.

البلاهة.. حداثتنا المنجزة

Foto

أضحت البلاهة أو اللا فكر بُعدًا ملازمًا لعالمنا الثقافى بعد فشل محاولات تطويع التراث الدينى وتوطين أفكار ورؤى الحداثة ليسود "التشبه" ويغدو واقعًا مطمئنًا لا تزعجه الحقيقة حيث لا وجود لها


سبقت مصر اليابان فى طرق أبواب الحداثة بفارق زمنى يزيد على نصف القرن، لكن السبق المصرى لم تنبت له ساقان يخطو بهما خطوات ذات قيمة نحو النهضة، فى الوقت الذى استطاعت فيه بلاد الشمس المشرقة أن تنجز نهضتها وعبر درب مغاير لما سلكته أوروبا.

 

أولى خطوات الإصلاح اليابانية واكبت إعلان الإمبراطور مييجى (1852ـ 1912) الشنتو دينا رسميًّا للبلاد، أى بخلاف ما حدث فى الغرب من إزاحة الدين بعيدًا عن المجال العام، كما أن التيار المحافظ هو مَن قاد حركة الإصلاح بعد أن أعاد قادته النظام الإمبراطورى القديم، رافعين شعار: الطاعة للإمبراطور والطرد للأجانب.

 

لم تمنع تلك الرؤية أصحابها من التعاطى مع الغرب، لكن وَفق استراتيجية موضوعة، فلم يقتصر مشروع اليابان النهضوى على استيراد التقنية الغربية وتطوير الجيش، كما كانت الحال فى دولة محمد على، بل سعت اليابان إلى نهضة شاملة وضع استراتيجيتها ورسم حدودها مفكروها الذين ابتعثتهم إلى الغرب، أمريكا وألمانيا تحديدًا، للتعرف على العلوم والفلسفات الغربية المختلفة، أى أن اليابانيين قصدوا إلى قاعدة الحداثة الغربية لا إلى منتجها فقط، الذى اقتصر اهتمام محمد علِى عليه.

استطاع البلد الآسيوى الكبير بذلك هضم ما استحضره أبناؤه من أوروبا وأمريكا، سواء أكان أفكارًا أم تقنية، حيث وضع نظامًا تعليميًّا جديدًا يجمع بين النظامَين الفرنسى والأمريكى، ويتناسب مع ثقافة المجتمع اليابانى.

 

كما قضت الحكومة اليابانية على النظام الإقطاعى القديم، وأقر الدستور الجديد قيم المساواة بين جميع أفراد الشعب (1889)، وامتدت الإصلاحات إلى مؤسسة الجيش، فأبطلت الحكومة المنح التى كان يتقاضاها الساموراى، وأدخلت التجنيد الإلزامى، وعبر ما استقدمته من خبراء فى كل المجالات، لتأهيل اليابانيين، أضحت قادرة على التصنيع العسكرى، لتتوقف عن استقدام الخبراء الأجانب سنة 1890م، بينما لم تتجاوز دولة محمد على فى مشروعها حد استيراد التقنية، ولعل نخبتها أيضًا لم تتخط حاجز الأفكار الجاهزة (ويتجلى ذلك فى العمل الأبرز لرائد النهضة المصرية رفاعة الطهطاوى "تخليص الإبريز فى تلخيص باريز" فلم يعدو تسجيل المشاهدات وتدوين الملاحظات حول الثقافة الفرنسية ومنتجاتها، دون إدراك للقاعدة الفكرية والفلسفية التى تقوم عليها هذه المنتجات).

 

وحتى فى ما تلى تلك الفترة من فترات قويت فيها الصلة مع الغرب، ونشطت بها حركة الترجمة، لتبرز نخبة أكثر دراية بالأفكار والفلسفات الغربية، عجزت تلك النخبة عن تبيئة الرؤى والفلسفات التى درستها فى الجامعات الأوروبية، ولا يستثنى من ذلك الحقبة الذهبية التى شهدت ظهور كثير من القامات فى مختلف قطاعات الثقافة والأدب والفنون، حقبة الثلاثينيات، حيث اتسع نطاق تداول الرؤى الحداثوية ليضم فئات أخرى مثل: طلبة الجامعات والمعاهد العليا، لكن التعاطى مع تلك الرؤى لم يتجاوز إطار التناحر الحزبى والسياسى السائد فى هذه الفترة.
  

 

أحمد لطفى السيد ومحمد حسنين هيكل وطه حسين
ولتفسير هذا العجز يمكن أن نستعير من عالم الاجتماع والفيلسوف الفرنسى جان بودريار أحد مفاهيمه وهو "التشبه" أى "التظاهر بامتلاك ما لا نملك" ، فنجد أحمد لطفى السيد أبو الليبرالية المصرية، يشارك فى الحياة السياسية عبر أحد أحزاب الأقلية المتحالفة مع القصر (حزب الأمة)، والتى كان التزوير وسيلته الوحيدة للوصول إلى السلطة، ونفس الحال بالنسبة إلى محمد حسنين هيكل، الرمز الليبرالى وصاحب أول رواية عربية، عبر حزب ثان من أحزاب الأقلية: الأحرار الدستوريين، فى حين يسجل التاريخ أيضًا أن طه حسين الرمز الليبرالى الأبرز، تحالف مع نظام يوليو، وأيده تأييدًا مطلقًا، ليتغاضى عن كل الممارسات الاستبدادية والقمعية للنظام الجديد، وهى الصورة التى تكررت منذ ذلك الحين وإلى اليوم، وحسب بودريار فإن هذا المسلك "التظاهر بامتلاك ما لا نملك" يؤدى نهايةً إلى فقدان المرجعيات (انظر حولك).

 

من هنا يمكن القول إن قيم الحداثة لم تسبر أغوار المجتمع أو حتى النخبة الداعية لها منذ البداية، ولم يقم بالتبعية تفاعلًا يصبغها بخصوصية مجتمعنا، خصوصًا إذا كان هناك سد منيع يحجز سريان أفكار الحداثة إلى المجتمع، وهو التيار المحافظ، الذى رأى فيها تهديدًا للأصالة وفقدانًا للهوية، وهو ما لم يحدث فى اليابان، حيث استطاع المصلحون اليابانيون تطويع ديانة الشنتو من خلال إعادة القراءة والتأويل لتتفاعل مع قيم التحديث، وبغير أن تمس قداسة الإمبراطور الذى ينحدر من سلالة الآلهة، وهى الفكرة الرئيسية التى تقوم عليها الديانة الشنتاوية.

الروائى التشيكى ميلان كونديرا
النتيجة التى نستخرجها من الطرح المقدم أن عزوف المجتمع عن قيم وأفكار الحداثة ألزمها دومًا مظهر الأفكار الجاهزة المستجلبة من الغرب المعادى، فلم يجر تهيئتها ومعالجتها بحيث تصبح جزءًا من نسيج الواقع المصرى لتتطور عبر أطره الاجتماعية والفكرية، وهو ما حصر حداثتنا فى طور "البلاهة" التى عرَّفها الروائى التشيكى الشهير ميلان كونديرا بأنها "لا تعنى الجهل، وإنما اللا فكر الذى تنطوى عليه الأفكار الجاهزة".

 

أضحت البلاهة أو اللا فكر بُعدًا ملازمًا لعالمنا الثقافى بعد فشل محاولات تطويع التراث الدينى وتوطين أفكار ورؤى الحداثة، ليسود "التشبه" ويغدو واقعًا مطمئنًا لا تزعجه الحقيقة، حيث لا وجود لها، فالفكر الذى كانت مهمته الرئيسية "إزعاج البلاهة ومضايقتها" حسب نيتشه، أضحى متماهيًا بالكلية معها، بل أصبح هو البلاهة، لتحوط الفوضى كل شىء، فتختلط الأمور، وتختفى المعايير، وتنعدم القدرة على التمييز، ومن ثَمَّ ليس غريبًا أن تُحكم البلاهة بمعانيها المختلفة (اللا فكر، الجهل، الغفلة وضعف العقل، التبلد، الحمق..) قبضتها على كل قطاعات المجتمع آخر الأمر، وأن تصبح كذلك نظام حكم يتسلط على البلاد والعباد.  

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات