرين كما نقرؤه مثلًا فى الأغنية الأسكتلندية التى تروى إحدى الأساطير، وما استطاعت الديكة أن تفعله فى طرد أشباح الأبناء الثلاثة عند عودتها"، والأسطورة الأسكتلندية التى يذكرها الأنثروبولوجى الأمريكى هى أسطورة "زوجة أشوزول" وتتحدث فيها الديوك إلى بعضها وتصيح فيها واحدًا بعد الآخر لطرد الأشباح التى تريد العودة للأرض. ولو لم يستطع المرء أن يسلم بانتقال أساطير تقديس صياح الديكة بين أرجاء آسيا، ثم من آسيا إلى أوروبا، فبوسعه على الأقل أن يسّلم بما يسميه القرآن الكريم "فطرة الله التى فطر الناس عليها"، ليس فى تذكر الصلاة بصياح الديكة كما يذكر القاضى "عياض" ولكن فى إسباغ القداسة الغيبية على صياحها.                                                                          

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات