.

محاولة حرق النبى إبراهيم بين الخيال الإيمانى والواقع التاريخى

Foto

تستمر قصة النبى إبراهيم بما فيها من سماحة وحنيفية وعقلانية.. فلم يوجد حرق فعلى بل تهديد بالحرق.. والنار المطفأة كانت نار الحقد أكثر من غيرها.. وقد نجّى الله إبراهيم والقلة المؤمنة الباقية معه...


حادث محاولة حرق النبى إبراهيم، عليه السلام، مشهور، وأخذ من المفسرين قديمًا وحديثًا نوعًا محددًا من التفسير الإعجازى، القائم على الإيمان دون البحث، وهى التفسيرات التى أخذها الناس بعضهم عن بعض وخُطب بها فى الجمع والجماعات، ودُوّنت فى الكتب والمراجع، رغم أن القرآن الكريم واضح فيها دون حاجة إلى تفسير، ولكن حرّاس أبواب السماء يقفون دون عقول الأمة، فأغلقوها حتى اليوم.

 

ونحاول أن نقرأ الآيات القرآنية التى ذكرت حادث محاولة الحرق بالنار، ثم نكتب عنها بعد التأمل، قال تعالى فى سورة "إبراهيم 51– 71": «وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ. إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِى أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ. قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِى ضَلالٍ مُّبِينٍ. قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللاَّعِبِينَ. قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِى فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ. وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ. فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلاَّ كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ. قَالُوا مَن فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ. قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ. قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ. قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ. قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ. فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ. ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاء يَنطِقُونَ. قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ. أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ. قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ. قُلْنَا يَا نَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ. وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ. وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ»، فى الآيات السابقة نرى حوارًا فكريًّا إلهيًّا ناطقًا على لسان إبراهيم أبو الأنبياء، حوار قائم على العقل والتجربة العملية، فهو يتساءل عن الأصنام بسخرية عقلية، لأنها لا تضر ولا تنفع، ثم قام بعملية تكسير للأصنام، إلا أكبر الأصنام، متهمًا إياه بسخرية عقلية بأنه هو الفاعل الرئيسى، وعندما عجز القوم عن محاورته، قالوا حرّقوه، وطلبوا النصر لآلهتهم الوثنية، ولكن الله طلب أن تكون النار بردًا وسلامًا على إبراهيم.

 

وقبل أن نقول رأينا، نقرأ ما جاء فى تفسير محاولة الحرق والبرد والسلام، قال الطبرى فى تفسيره الذى أخذ عنه اللاحقون: "أنهم لما أرادوا إحراقه بنوا له بنيانًا، فحبسوه فى بيت، وجمعوا له حطبًا، حتى إن كانت المرأة لتمرض، فتقول: لئن عافانى الله لأجمعنّ حطبًا لإبراهيم، فلما جمعوا له، وأكثروا من الحطب، حتى إن الطير لتمرّ بها فتحترق من شدة وهجها، فعمدوا إليه فرفعوه على رأس البنيان وألقوه فى النار.. وقال ابن عباس: لو لم يتبع بردها سلامًا لمات إبراهيم من شدّة بردها، فلم يبق يومئذ نار فى الأرض إلا طفئت، ظنت أنها هى تعنى وأخرجوا إبراهيم، فأدخلوه على الملك، ولم يكن قبل ذلك دخل عليه، وما أحرقت النار من إبراهيم إلا وثاقه، ولم يبق فى الأرض نار إلا طُفئت..."، ولم يشذ الشيخ محمد متولى الشعراوى عن القاعدة، ولكنه أضاف إليها بهاراته اللغوية، فقال باللهجة العامية كما هو مشهور عنه: "المهم بعد حادثة تكسير الأصنام الشهيرة, قوم سيدنا إبراهيم اجتمعوا، إنهم هيعاقبوه بالحرق.. فابتدوا يبنوا محرقة كبيرة ويجمعوا الحطب لدرجة أن كان المريض منهم ينذر نذر إنه لو شُفى من مرضه هيجمع الحطب لحرق إبراهيم -قال يعنى بيتقرّب للآلهة عشان يشفوه- حتى الخيّاطة كانت تبيع شغلها وتجيب بالفلوس حطب للمحرقة! ليييه يعنى وكل الناس بتشارك باستماتة.. قربانًا للآلهة بقى ودفاع عنها وبتاع.. قعدوا ع الحال ده شهر تقريبًا, لحد ما بقت النار من شرارها تحرق الطيور اللى معدّية فى السما.. احتاروا هيرموا سيدنا إبراهيم إزاى، ما هو ماحدش قادر يقرّب.. فأوحى لهم الشيطان بالمنجنيق! ربطوا إبراهيم كويس وحدفوه, وماقالش غير كلمة واحدة "حسبى الله ونعم الوكيل".. فربنا قال "يا نار كونى بردًا وسلامًا على إبراهيم", فنفخت كل حيوانات الأرض النار عن إبراهيم, ما عدا البُرص هو الوحيد اللى نفخ النار على إبراهيم.. ومن هنا جاء حديث الحث على قتل البُرص وأن اللى يقتله ياخد أجر.. المهم النار فعلًا بقت برد لدرجة إنه يُذكر إن مافضلش يومها نار فى الدنيا كلها إلا وانطفأت، ومن رحمة ربنا أنه قال: "بردًا وسلامًا"، فلو قال بردًا بس كان سيدنا إبراهيم اتجمد من كتر البرد..".

 

وكلها كما نرى أقوال اختلط فيها الإيمان بالخيال، وامتزج فيها الواقع والمعجزة بالأسطورة، فالنار المطلوبة لحرق رجل لا تحتاج إلى شهر لجمع الحطب، حتى تتوهج وتحرق الطيور فى الهواء، كان يكفى حفرة وبعض الحطب للحرق، ولا نعرف ما سر العداء بين حيوان "البُرص" والنبى إبراهيم، لكى تنفخ النار عليه رغم ضآلة حجمها، وكيف أن النذور ظلت شهرًا من الخيّاطات وربات المنازل والمرضى من أجل حرق رجل واحد، وهو ما يجعلنا نعترف بقصورنا الخيالى ونقول إن كل التفاسير التفصيلية لهذه المحاولة الفاشلة تخالف النص القرآنى، كما كان من الضرورى أن يهلك الله قوم إبراهيم لو رأى القوم إبراهيم خرج سالمًا، وأن النار لم تحرقه بمعجزة كونية ثم كذّبوها، ولكننا لم نسمع أو نقرأ فى القرآن أو التوراة عن هلاك قوم إبراهيم كما هلكت أقوام نوح وعاد وثمود.

 

وعندما نعود إلى قراءة النص القرآنى، لوجدنا أولًا أن إبراهيم النبى لم يكن وحده، بل كان معه مؤمنون آخرون، وغاب ذلك عن أكثر المفسرين، قال تعالى فى سورة "الممتحنة4": "لقد كان لكم أسوة حسنة فى إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا براء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده.."، وهنا ندرك أن إبراهيم لم يكن وحده، ومن الطبيعى أن التعذيب والملاحقات والمحاورات، كانت مع إبراهيم ومَن معه من المؤمنين، وأنهم تبرأوا معه من الكفّار، ومن المنطقى أن يكون حادث محاولة الحرق يشمل إبراهيم وجماعته كلها، ولكنهم جميعًا نجوا من محاولة الحرق، وثانيًا: نجد أن الوثنيين طلبوا حرق إبراهيم بغل وحقد وكفر، ولكن الله قال لنار حقدهم وغيظهم أن تنطفئ، خصوصًا أن إبراهيم اعتزلهم بالفعل كما جاء عند محاورته لأبيه الوثنى فى سورة "مريم 48": «وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّى عَسَى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّى شَقِيًّا»، فقد اعتزلهم إبراهيم بالفعل بعد حادث الحرق، لأنه لو كانت العزلة قبلها لكان من السهل عليهم القبض عليه، وفى كل الأحوال نجّى الله إبراهيم ومن معه، فختام الآيات تدل على أنه لم تكن هناك محاولة للحرق من الأصل، "وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ. وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ"، فلم يقل الله "وأرادوا به حرقًا"، ولكنه قال «وأرادوا به كيدًا»، والكيد هو المكر، والمكر لا يكون إلا بين ضعفاء ضد قوى، وقد رأوا ضعفهم فى مقابل قوة إبراهيم فى منطقه العقلى الإيمانى، عندما طلب منهم بسخريته أن يسألوا الأصنام عن المتهم بتكسيرها، وعجزوا عن الرد عليه، فحاولوا إذن المكر والكيد له بالتهديد بالحرق الجسدى والمعنوى، ومن ثَمّ ذكر الله نجاة إبراهيم ومعه النبى لوط إلى الأرض المباركة، فالكيد الوثنى أطفأه الله بالبرد والسلام، فغفلوا أو تكاسلوا عن محاولة حرقه، ثم نجاه الله، فرحل عن بلده  "أور" فى العراق إلى أرض "فلسطين"، ثم تستمر قصة النبى إبراهيم بما فيها من سماحة وحنيفية وعقلانية، فلم يوجد حرق فعلى، بل تهديد بالحرق، والنار المطفأة كانت نار الحقد أكثر من غيرها، وقد نجّى الله إبراهيم والقلة المؤمنة الباقية معه... هذا والله فى النهاية هو الأعلى والأعلم.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات