.

دعوة للفهم

Foto

أدعوهم لقراءة ما كتبناه من أحاديث ويحاولون قراءة شرحها من أى كتاب شرح سواء من ابن حجر العسقلانى أو من غيره من الشراح، نتحدث عن أحاديث تتصادم مع العلم ومع الأخلاق ومع التسامح ومع القرآن ومع الذوق العام


ما زالت معركة الوعى قائمة ولن نتركها مهما تلفَّظ الشاتمون وتجاوز السبابون، لأن هذا الإرهاب الفكرى تم ممارسته أمام التنوير فى القرن الماضى وانتصر، وكان سبب انتصاره مستوى الوعى المحدود لدى جموع الشعب المصرى وقدرة الخطباء على ممارسة أبشع عملية ترويع ممكنة وصلت إلى التحريض على القتل، كما حدث مع فرج فودة، ونجح التحريض فى مقتله، أو مع نجيب محفوظ وفشلت المحاولة.

 

الآن الموقف مختلف، فمساحة الوعى تزداد يوميًّا، وسائل التواصل الاجتماعى ساعدت على توسيع دائرة النخبة، سواء القراء للأفكار سواء أكانت موسعة فى مقالات وكتب ودوريات أم مقتضبة فى تغريدات وبوستات على فيسبوك، فقنوات اليوتيوب يزداد متابعوها يومًا بعد يوم، خصوصًا فى ما يخص الآراء الجديدة، سواء كانت من مربع الإيمان كما يمارسها المهندس محمد شحرور، أو الكاتب والأديب إبراهيم عيسى، أو مع إسلام بحيرى، أو مع عدنان إبراهيم، ومنهم مَن هم خارج مربع الإيمان سواء أكان حامد عبد الصمد أم شريف جابر، وسواء أكان اختلافنا واشتباكنا مع ما يطرح من أفكار، ولكن ستظل حرية الفكر وحرية الرأى مكفولتَين سواء رضى البعض أو رفض، فالوسائل تنوعت، ولن تنجح هيئة فى منع كاتب أو وقف كتاب أو إرهاب صاحب فكر كما حدث مع علِى عبد الرازق بعد كتابة الإسلام وأصول الحكم، أو كما حدث مع طه حسين مع كتابه فى الشعر الجاهلى.

 

خرج علينا المتأسلمون بشعار يقول اسمع منا ولا تسمع عنا، رغم أنهم أول مَن يخالف هذا الشعار مع الآخر، فهم لا يريدون قراءة الأفكار المخالفة، ولكنهم يكتفون بحفظ جمل يتلفظ بها خطباؤهم المفوهون، أن هذا متغرب كما يصفون محمد عبده، أو أن هذا علمانى يعادى الدين، أو أن هذا يرفض السنة، أو أن هذا يطعن فى البخارى، أو أن هذا يعادى الإسلام، ولا مانع من إضافة جمل إضافية لهذا الاتهام الأول كالعمالة لجهات أجنبية، أو العمالة لأعداء الدين، فهل حاول أحدهم قراءة ما كتبه محمد عبده؟ أو حاول أحدهم قراءة أو سماع محمد شحرور؟ أو حتى اهتم بقراءة جمال البنا؟ أو قرأ لحسن حنفى؟

 

بكل أسف لا يقرؤون، ومَن يقرأ منهم تهتز أفكاره سريعًا، وفى الأغلب سيغير مواقفه وسيغير ولاءاته، وقد وعيت التنظيمات الحركية هذا الأمر من البداية، ولذلك ظهر شعار توثيق القراءة، فهناك توثيق الكاتب وتوثيق الكتاب، فمن الممكن أن يتم توثيق كاتب فى كل ما يكتبه، مثل مصطفى مشهور أو عباس السيسى مثلًا أو عمر التلمسانى فى كتبه القليلة التى كتبها، ومن الممكن توثيق الكتاب دون توثيق الكاتب بالكلية، فهم يقرؤون للكاتب اللبنانى الحركى فتحى يكن، ولكن يمنعون قراءة الإيدز الحركى الذى انتقد فيه التنظيم، وكذلك يسمحون بقراءة كتب سعيد حوى، ولكنهم يمنعون كتاب تجربتى، ويسمحون بقراءة كتب محمد أحمد الراشد الكاتب العراقى، وهو اسم حركى واسمه الحقيقى عبد الرحمن العلى، ولكنهم يمنعون قراءة كتاب المسار، الذى وجه انتقادات إلى الحركة والتنظيم، وكذلك يوثقون كتب لمحمد الغزالى ويمنعون البعض ويوثقون سيد قطب بالكلية، ويسمحون بقراءة كتب القرضاوى دون بعض الكتب التى انتقد فيها الحركة.

 

احترفت تلك التنظيمات إشغال وقت التابعين والمريدين بالتكليفات الحركية، حتى لا يجد الوقت الكافى للقراءة الحرة، ثم يضعونه فى إطار محدد للقراءة، سواء بعض الكتب الشرعية أو الكتب الحركية أو كتب السيرة المنتقاة.

 

ولكنى أستطيع أن أقول إن نسبة كبيرة من الشعب، حتى خريجو الجامعة، لا يقرؤون بالمقدار الكافى، وإذا قرأ أحدهم فإنها تكون قراءة محصورة سواء أكان فى تخصصه أم قراءة الروايات، وانتشر فى العقدين الأخيرين قراءة كتب التنمية البشرية وربما كتب التسويق والإدارة، ولكن سيظل المجال الفكرى لا يجد قراءً كثرًا، ولكن سهولة الاستماع والمشاهدة للمقتطفات القصيرة للمفكرين أو الباحثين خلقت رأيًا عامًّا نسبيًّا واتسع نطاق النخبة التى يتسع نطاقها يومًا بعد يوم.

 

كررت كثيرًا أن هناك فرقًا بين السُّنة وكتب المرويات، وعلى رأسها البخارى، فالسُّنة هى السنة الفعلية التى نقلتها أجيال بالمشاهدة والتكرار جيلاً بعد جيل، وعلى رأسها العبادات، سواء أكانت الصلوات وسننها أم العبادات بشكل عام، ولكن المرويات تحتاج إلى إعادة نظر وقراءتها بتروٍّ وتمعُّن، ولا أدرى لماذا استطاع علماء التفاسير أن يشرحوا التفاسير كلها بلا استثناء سواء أكان ابن كثير أم الطبرى أم غيرهما، وادًّعوا أن الإسرائيليات قد اخترقتها، ألم يسألوا أنفسهم لماذا اخترقت الإسرائيليات كتب التفاسير ولوثتها ولم تخترق كتب المرويات أو السير؟!

 

إذا كان فكر المؤامرة يسيطر على التيارات الإسلامية الآن جمعاء، وأن الجميع يعادى الإسلام، ولم يفكروا للحظة، أنه من الممكن أن يكون الفرس قديمًا قد تآمروا أيضًا على الإسلام، خصوصًا أن مبرراتهم للتآمر كانت أقوى، فقد كانت حضارات عريقة، وجاء الاحتلال العربى من وجهة نظرهم وبدد حضارتهم وسحقهم وأخذ نساءهم سبايا وأخذ أطفالهم عبيدًا وغلمانًا. العرب والبدو كانوا فى نظر الفرس أجلافًا، واضطر هذا الغلام الذى كان ربما يسكن قصرًا فارهًا ولديه حديقة غناء وأُجبر ليكون خادمًا لهذا العربى أو هذا البدوى، وربما تكون أخته أو أمه جارية وأمَة لنفس هذا الرجل او جاره، ويكون هؤلاء الغلمان هم رواة الأحاديث وكاتبى المرويات، عكرمة مولى ابن عباس ونافع مولى ابن عمر كانا من كبار رواة الأحاديث وهم من الموالى.

 

ألم يفكر أحدهم أن عملية النسخ استمرت 11 قرنًا من القرن الثالث الهجرى حتى نهاية القرن الثالث عشر، حتى بدأت الطباعة، وكان النساخ من الفرس واليهود، كتاب البخارى 800 ألف كلمة، مع العلم أن القرآن الكريم 77 ألف كلمة، بمعنى أن البخارى عشرة أضعاف القرآن، الله حفظ كتابه طبقًا لتفسير الآية الكريمة "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون" والقرآن محفوظ فى صدور الرجال، وكثيرا ما ظهرت نسخ فيها أخطاء كانت تكتشف سريعا بسبب كثرة الحفاظ، ولكن مَن يحفظ البخارى ذا الـ800 ألف كلمة ومن سيكتشف خطأ النسخ إن حدث؟ مَن يستطيع الادعاء أن الله حفظ البخارى كما حفظ القرآن، أو أن هذه الآية تشمل القرآن والبخارى؟

 

ما يخيفنا أن كل التطرف والإرهاب مستند إلى أحاديث موجودة فى البخارى أو الكتب الستة، كثير من الأحاديث تسىء إلى النبوة نفسها وتصطدم مع العلم وتسىء إلى الصحابة، وتسىء إلى الدين الإسلامى الذى تمثله النبوة، وتظهر قسوة وخيانة وغدرًا، إن لم يكن هذا تآمرًا على الإسلام فكيف يكون التآمر إذن؟!

 

فى ذات مرة، مع بعض الزملاء فى ظل دفاع مستميت عن البخارى، أخرجت لهم البخارى وقرأت لهم حديثَين، فقال أحدهم، هذا البخارى الذى معك مزور، قلت له هات البخارى من أى مكتبة تريد أو من أى مسجد وسأخرج لك الحديث، وقال الآخر، وكان متقدمًا فى السن، "لا أريد أن أسمع، أريد أن أكمل الباقى من عمرى مع ما تبقى لدىّ من إيمان"، وحاولت أن أفهمه أن الإيمان بالله ورسوله لا يرتبط بالإيمان بالبخارى، فقال لى لا تحاول، إن رأسى مرتب بشكل بسيط ولا يتحمل أى إعادة ترتيب.

 

أدعوهم لقراءة ما كتبناه من أحاديث ويحاولون قراءة شرحها من أى كتاب شرح سواء من ابن حجر العسقلانى أو من غيره من الشراح، نتحدث عن أحاديث تتصادم مع العلم ومع الأخلاق ومع التسامح ومع القرآن ومع الذوق العام، عندما يكون كتاب الصلاة 108 باب بـ171 حديث لا يوجد حديث واحد عن الصلاة وتفاصيلها ويوجد به 22 حديثًا عن البزاق والنخامة فى المسجد، ولا تبصق أمامك ولكن ابصق عن يسارك أو أمامك أو فكرها بثوبك، كما تدَّعى المروية أن الرسول فعل ذلك، كثير من المرويات لا يستطيع أحد قراءتها على العامة لبشاعتها وصفاقتها.

 

قناعتى الشخصية أن كل هذا العمل كان الهدف منه سياسيًّا بامتياز، والمقصد تضمين أحاديث طاعة الإمام، وإن جلد ظهرك وأخذ مالك وهتك عرضك، وإن كان فاسقًا، وإن كان فاجرًا، فعليك الصبر وتعض بجذع نخلة، وتعمل الذى عليك، وتترك لله الذى لك، وكان من الضرورى تضمين هذه المضامين لعمل كبير، حتى يتم تسويقها ومحاولة إسباغ اليقين عليها أو حتى غلبة الظن، ولكنهم فشلوا، بعد ما صنعوه من علم الرجال وتصنيف الأحاديث وتبويبها، لم يستطع البخارى نفسه الالتزام بما قاله من رواية ثقة تام الضبط عن مثله دون إرسال أو انقطاع، ومنظومة علم الرجال نفسها هشة لا تصمد أمام أى نقاش منطقى، وهذا ما جعل مدرسة الرأى موجودة على مدى التاريخ الإسلامى، ناهيك بانسحاق مدرسة العقل بعد المعتزلة، ولكن حتى مدرسة الرأى والتى تنظر فى المتن وتنظر فى المقاصد، تراجع روادها من أبناء الأزهر حتى أصبح أرباب مدرسة النقل هم المتنفذين، ويقمعون مدرسة الرأى حتى اندثرت، ولكننا سنظل نناطحهم بالحجة حتى يفيقوا، وحتى يعرفوا أن الدفاع عن البخارى وتقديسه يصب فى مصلحة الواقفين خارج مربع الإيمان، لأنه من السهل الولوج من داخل المرويات للتشكيك فى الدين نفسه، وسنصبح أمام معضلة، إما أن ندافع عن الدين وإما ندافع عن البخارى، ولن نستطيع جمعهما فى نطاق واحد.. وللحديث بقية إن كان فى العمر بقية.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات