.

تظاهرات «السترات الصفراء» تعكس خطًّا فاصلًا جديدًا فى السياسة الغربية

Foto

اليوم نحن بحاجة إلى حفنة من العباقرة الذين سيخططون المسار نحو المستقبل بمساعدة الكمبيوترات والروبوتات. ففى فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة سيتساءل الفرد العادي: أين أكون من كل ذلك؟


ترجمة: أميرة جبر عن «واشنطن بوست»

 

إن طريقة خلق أغلبية شعبوية دائمة، بالنسبة لستيفن ك. بانون، هى تجميع قوى اليسار واليمين. ولهذا السبب كان فى إيطاليا هذا العام حيث انضمت أحزاب تمثل الجانبين فى تحالف حاكم. ولهذا السبب يأمل بانون فى استدراج بعض من مؤيدى السناتور المستقل عن ولاية فيرمونت بيرنى ساندرز، بعيدًا عن الحزب الديمقراطى. غير أن المكان التالى الذى قد نشهد فيه صعودًا لشعبوية يسارية/ يمينية هو فرنسا.

 

تفتقد تظاهرات «السترات الصفراء» فى فرنسا، إلى الآن، حزبًا وهيكلًا وقيادة. ومع ذلك، يتم تداول قوائم مطالب. وفى قلبها أوهام غير قابلة للتطبيق مثل فرض دستوريًّا حد أقصى ٢٥٪ للضرائب تصاحبه زيادة هائلة فى الإنفاق الاجتماعى. والمدهش فى تلك القوائم أنها تجمع أمانى اليسار واليمين. ليس عجبًا إذن أن ما يقرب من ٩٠٪ من أولئك الذين يدعمون أكبر أحزاب أقصى اليسار واليمين ينظرون إلى الحركة بشكل إيجابى، بالمقارنة بـ٢٣٪ فقط فى حزب الرئيس إيمانويل ماكرون الوسطى.

 

كما امتدت انتفاضة «السترات الصفراء» إلى بلجيكا، حيث انهار التحالف الحاكم الهش، وهذا إلى حد كبير بسبب قضية الهجرة. غير أن هناك أيضًا تتسم التظاهرات بسخط عام آت من اليسار واليمين. وكما هى الحال فى فرنسا والولايات المتحدة وبريطانيا، يبدو أن الحركة رد فعل عنيف من الريف ضد النخب الحضرية.

 

ويبدو أن الانشقاق بين أهل الحضر الأفضل تعليمًا نسبيًّا والريفيين الأقل تعليمًا قد أصبح الخط الفاصل الجديد فى السياسة الغربية. يشعر «الغرباء» بالتجاهل أو الدونية، كما يشعرون باستياء شديد تجاه النخب المتروبولية. الطبقات جانب من الأمر وكذلك الثقافة، لكن هناك أيضًا عنصر اقتصادى كبير.

 

لقد أظهرت مؤسسة «بروكينجز» أنه منذ الأزمة المالية عام ٢٠٠٧، تراكمت ٧٢٪ من المكاسب فى العمالة الأمريكية فى أعلى ٥٣ منطقة حضرية بالبلاد. ولنفهم الانقسام الهيكلى الذى يخلقه ذلك، فلنضع فى اعتبارنا أن المدن الأمريكية مجتمعة تحتوى على ٦٢،٧٪ من سكان البلاد ولكنها تشغل ٣،٥٪ فقط من الأرض. ولقد أشارت جريدة «وول ستريت جورنال» إلى أن مصير الصراع بين أمريكا الحضرية والريفية قد انقلب على رأسه. ففى عام ١٩٨٠، كانت المدن مختلة تعم بها الجريمة وتكافح، لتمنع سكانها عن الرحيل. أما اليوم فالمدن مزدهرة متنامية آمنة نسبيًّا، بينما المناطق الريفية باتت تعانى المشكلات. وهذه الفجوة الحضرية/ الريفية موجودة أيضًا فى فرنسا وإيطاليا وبريطانيا وغيرها من البلاد الغربية.

 

ومن المتوقع أن يسوء الأمر، إذ تشير أبحاث الاقتصاديين دارون أسيموجلو وباسكوال ريستربو إلى أن استخدام الروبوتات بالفعل يقلص العمال بمعدل نحو ٦ عمال للماكينة. كما وجد أسيموجلو وريستربو أنه فى الولايات المتحدة نُشرت الروبوتات فى وسط الغرب والجنوب. وبينما تحتوى المناطق الحضرية عادةً على صناعات إبداعية وقطاعات خدمية غنية ومتنامية، فإن احتمال أن تصبح أمريكا الريفية موطنًا لمراكز التكنولوجيا والترفيه والقانون والمال أقل. إذا ذهب إلى جزء ريفى فى وسط الغرب لوجدت أن المصدرين الرئيسيين للعمال عادةً هما الحكومة والرعاية الصحية (والتى تمولها الحكومة أيضًا بشكل جزئى).

 

وكثيرًا ما يوصف الناس فى تلك المناطق بعدم العقلانية أمام صناديق الاقتراع. ففى الولايات المتحدة يصوتون من أجل حزب يعِد بتخفيضات ضرائبية للأغنياء وبتقليص فى مكاسب الطبقة العاملة (هم أنفسهم). ويشير كاتب جريدة «نيويورك تايمز» توماس إيدسال إلى أن قانون الضرائب الجمهورى لعام ٢٠١٧ يدعم بشكل أساسى الشركات للتحول إلى التشغيل الآلى. وفى أوروبا تعتمد الاقتراحات المتناقضة من اليسار واليمين. غير أن هذا قد يعكس ببساطة قلقًا عامًّا وبحثًا أعمى عن شخص يعدهم بمستقبل أفضل.

 

إن كتاب توم بروكاو «الجيل الأعظم» عام ١٩٩٨ ملىء بقصص رجال لم يتعلموا فى جامعات وعاشوا بعيدًا تمامًا عن المدن الكبرى. تلك كانت «أمريكا الحقيقية». وهناك أقاليم مشابهة فى فرنسا لقبت ذات مرة بـ«فرنسا الخالصة». واليوم هى أماكن بائسة.

 

فى كتاب يوفال هرارى الجديد «٢١ درس للقرن الـ٢١»، يشير المؤرخ الإسرائيلى إلى أيديولوجيات القرن الـ٢٠ الثلاث الكبرى -الفاشية والشيوعية والرأسمالية الديمقراطية- وضعت الفرد العادى فى القلب وتعهدت له بمستقبل مجيد. أما اليوم فنحن بحاجة إلى حفنة من العباقرة الذين سيخططون المسار نحو المستقبل بمساعدة الكمبيوترات والروبوتات. ففى فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة سيتساءل الفرد العادي، الذى لا يحمل شهادة مرموقة، الذى لا يحضر مؤتمرات «تيد»، الذى لا يتمتع برأس المال أو الاتصالات: «أين أكون من كل ذلك؟».

 

وما من أحد لديه رد جيد على هذا السؤال.

 

...
فريد زكريا
يكتب عمودًا متخصصًا فى الشؤون الخارجية بجريدة «واشنطن بوست»، كما يستضيف برنامج «جي. بي. إس» على قناة «سى. إن. إن»، ويشارك فى تحرير مجلة «أتلانتيك». ومن مؤلفاته: «دفاعًا عن التعليم الليبرالى» و«العالم ما بعد الأمريكى» عام ٢٠٠٩ و«مستقبل الحرية» عام ٢٠٠٧.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات