.

أموال سعودية لتونس.. هل من تنازلات أخرى تُذكر؟

Foto

التمسح السعوديّ الكاذب فى الثّوب التونسى حديث الحياكة، هو عملية مشوّهة لغسل سياسة ملطخة بأثار القمع والدماء، جعلت القيادة التونسية تظهر فى شكل طالب المنّة والعطف من نظام خشى كلمة حرّة، فاغتال صَاحبهَا بأغبَى وأبشع طريقة على وجه البسيطة


اختلفا داخليًّا واتفقا خارجيًّا.. تصارعَا سياسيًّا وتوافقا (سعوديًّا).. ثم سلكَا طريق "قبلة" واحدة..

باجى قائد السبسى ويوسف الشّاهد يرفعان لواء ولى عهد (مشتبه به) عدو أول لحرية التعبير والصحافة.

حيث لم يتردد رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد، للحظة فى الاصطفاف وراء معلّمه اللّدود الباجى قائد السبسى فى المربع المؤيد للملكة العربية السعودية. وردّ الزيارة إلى الرياض مرفقًا ببعض وزرائه، مذعنًا لرغبة محمد بن سلمان، مشاركًا فى مشهد دبلوماسى مشوّه يقوم فقط على تدفق المال وتلميع صورة ملطخة بالدماء.

 

اغتيال الخاشقجى فتح أكياسَ الدراهم
باحثة عن عضد أو سند، ربما مؤيدًا أو رفيقًا مستحدثًا فى درب موحش بدا أكثر دموية من ذى قبل، تغدو المملكة العربية السعودية مفرطة فى الصّرف والتبذير على (الدول الفقيرة) أو دول (الربيع العربى) الذى آوت أول مخلوعيه. دول كانت تمثل لها مصدر قلق ومنبعًا مشينًا لشعارات (مخرّبة) لرخاء الأوطان المستقرة. من قبيل مناداة شعبها بحرية التعبير والصحافة أو تكريس ثقافة حقوق الإنسان وتحرير المرأة ومنحها حقوقها. فمن الغريب أن تولى المملكة أهمية لأقطار صُغرى لم تكن ترى فى السّابق جدوى من نفوذها السياسى أو تأثيرها الجغرافى والإقليمى.

 

الغريب هو أن تلتفت السعودية إلى تونس فى هذه الفترة بالذات، وأن تراهَا جديرةً بالمساعدة وتقدّم لها ملايين الدولارات حتى "تدعمها اقتصاديًّا" فى شكل مساعدات مالية بقيمة تبلغ 2450 مليون دينار تونسى.

 

هذه المساعدات مقسّمة على دفعة أولى بقيمة 1500 مليون دينار تونسى، إضافة إلى الاتفاقيات التى تم إمضاؤها بين البلدَين بقيمة 350 مليون دينار تونسى، وخط تمويل للتجارة الخارجية بين البلدين بقيمة 600 مليون دينار تونسى.

 

من اللافت أيضًا أن يتواصل سخاءُ المملكة المنطلق منذ 2015 والمتمثل فى حزمة من القروض التى  ناهزت المليار دولار ومساعدات عسكريّة فى شكل 48 طائرة مقاتلة أمريكية الصنع من طراز إف 5، ناهيك بتزايد حجم الاستثمار السعودى فى تونس منذ 2014.

 

والسؤال هنا: ماذا ستقدم تونس مقابل كل هذا السخاء بعد أن انضمت إلى التحالف "العسكرى الإسلامى ضد الإرهاب" الذى دعت إلى تكوينه الرياض فى ديسمبر  2015 (للقضاء على داعش)؟

 

ما إذن الموقف السياسى المنتظر من حكومتها وقيادتها بعدما انصاعت للسعودية وتخلت عن اليمن بطريقة مخزية عبر احتفاظها بصوتها خلال  جلسة التصويت على قرار تمديد عمل لجنة التحقيق فى انتهاكات حقوق الإنسان فى اليمن فى سبتمبر الماضى؟

 

ماذا ستقدم تونس بعد أن نفذت مناورات عسكرية مع السعودية منذ أكتوبر الماضى وتخطو حذوها مؤيدة ومساندة لها بعد اغتيال الصحفى السعودى جمال خاشقجى، بعد أن أصدرت وزارة الخارجية التونسية بيانًا خجولًا يدافع عن النظام السعودى أكثر من الخارجية السعودية نفسها؟

 

السعودية تستبق الانتخابات التونسية بدعم أحد مرشحيها
لا يخفى المتابع للدبلوماسية السعودية أنها مقترنة كثيرًا بنظيرتها الإماراتية، والمتمثلة أساسًا فى سياسة خارجيّة مناهضة لممارسة الإسلاميين للسياسة وصعودهم، لا سيما فى البلدان التى عرفت تحولاً ديمقراطيًّا كتونس ومصر. وقد تكون هذه الأخيرة أكبر مثال على تدفق الدعم السعودى والإماراتي بعد أحداث 30 يونيو 2013، واعتلاء الرئيس عبد الفتاح السيسى السلطة.

 

الوضع فى تونس ليس ببعيد عن مصر، فالوجود الإسلامى ما زال قويًّا ومؤثرًا، لا سيما بعد فوزه فى الانتخابات البلدية الأخيرة وافتكاك المقاعد من حليف التوافق السابق حزب نداء تونس.

 

تخشى السعودية إذن من سيناريو شبيه بـ2012 فى مصر، ووجدت فى يوسف الشاهد (حصانًا) يستحقُ المراهنة، طالمَا تحرر من سلطان (صاحبه) ومعلمه الباجى قائد السبسى، الذى أشرف تاريخه السياسى على النهاية. كما أنها  لا ترى حرجًا فى دعم الشاهد وتشجيعه على الفوز فى السباق المقبل، شريطة التخلّى عن بطانة الإسلاميّين التى تدثر فيها طول الفترة الماضية واستبدال جلباب خليجى بها جيوبه مليئة بالدولارات.

 

ولى العهد يبحث عن (براءة مدفوعة الثمن)
بعدما حمّل أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكى، فى 14 ديسمبر الماضى ولى العهد السعودى محمد بن سلمان، المسؤولية عن مقتل الصحفى جمال خاشقجى، بات الأمرُ أكثر خطورة على استقرار النظام السعودى وقائده الجامح. هذا الوضع إذن أصبح يستوجب البحث عن تبرئة ذمة لن تقوى السعودية بمفردها على تحقيقها دون جذب دول أخرى هشة سياسيًّا وضعيفة اقتصاديًّا، حتى تستطيع إقناعها بالإذعان لها.

 

وتونس تنطبق عليها هذه المواصفات دون زيادة ونقصان، علاوةً على  أنها صاحبة التجربة الديمقراطية الوليدة، السباقة فى تكريس الحقوق والحريات، والمثال الأكثر جرأة فى افتكاك أركان المواطنة عربيًّا وإقليميًّا. تونس الفريسة الأسهل بالنسبة لولى العهد الذى أعلن منذ اعتلائه السلطة مناهضتهُ للإسلاميين وشجّع والده على اتخاذ قرارات اعتبرت وقتها (جريئة) كالسماح للمرأة السعودية بقيادة السيارة.

 

التمسح السعوديّ الكاذب فى الثّوب التونسى حديث الحياكة، هو عملية مشوّهة لغسل سياسة ملطخة بأثار القمع والدماء، جعلت القيادة التونسية  تظهر فى شكل طالب المنّة والعطف من نظام خشى كلمة حرّة، فاغتال صَاحبهَا بأغبَى وأبشع طريقة على وجه البسيطة.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات