.

الرسائل التوبيخية بين الخليفة على والخليفة معاوية

Foto

لماذا عيَّن سيدنا على أقاربه فى المناصب والولايات ؟ كيف انضم عمرو بن العاص إلى معاوية بن أبى سفيان ؟


بعد موقعة الجمل وقتله انتقلت السيدة عائشة على جمل آخر إلى المدينة المنورة بصحبة أخيها محمد بن أبى بكر ورهط من أتباعها، وظل سيدنا على فى البصرة يضمد جراح أهلها من المؤيدين له والخرجين عليه ثلاثة شهور وقيل ستة، ثم انتقل إلى الكوفة، وولى على البصرة ابن عمه عبد الله بن العباس، وكان قبلها عيّن فى قيادة الجيش ابنه محمد بن الحنفية وأرسل ابنه الحسن لعزل والى البصرة أبو موسى الأشعرى وحث الناس على مبايعته والخروج معه ضد طلحة والزبير والسيدة عائشة، وهذا ما دفع مالك بن الأشتر أشد مؤيدى سيدنا على للتساؤل مستنكرا «لما قتلنا الشيخ إذن» يقصد سيدنا عثمان إذا كان سيدنا على مثله يعين أقاربه، ففضلا عن عبد الله بن العباس والحسن وابن الحنفية عين سيدنا على  عبيد الله بن العباس واليا على اليمن وأخاه قثم بن العباس واليا على مكة .

 

أما تعيين سيدنا على لبعض الأنصار كقيس بن سعد بن عبادة الذى ولاه مصر فيرجع إلى أن الأنصار هم الذين بايعوه وناصروه فى عز انصراف المهاجرين القرشيين عنه وخروجهم عليه، ثم إنه عاد وعزل قيس بن سعد بمشورة عبد الله بن جعفر بن أبى طالب وولى بدلا منه محمد بن أبى بكر ابن زوجته الخثعمية، وبه وضع الإسفين الأول فى ضياع ولاية مصر ثم ضياع خلافته نفسها فيما بعد.

 

غير أن سيدنا على لما يكن حرًّا فى تولية من يشاء من المسلمين -والأدق القرشيون- وولى أقاربه الأقربين كما سيدنا عثمان، وإنما كان مضطرا فقريش التى توارثت الإمارات كما توارثت الخلافة باستثناء بعض الولايات كانت ضده، ليس بسبب مقتل عثمان أو لامتناعه عن القصاص لعثمان وإنما ضد استخلافه أساسا ومنذ رحيل رسول الله صلى الله عليه وسلم خوفا من استئثاره وآل بيته بالخلافة دونهم، ثم إنهم فى الغالب الأعم رفضوا بيعته وتركوا المدينة برمتها، والبعض انضم إلى طلحة والزبير وعائشة فى البصرة والبعض انضم إلى معاوية فى الشام والبعض اعتزل الأمر برمته كسعد بن أبى وقاص وعبد الله بن عمر بن الخطاب وغيرهما، ولم يكن أمام سيدنا على إلا أولاده وأولاد إخوته وأعمامه العباس والحارث وعقيل وجعفر وبعض الأنصار من صحابة رسول الله الذين ناصروه ودعوا إلى بيعته.

 

ولكن عبد الله بن العباس نفسه أخذ على سيدنا على إصراره على عزل الولاة الذين عينهم عثمان فور توليه، ونصحه، وقيل إن المغيرة بن شعبة هو الذى نصحه بأن يتركهم فى ولاياتهم حتى تستقر له الأمور ثم يعزلهم كما يشاء خصوصا والىَ الشام معاوية بن أبى سفيان أقواهم وأشدهم قربا لعثمان ومطالبة وقيل متاجرة بدمه، ولكن سيدنا على صمم على عزلهم، وبدأ أول ما بدأ بولاية الشام وعرضها على عبد الله بن العباس وعندما رفض لأنه من المستحيل أن يتمكن منها وفيها معاوية على رأس جيش مدجج بالسلاح، أرسل لها صحابى أنصارى التقاه رجال معاوية على حدود الشام وردوه مرفوضا بل مطرودا طردا إلى سيدنا على.

 

وفى الكوفة أعاد سيدنا على الاستعداد لمواجهة معاوية بن أبى سفيان، وكان قد بدأ فى المدينة المنورة فور بيعته وورود الأخبار عن رفض معاوية بيعته، ولكن خروج السيدة عائشة وطلحة والزبير حرفوه إليهم فى العراق وموقعة الجمل، وقيل إنه كان ينوى ردهم إلى بيعته وطاعته والعودة إلى المدينة المنورة ولكنه ظل فى الكوفة طوال أيام حكمه، وفى البداية أرسل سيدنا على إلى معاوية الصحابى جريد بن عبد الله الجبلى وطالبه بمبايعة سيدنا على وجمع كلمة المسلمين، وذكّره بفضله وسبقه فى الإسلام وحقّه فى الخلافة، لكن معاوية استمع إليه ولم يرد، وجمع له وجهاء الشام وراح يعظم لهم قتل عثمان ويحرّضهم على الثأر له، وهنا ظهر بجانبه عمرو بن العاص، وقيل هو الذى أشار بجمع وجهاء الشام وتحريضهم.

 

عمرو بن العاص كان قد غضب على عثمان بن عفان عندما عزله من ولاية مصر وعين مكانه أخاه فى الرضاعة عبد الله بن أبى السرح، وكان يُؤَلب الناس على عثمان خفية وقيل جهرا وأنه قال ما يعنى: «لن أترك حجرا إلا وألبته على عثمان»، ولما اشتدت الثورة على عثمان وعرف أنها لن تنتهى إلا بقتله ترك المدينة المنورة وانتقل إلى أرض كان قد غنمها فى فلسطين عندما فتحها فى عهد سيدنا عمر بن الخطاب، وقيل إنه عندما وصله خبر مقتل عثمان قال شامتا أو مباهيا: «أنا أبو عبد الله ما حككت قرحة إلا أدميتها»، وربما منّى نفسه بالعودة إلى المدينة تمهيدا للعودة لمصر فى عهد الخليفة الجديد باعتباره من المغضوب عليهم فى عهد الخليفة القتيل، ولكن عندما جاء الخبر ببيعة على  لفت وجههه إلى الشام حيث معاوية الذى رفض بيعة على، صحيح أن مصادر التاريخ الإسلامى كالطبرى وغيره تذهب إلى أنه استشار ولديه عبد الله ومحمدا، وأن عبد الله الطيب المتدين «الأخروى» نصحه بالاعتزال وأن محمدًا «الدنيوى» أو قل الشرير نصحه بالانضمام إلى معاوية باعتباره نابا من «نيبان» العرب ولابد أن يكون له دور وشأن فى هذه المرحلة الحاسمة، ولكن طبيعة عمرو ومعرفته بسيدنا على وأن ما حرمه منه سيدنا عثمان لا يمكن أن يعطيه إياه سيدنا على تجعله ينضم إلى معاوية، وسافر إلى الشام ولكن معاوية استرأب فيه أو قل خاف منه وأبعده فى البداية ثم ضمه بناء على اتفاق مكتوب ملخصه أن يقاتل مع معاوية عليًّا حتى يظهر عليه مقابل أن يمنحه ولاية مصر طوال حياته وهذا ما كان.

 

وبنصيحة عمرو أرسل معاوية إلى قيس بن سعد بن عبادة والى مصر من قبل على يستميله إليه ويعدد له الوعود ومنها ولاية العراق له ولمن شاء من أقاربه، وعندما رفض قيس وأرسل له يوبخه على خروجه على على وهو من الطلقاء، اعتمد على المكيدة، واستغل مهادنة قيس لبعض من أنصار عثمان فى قرية خربتا المصرية وأشاع أنه يناصره ويطالب بدم عثمان ويعادى عليا، وهى الإشاعة التى صدقها أول من صدقها بنو هاشم وأشاروا على سيدنا على بعزل قيس فعزله وهو من أشد مناصريه ويكاد أن يكون الوالى الوحيد الذى أخذ له البيعة من أهل ولايته دون قتال!!

 

ثم أرسل معاوية رسالته الاستفزازية إلى سيدنا على، ومما جاء فيها «وكان أنصحهم لله ورسوله خليفته ثم خليفة خليفته ثم الخليفة المقتول ظلما عثمان، فكلهم حسدت وعلى كلهم بغيت، عرفنا ذلك من نظرك الشزر، وقولك الجهر وتنفسك الصعداء، وإبطائك عن الخفاء، فى ذلك تقاد كما يقاد الجمل المخشوش، ولم تكن لأحد منهم أشد حسدا منك لابن عمتك، قطعت رحمه وقبّحت حسنه، وأظهرت له العداوة» واشترط لمبايعته دفع قتلة عثمان إليه ليقتص منهم «ونحن أسرع الناس إليك لنبايعك» و«إما أن ترسل قتلة عثمان ونبايعك، وإلا ليس بيننا وبينك إلا السيف».

 

ومن شدة غضب سيدنا على من هذا الخطاب المستفز المعجز فيما يخص تسليم قتلة عثمان قرأه على المسلمين فى مسجد الكوفة فتصايحوا جميعا «كلنا قتلة عثمان»، وأرسل سيدنا على إلى معاوية خطابا ذكره فيه بهند وأبى سفيان والأمويين الذين كانوا الأشد عداوة لله ورسوله، وبفضل آل البيت وسبقهم إلى الإسلام وصبرهم على عداوة قريش وحصارها وخيّره بين البيعة والحرب وكانت الحرب.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات