.

رؤوف مسعد يكتب: المولودة.. أم وزوجة وماركسية من طراز فريد

Foto

نجد أن يوليو تأكل أبناءها كذئبة جائعة.. فتسجن سعد كامل مؤسس الثقافة الجماهيرية، بتهم بعضها تلفيقية وبعضها سياسية باعتباره من المعارضين ليوليو إبان الفوضى السياسية التى صاحبت وأعقبت ثورة تموز/ يوليو العراقية


بدايةً، التحية والتقدير للكاتبة نادية كامل (فيلم تسجيلى سلطة بلدى) على صبرها ودأبها وهى تسجل الكلام والحكى من والدتها قبيل وفاتها.. تحكى عن مصر فى مرحلة ما قبل يوليو إلى عهد مبارك، تربط تاريخها الشخصى باعتبارها (أى الأم) بنتًا لأب يهودى وأُمًّا مسيحية ثم مناضلة ماركسية قبل أن تكون زوجة لمناضل وطنى ماركسى هو سعد كامل مؤسس الثقافة الجماهيرية وأحد مؤسسى حركة السلام المصرية.. وسجين ناصر والسادات ومؤسس -كما قُلت- أهم تيار ووعى ثقافى مصرى هو الثقافة الجماهيرية وقصور الثقافة التى كانت جديدة على الذائقة المصرية لكنها احترمتها وتبادلا التغذية والنمو، حتى تم القضاء عليها فى عهد مبارك، لتتحول إلى شىء آخر.


تحكى مارى روزنتال/ نائلة كامل، تجربة حياتها فى مصر التى عاشتها حتى سنوات عمرها المتقدم فى منطقة من مناطق القاهرة الشعبية، أولًا مع والديها، وشقة من شققها فى حى الدقى، حتى رحلت عن عالمنا، وكان لى الحظ الحسن أن أشاهد سلاطة بلدى لثلاث مرات، بدايةً من مهرجان "إدفا" الهولندى العالمى للأفلام التسجيلية، وأن أتعرف على نادية كامل المخرجة، وأن أذهب بعد ذلك حينما كنت فى زيارة إلى مصر إلى شقة الأسرة معزيًا فى سعد كامل الذى لم أتعرف عليه بشكل جيد، نتيجة لاختلاف العمر ونتيجة أيضًا لاختلاف مجال الرؤية السياسية فى عهدَى السادات ومبارك، وقبل ذلك فى الحقبة الناصرية.

 

لفت انتباهى فى الكتاب الذى يتجاوز خمسمئة صفحة (دار الكرمة المصرية) الطريقة التى تحكى بها البنت الإيطالية مارى، المولودة فى مصر، ولا تعرف وطنًا سواها، عن تجربتها فى الحركة الشيوعية المصرية، ثم فى السجون المصرية لمدة أكثر من خمس سنوات على بضع مرات، ثم الصحافة المصرية وحركة النساء العالمية ومنظمة محو الأمية التى أسستها رعاية النمر الفنانة وزوجة الفنان أبو العنين.. وسوف ترد أسماء عشرات المثقفين المصريين الكبار والمهمين، مثل أحمد بهاء الدين وحسن فؤاد ورشدى أبو الحسن وصلاح حافظ والطبيب النفسى أحمد عكاشة شقيق ثروت عكاشة، ورفعت السعيد وخالد محيى الدين وكمال القلش وعبد الستار الطويلة، مع قائمة طويل بزوجات هؤلاء الأعلام، بل وبهنرى كوريل الشخصية اليهودية المصرية شبه الأسطورية الماركسية.

خلطة كبيرة وقوية لمصر الأربعينيات وما قبلها وحتى مصر مبارك.. شخصان تنعزل حولهما خريطة مصرفى تلك الأيام: هما الزوجة نائلة كامل المولودة مارى أيلى روزنتال.. وحكايتها كما ترويها هى إلى ابنتها نادية كامل، ثم الأب سعد كامل، وهو واحد من شخصيات الحركة الثقافية والسياسية فى مصر عبر أكثر من خمسين عامًا، حيث كان أحد المؤسسين لحركة السلام المصرية مع يوسف حلمى، وكلاهما "مُتهم" من جهات الأمن بالشيوعية.

 

نال الزوجان، كل منهما، خمس سنوات سجنًا بتهمة الشيوعية، كما تم الحكم قبل ذلك على نائلة كامل بالسجن، تمهيدًا لترحيلها من مصر، وهو الأمر الذى قاومته بقوة مع سعد كامل، حتى حصلت على جواز سفر وأوراق هوية مصرية، فهى المولودة فى مصر من أب يهودى إيطالى وأم مسيحية إيطالية، قدما إلى مصر مع آخرين للارتزاق وزرعا أنفسهما مع مئات غيرهما من الأجانب داخل النسيج اليومى المصرى من أعمال وحرف صغيرة، لكنها ضرورية فى المجتمع المصرى، المجتمع المصرى الذى رحب بالأجانب من مسيحيين ويهود منذ عهد محمد علِى وما بعده، والذين أيضًا أسهموا فى تأسيس نهضة حضارية، مثل المسرح والصحافة اليومية، بل والسينما والغناء (فريد وأسمهان الأطرش)..
 

لكن كل ما كان به نفع للمصريين من إنجازات يقوم بها الأجانب أطاحت به جماعة يوليو لأسباب غير وطنية أو لعلها أسباب قومية شيفونية وهوما يطلق عليه فى القاموس السياسى الحديث "التطهير العرقى".. لعل ناصر ومَن معه كانت رغبتهم إرجاع مصر إلى ما يتخيلونه هم -خطأ- عن مصر الفلاحين والصنايعيىة (فى أغنية سيد درويش)، ولذلك بدؤوا بقانون الإصلاح الزراعى بعد إعدام عاملَين ظلمًا فى كفر الدوار دون محاكمة حقيقية، هما خميس والبقرى.. وخلال إفراغ مصر من الأجانب الذى استمر بضع سنوات تم سجن وتعذيب وقتل أحيانًا لنخبة من المعترضين والمعارضين وحتى المؤيديين من شيوعيين وإخوان ونقابيين وإرهابهم مثلما فعلوا مع السنهورى بأن يرسلوا بلطجيًّا يقذفه بحامض الكبريتيك الحارق..

 

وتؤكد الراوية هنا فى أكثر من مكان "موضوع الهوية"، هى مولودة فى مصر لكن دولة مصر لم تعطها أوراقًا ثبوتية بذلك إلا بعد قضايا وواسطة. فقد كانت هذه الدولة بعد أن عاقبتها أكثر من مرة بالسجن تريد طردها خارج مصر. لكنها قاومت على العكس من كثيرين من الأجانب مسيحيين ويهود ورفعت دعاوى ضد الترحيل، حتى استطاعت إثبات مصريتها، وبالتالى بقيت عائشة فى مصر حتى وفاتها..

 

الهوية اليهودية لهذه السيدة كانت متراجعة إبان نشاطها السياسى الماركسى، فلم تهتم كما تقول فى آخر "الحكى" عن أقربائها الذين تم طردهم من مصر أو الذين رحلوا بطوعهم لاكتشافهم التغيرات الحاصلة من "دولة مصر" تجاههم وكيف انعكست هذه المتغيرات عليهم، خصوصًا بعد حربى 56 و67، خصوصًا الأولى، حيث شاركت فرنسا وإنجلترا فى العدوان على مصر، مما أجَّج حفيظة لدى المصريين -كما تقول السيدة نائلة- تجاه كل الأجانب.

 

هى تقول إنها تفرق بين الصهيونية واليهود وتعرف أن إسرائيل كدولة تسببت فى المأساة الفلسطينية لكنها تريد أن تحدد موقفها من الشعب المقيم فى دولة إسرائيل ودوره فى تأييد أو عدم تأييد عدوان الدولة الصهيونية على الفلسطينيين والعرب.

 

وسوف نعرف أو بالفعل قد عرفنا أن فيلم "سلطة بلدى" الذى قدمته نادية كامل كاتبة الكتاب أن الأسرة كلها راحت إلى فلسطين/ إسرائيل بما فيها الفرع المصرى، مثل الزوج سعد كامل والحفيد المصرى الفلسطينى "نبيل" ابن شقيق الدكتور نبيل شعث الفلسطينى. ها نحن هنا أمام أسرة يهودية مسيحية فلسطينية مسلمة إيطالية.. أى كل هذه الهويات الممتزجة فى "سلطة بلدى".

 

الملاحظة الثانية هى اهتمام الجدة "نائلة" بأن يفهمها ويفهم موقفها من الهوية اليهودية، حفيدها نبيل المولود من ابنتها دينا كامل المتزوجة فلسطينيًّا من عائلة شعث بأن يتفهم موقف جدته من أقاربها اليهود فى إسرائيل كما أخذته فى أكثر من زيارة لأقاربها المسيحيين من جهة أمها المسيحية الإيطالية التى تزوجت يهوديًّا..

 

الملاحظة الثالثة هى كيف أن ضباط يوليو ودولة يوليو أصدروا الأوامر بالترحيل لليهود تحديدًا والأجانب، بحيث تم إفراغ مصر تقريبًا من كليهما.. وبالتالى نزح جزء من اليهود المطرودين من مصر إلى إسرائيل (!)

 

إنه ليس بالكتاب السهل كتابته: إضافة إلى التطهير العرقى الذى قامت به دولة ونظام يوليو نلاحظ سقوط نظرية "النقاء العرقى" اليهودى/ الإسرائيلى كمثال فى هذه الأسرة، بل نجد أن الأب اليهودى روزنتال يقوم بإعادة زواجه مع زوجته بزواج مسيحى ويعتبره هدية لها فى عيد ذكرى زواجهما (!)

بل ونجد أن يوليو تأكل أبناءها كذئبة جائعة.. فتسجن سعد كامل مؤسس الثقافة الجماهيرية، بتهم بعضها تلفيقية وبعضها سياسية باعتباره من المعارضين ليوليو إبان الفوضى السياسية التى صاحبت وأعقبت ثورة تموز/ يوليو العراقية لعبد الكريم قاسم (اليسارى) وعبد السلام عارف، .حيث اعتبرت يوليو أن تأييد الشيوعيين لقاسم والإطاحة بعارف (القومى البعثى) ضربة لها ولمشروعها العربى التوحيدى..

 

إضافة طبعًا إلى إقصاء خالد محيى الدين ويوسف صديق ومحمد نجيب (بالطبع)، والأخير أبعدته يوليو إلى بيته ولم يخرج منه إلا محمولًا على الأعناق فى رحلة أخيرة إلى العالم الآخر.

ونجد أيضًا أن أنور السادات لم يتحمل نقدًا خفيفًا من أقرب الناس إليه، مثل أحمد بهاء الدين الذى كان قريبًا منه ويصيغ له خطاباته وخطبه، فيعزله عن عمله فى صحيفة "الأهرام"، لأن بهاء وقَّع مع نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم الوثيقة الطلابية الشهيرة التى تدين السادات بعدم الحرب مع إسرائيل بالحجة التى ذكرها السادات "الضباب"، فيخرج بهاء الدين من منصبه إلى بيته مشلولًا لا يستطيع الكلام!

تتساءل نائلة كامل كيف استغرقها العمل السياسى فلم تبالِ بما يحدث لعائلتها من هجرة طوعية وأخرى قسرية إلا بعد سنوات طوال، وهى فى نهاية حياتها.. تتساءل أيضًا: هل استطاعت أن تكون أُمًّا صالحة وسياسية مخلصة لمبادئها وزوجة يلتجئ إليها زوجها يطلب الأمان والأمن والنصح إبان أزماته مع النظام ومع رفاقه أيضًا؟

 

إنه كتاب موجع بشكل مذهل وشفاف لأم وزوجة ومناضلة سياسية ووطنية.. وهى أسئلة صعبة وإجاباتها قد تكون مؤلمة، لكنها تطرح هذه التساؤلات فى أكثر من مكان وتريد من ابنتها الكبرى ان تطمئنها -على الأقل- بأنها قامت بما يجب عليها القيام به كسيدة متعددة الوظائف والاهتمامات فهى مولودة عام 1931، ولم تفتح قلبها وصدرها للحكى إلا وهى فى السبعين من عمرها، ونادية كامل فى الأربعين ليبدأ "الحوار" عام 2001، تكتب الراوية الابنة الأمينة نادية كامل فى مقدمة الكتاب "كانت تستند إلى عينى برفق لتطل على هوة ذاكراتها. زحفت القصص عليها تنزح منها وتكسح على.. غمرتنى اشرب ما اشرب وأعب ما أعب.. فجرفنى التيار فلم يبق حجر واحد من بنيانى فى مكانه، ثم ابتلع الطوفان العائلة كلها. بعد موتها وجدت نفسى لوجدى أمام مهمة الكتابة، كان على أن أستلهم سر السرد من صوتها فى كيانى".

 

الملاحظة هنا من حكى السيدة نائلة كامل هو تأثير يوليو كانقلاب أمنى على الشعب المصرى. وهو ابتعاد أصدقاء سعد كامل عنه بالتدريج حفاظًا على خطوطهم (وأكل عيشهم) وكيف أصبح الهاجس الأمنى لجماعة يوليو مسًّا قويًّا أكثر من كل حكام مصر السابقين (من وجهة نظرى) وليس أدل على ذلك من خلق تنظيم مشوه سرى اسمه التنظيم الطليعى من داخل الاتحاد الاشتراكى الذى فشل فى أن يكون حزبًا أو تنظيمًا سياسيًّا للشعب المصرى، بل تحول إلى جماعات أمنية تتبع كل جماعة فردًا أو أفرادًا من يوليو كما حدث حينما تم القبض والاعتقال وتلفيق قضايا لمحمود السعدنى وجمال الغيطانى والأبنودى وعشرات غيرهم من "نخبة" التنظيم الطليعى!

 

فقد خلعت يوليو ثوبها "الثورى" قبل السكتة القلبية الأولى لها، لترجع مرة أخرى تنظيمًا سريًّا انقلابيًّا وأسهمت يوليو بقوة على أسس الأخلاق المجتمعية المصرية بتنظيمات أمنية متعارضة بعضها لبعض يقودها مجموعة من الممسوسين أمنيًّا وقد فقدوا الثقة نهائيًّا فى الجماهير. وقد حدث هذا التشويه المجتمعى إبان يوليو ناصر وتزايد فى عهد السادات ثم مبارك..

 

وتقول الأم لابنتها تذكرها بما مر به والدها سعد كامل من اكتئاب نتيجة خيبة أمله فى يوليو وكذا فى بعض رفاقه أفضى به إلى العزلة وأنوفه عن "مد يده" إلى السلطات فى عهد مبارك حينما حاول بعض الأصدقاء القدامى مد الخطوط بينه وبين السلطة من جديد، وكيف سأل مبارك سعد كامل "إذا كان عاوز حاجة" حينما التقيا، فيرد سعد شاكرًا بأنه مش عاوز حاجة، ليواصل عزلته واكتئابه حتى رحيله عن عالمنا وهو كما تقول زوجته الذى خلق الفرص النادرة والعديدة للآخرين، مثل أول رقيب مدنى على الأفلام مصطفى درويش، ورئاسة حسن فؤاد للجريدة السينمائية الناطقة، وأبو العنين، وزوجته السيدة رعاية النمر لمسرح العرائس..وبهجت لرسام كاريكاتير متفرغ.. إلخ. 

 

كتاب موجع لتاريخ أمنى وعسكرى دامٍ!
ونحن نقول كما قال الكثيرون بعد القراءة "شكرًا للأم للحاكية والابنة الأمينة المسجلة.. فنحن نرى مصر من باب لم نكن نعرفه ولم يهتم الكثيرون منا بفتحه!"

 

المولودة رواية نائلة كامل المولودة مارى أيلى روزنتال- نادية كامل- دار الكرمة- 2018- القاهرة

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات