.

أنجيلا ميركل بين البراجماتية السياسية والقيادة النبيلة

Foto

يرى كثير من الباحثين أن العامل الرئيس في نجاح ميركل في مهمتها كأول مستشارة ألمانية بعد نهاية الحرب الباردة هو تبنيها البراغماتية السياسية وعزوفها عن مداعبة أية مشاعر قومية أو نزعات أيديولوجية


تعد الانتخابات البرلمانية في ألمانيا عام 2005 المحطة الأبرز في مشوار زعيمة الحزب الديموقراطي المسيحي أنجيلا ميركل السياسي، بعد ما نجحت في الإطاحة بمنافسها المخضرم زعيم الحزب الديموقراطي الاشتراكي غيرهارد شرودر؛ لتتبوأ منصب المستشار منذ تأسيس الدولة الوطنية الألمانية عام 1871. ومنذ ذلك الحين أثبتت مركل نفسها كقائدة محنكة وصنّفتها مجلة «فوربس» الأميركية على أنها أقوى امرأة في العالم نظراً لبقائها في الحكم مدة طويلة (12 عاماً) ولنجاحها في جعل ألمانيا الأقوى اقتصادياً في أوروبا.


ويرى كثير من الباحثين أن العامل الرئيس في نجاح ميركل في مهمتها كأول مستشارة ألمانية بعد نهاية الحرب الباردة هو تبنيها البراغماتية السياسية وعزوفها عن مداعبة أية مشاعر قومية أو نزعات أيديولوجية وخصوصاً في ضوء اكتواء الألمان بنار الدوغمائية ممثلة في المنظومة الشيوعية التي حبست ألمانيا في عزلة عن العالم لسنين عدة ثم الفاشية الألمانية التي انتهت بهزيمة هتلر واستسلام ألمانيا غير المشروط في الحرب العالمية الثانية ما كلَّفها وحدتها نصف قرن من الزمان. مضت مركل في عملها التكنوقراطي الذي وظَّف الخبراء ذوي الخبرة العلمية من أجل خدمة ورفاهية المواطن الألماني من دون الالتفات إلى الشعارات القومية وحماسة الأيديلوجيات حتى أن الكاتب الألماني جورج ديز وصف مركل بأنها سلبت من السياسة طبيعتها السياسية.

 

وواجهت ميركل أزمات عدة كادت تقضي على مشروع الوحدة الأوروبية؛ أبرزها الأزمة المالية الطاحنة في اليونان حيث يرى مراقبون أن ألمانيا كان لها الدور الأبرز في رفض فرض إجراءات تقشفية قاسية على اليونان, بل دفعت المانحين (الاتحاد الأوروبي، البنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي) إلى تمديد القروض اليونانية لمدة 10 سنوات وتمديد فترة استحقاقها كجزء من تخفيف عبء ديونها؛ ما أسهم في انقاذ اليونان ودول أخرى من إفلاس محتمل وانتشل منطقة اليورو من الركود ومنع تفكك العملة الموحدة.

 

ومنذ ذلك الوقت تولدت نزعة يمينية متطرفة ضد سياسة مركل التي قدمت المساعدات المالية لإنقاذ اليونان والبرتغال وإسبانيا. إلا أن هذه الأحزاب اليمينية لم تنجح في تغيير خريطة السياسة الألمانية إلا بحلول عام 2013 عندما تمَّ تأسيس حزب البديل الألماني وهو العام نفسه الذي واكب بدء أزمة اللاجئين السوريين وقرار مركل فتح حدود بلادها لاستقبال اللاجئين رغم المعارضة القوية لهذه السياسة.

 

وفي العام الماضي شهدت الانتخابات التشريعية تراجعاً لحزب المستشارة وللحزب الاشتراكي الديموقراطي, في حين نجح حزب البديل اليميني القومي المناوئ للمهاجرين في حصد 13 في المئة من الأصوات ويمثله 90 نائباً في البرلمان للمرة الأولى منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية. بل أن تمسك مركل باستقبال اللاجئين – وإن كان في شكل أكثر تقنيناً بعد عقدها صفقة مع تركيا للتحكم في تدفق اللاجئين- أدى إلى اشتعال الخلاف مع حزب البديل وفشلت مركل في تشكيل ائتلاف حاكم مع حزبي الخضر والحزب الليبرالي وبعد ذلك اضطرت للدخول في ائتلاف مع الحزب الاشتراكي الديموقراطي ومنح الأخير وزارات سيادية منها المال والداخلية والدفاع.

 

وخلال هذا المشوار التزمت مركل البراغماتية السياسية- من دون النظر إلى أي عوامل ثقافية أو أيديولوجية قد تمنعها مثلاً من التحالف مع خصومها للوصول للنتائج النهائية, إلا أنها أيضاً ضربت مثالاً للقائد النبيل أو “Conviction Leader” والذى يُعرفه العالم الألماني ماكس فيبر بأنه القائد الذي يرى أن «الشيء الصحيح هو الشيء الذي ينبغي فعله» «“the right thing to do طالما يتفق مع منظومة القيم الإنسانية وإن كان تحقيقه قد لا يحقق المصالح السياسية للقائد نفسه. وهذا هو ما واجهته مركل عندما سبحت ضد التيار في تبنيها مواقف مغايرة للرأي العام الألماني في قضايا الأزمة المالية والمهاجرين وقد انعكس ذلك في النتائج المخيبة للآمال في الانتخابات النيابية الأخيرة في العام 2017, بل واتساع المعارضة السياسية لشخصية أنجيلا ميركل داخل حزبي المسيحي الديموقراطي، والاشتراكي الديموقراطي, ما دفعها لإعلان تخليها عن قيادة الحزب واعلانها خروجها من الحياة السياسية بحلول عام 2021 لتخلفها أنغريت كرامب كارينباور فى زعامة الحزب المسيحي الديموقراطي. وبصرف النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا في تقييم إنجازات المستشارة مركل, إلا أنها اختارت ترك منصبها بعدما ضربت مثالاً رائعاً للقائد السياسي الذي اكتسب احترام الجميع حتى وإن اختلفوا مع سياساته براغماتية كانت أم أخلاقية.


نقلًا عن «الحياة»

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات